الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 134الرجوع إلى "الرسالة"

قصة المكروب، كيف كشفه رجاله

Share

ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم

بستور والكلب المسعور

وأخذ بستور ورجاله الخلصاء يصوبون مجاهرهم على مواد  يستخرجونها من أجسام موتى من الإنسان والحيوان. ماتت  بأمراض مختلفة الأجناس بلغت العشرات عداً، وقضوا في هذا  ما بين عام ١٨٧٨ وعام ١٨٨٠. كان بحثهم في هذه الفترة به شيء  من التخليط، وتحسسهم فيها على غير هدى. ثم شاء القدر أو  إرادة الله أن تضع تحت أنف بستور طريقة رائعة للتحصين من  الأدواء، ذلك التحصين الذي حلم به طويلاً. ليس في استطاعتي  أن أؤدي قصة ما جرى في ذلك بالضبط، لأن الذين كتبوا عن  بستور اختلفت رواياتهم فيها، ولأن بستور نفسه لم يشر في  كتاباته العلمية إلى الذي حدث، ولم يقل قط إن الذي جرى له  في ذلك كان حظاً واتفاقاً. ومع هذا فأنا أقصها على أحسن  ما أستطيع، وأسد خللها على قدر الإمكان

ففي عام ١٨٨٠ كان بستور يلهو بتلك المكروبة الصغيرة  البالغة الصغر التي تصيب الدجاج فتميته بالداء المعروف بكوليرا  الدجاج، وكان الدكتور بيروُنسيتو اكتشفها فوجدها  ضئيلة بالغة في الضآلة فلا تُرى المكروسكوب منها غير نقطة  صغيرة ترتعد تحت أقوى العدسات، وكان بستور أول باحث  استطاع تربيتها نقية، وذلك في حساء صنعه لها من لحم الدجاج،  وبعد أن راقب هذه النقطة الراقصة، وهي تتكاثر في هذا الحساء  فتبلغ الملايين الكثيرة في الساعات القليلة، قام فأخذ من الحساء  قُطيرة فأسقطها على فُتيتة خبز ألقمها دجاجة، فلم تمض ساعات  حتى انتهت وقوقة هذا الطائر المنكود ورفض الطعام وانتفش  ريشه واستدار فكان ككرة من العِهن. فلما أصبح الصباح  جاءه بستور فألفاه يترنح على رجلين ضعيفتين، وعيناه في اغتماض  من نوم غامض انقلب سريعاً إلى نوم أبديّ عميق

وقام رو وشمبرلاند على هذه المكروبات  الصغيرة يربيانها ويرعيانها تربية الحاضن ورعايتها. فكانا يغمسان  عوداً من البلاتين في حساء يعجّ بها، ثم يغمسانه بما حمل من  البلل ويحركانه في حساء جديد خال من الأحياء، فلا يلبث أن  يعجّ هذا بالخلائف الجديدة من ذلك المكروب. وقاما على هذا  يوماً من بعد يوم، ويكثرون من القليل الذي على العود البليل  العدد الهائل الكبير من هذه المكروبات، حتى ازدحمت مناضد  المعمل بزريعات متروكة قديمة بلغت أعمار بعضها أسابيع كثيرة،  وتفكر بستور فيها فقال:   (غداً نُنحّي كل هذا الركام  وننظف المناضد)

وهنا جاء الحظ يهمس في إذن بستور، فما كان من صاحبنا  أن غيّر رأيه، فقال لرو:   (نحن نعرف أن مكروب كوليرا الدجاج  لا يزال حياً في هذه القبابة. . . نعم إنه قديم، فقد تركناه في مكانه  بضعة أسابيع. . . ولكن برغم هذا أرى أن تحقن قطرات  قليلة منه في بعض الدجاج. . .)

وأنفذ رو ما سأله بستور، وإذا بالدجاجات يجيئها المرض  فيذهب عنها المرح والخفة والنشاط، وتهوّم كأنها تطلب النعاس.  وأصبح الصباح فأتى بستور يطلبها في المعمل لتشريحها وفحصها  مؤقتاً أنها لاشك ماتت كالعادة، فإذا بها تجري على عينه هنيئة  سعيدة. قال بستور:   (هذا عجيب إن المكروب من زريعاتنا  كان قبل الآن يحقن في العشرين دجاجة فتموت العشرون  كلها، أما هذه. . .!)  على إنه لم يكن قدّر لبستور في هذا  اليوم أن يكشف كشفه الخطير المنظور؛ ففي الغد قام هو وأسرته  ورو وشمبرلاند لقضاء عطلة الصيف، وقبل سفره أودع  الدجاجات التي برِئت ذمة حارس المعمل ونسي أمرها

وعاد بستور من سفره. وذات يوم طلب إلى خادم المعمل أن  يحمل إليه بعض الدجاج الصحيح الجديد، وأن يجهزه للحقن،  قال الخادم:   (ولكن يا سيد بستور لم يبق من دجاجنا الجديد  الذي لم يحقن غير زوج أو زوجين، أما البقية فأنت تذكر إنك  حقنتها قبل سفرك بمكروب من زريعات قديمة فمرضت ولكنها  لم تمت) . فتسخط بستور على الخدم الذين يهملون فلا يحتفظون  بوفرة من الدجاج لتكون دائماً كافية حاضرة، ثم قال:   (إذن  فأحضر ما عندك من دجاج جديد، وزوّدنا كذلك بزوج

 أو اثنين من الذي حقناه فأبى أن يموت. . .)

وأحضرت الدجاجات وهي تملأ الجو صياحاً، فضرب أحد  الأعوان محقنه في عضلات صدورها بملايين المكروب في صدور  تلك التي كانت حقنت من قبل، وكذلك في صدور الجديدات،  ومضى النهار؛ وأصبح صباح الغد، فأقبل رو وشمبرلاند إلى  المعمل، وبينما هما يدخلان سمعا صوت بستور خافتاً يأتي من تحت  السلم من بيت الدجاج وهو يصيح بهما:   (رو! شمبرلاند!  انزلا إليّ وأسرعا!)  وكان بستور يسبقهما دائماً إلى المعمل  بساعة أو نحوها

ونزلا إليه فوجدا أمام الأقفاص يذرع الأرض بخطواته.  فقال لهما:   (انظرا! إن الدجاج الجديد الذي حقناه أمس مات.  وكان يجب أن يموت. ثم انظرا إلى هذا الدجاج القديم الذي  كنا حقناه من شهر مضى، فمرض ثم طاب، هذا الدجاج أخذ  بالأمس نفس الحقنة القاتلة التي أخذها ذلك الدجاج الجديد،  ولكنه لم يمت. . . لقد قاوم فعل الحقنة أتمّ مقاومة، إنه فرح  مرح. . . إنه يأكل!)

فاختبل رو وشمبرلاند، وانبهم عليهما الأمر حيناً. فقال  بستور:   (ألا تدركان مغزى هذا؟ مغزاه أني وجدت كل  ما أردت! لقد وجدت الآن كيف أعطي الداء قليلاً إلى الحيوان  - قليلاً بحيث يمرضه ولا يميته فيشفى وشيكاً. . وكل الذي  علينا أن نعمله هو أن ندع هذه المكروبات الحادة القاسية تشيخ  في زجاجاتها. بدل أن نستخرج منها بالزرع أنسالاً كل يوم. . .  إن المكروبات تَقدُم فتشيخ فتهدأ حدتها، وتضعف ثورتها،  فإذا أنت حقنتها في الحيوان أعطته مرض الكوليرا، ولكن  بعضاً قليلاً منه لا كله، فإذا طاب استطاع بعد ذلك أن يصمد  لأخبث مكروب في العالم. . . فإنما تريان أن فرصتنا في هذا  عظيمة؛ وأن هذا أخطر اكتشافاتي، هذا اللقاح الذي كشفت،  وهو أكثر تأكدا من لقاح الجُدري وأكثر منه  حظاً من العلم، فالجدري لم ير أحد له جرثومة. . . فهيا بنا  نطبق هذا على داء الجمرة. . . وعلى كل الأدواء الخبيثة. . .  ونخلّص حياة الإنسان والحيوان!) -  ٣ -

لقد كان الذي وجده بستور مصادفة واتفاقاً، فلم يكن من تدبير

اشترك في نشرتنا البريدية