الصمت مخيم على قاعة الكاثدرائية فى بيزا، حيث يتعبد طالب طب شاب ، اللهم إلا من صوت سلسلة تتأرجح ؛ فقد ملأ سادن مهمل أحد المصابيح المعلقة بالزيت وتركه يتذبذب ... وكان لصوت تلك السلسلة المتأرجحة أثر فى قطع تأملات الطالب المتعبد ، وبدأ سيل من الأفكار والتصورات فى مخيلته ، خرجت به عن أفق تعبده وصلاته ، وإذا هو فجأة يثب على قدميه مثيرا دهشة من حوله من المتعبدين .. فقد أبرق عقله بقبس من النور فيما يتعلق بتذبذب المصباح ، إذ بدا له أن الذبذبات كانت متوافقة ، وأن بندول السلسلة المتأرجحة كان يأخذ نفس الوقت فى كل ذبذبة على الرغم من أن مسافة الذبذبة كانت آخذة فى التناقص باستمرار ... فهل أصابت حواسه فيما أحست به ؟؟ ...
إذا كان الأمر كذلك ، فإنه يكون قد توصل إلى كشف عظيم ، وما عليه إلا أن يسرع إلى منزله ويجد فورا هل كان اعتقاده خاطئا أم أنه اكتشف إحدى حقائق الطبيعة الهائلة ...
التجربة :
وصل إلى منزله وأحضر خيطين متساويين فى الطول وأوصل كلا من طرفيهما بقطعتين من الرصاص من نفس الوزن وربط الطرفين الآخرين إلى مسمارين منفصلين ، واستعد لإجراء تجريته ... طلب من والده الروحى موذيو تبدالدى ، أن يساعده فى تجربته ، وذلك بأن يحصى حركات أحد الخيطين ، بينما يحصى هو حركات الخيط الآخر؛ فهز الرجل الهرم كتفيه وهو يقول لنفسه : " إنها إحدى فكر جاليليو الجنونية " . ولكنه ارتضى مساعدته .
أمسك جاليليو بالبندولين وأبعد أحدهما مسافة توازى عرض اليد أربع مرات، وأبعد الآخر نصف تلك المسافة ، ثم تركهما فى لحظة واحدة ليتذبذبا ...
أحصى الرجلان عدد الذبذبات للبندولين فى مدة معينة ، ثم قارناها، فكانت النتيجة واحدة ... مائة ذبذبة فى كل حالة !!! .
وبذا اكتشف جاليليو من الحركة التذبذبية لمصباح الكاثدرائية الزيتى القاعدة التوافقية للطبيعة التى تستخدم اليوم فى إحصاء نبض الإنسان وقياس الزمن فى الساعة ، وكسوف الشمس وحركة النجوم ...
كان جاليليو دائما يجرب ، حتى منذ طفولته تجده يرفض الاعتماد على معلومات غيره وما يؤمنون به من الحقائق ، بل يضع كل شئ على محك اختبار حواسه وعقله . . .
نشأة جاليليو :
ولد لأستاذ فى الموسيقى ، فأظهر من صغره شغفا بموسيقى الكرات، وكان والده إذا تحدث عنه ، يصفه بأنه ولد شارد تائه يرى رؤيا عجيبة ويسمع أصواتا غير معقولة ويقضى ليله يحدق فى النجوم ..
وفى المدرسة حين كان الأستاذ يحاول أن يشرح للطلبة أهمية حروف الجر والأفعال اللاتينية يكون جاليليو شارد الفكر يسرح بفكره بين السحب ، مفكرا فى البالون الذى أهداه له والده بمناسبة عيد ميلاده .
كان أفق خياله منسرحا، وكانت له ذاكرة قوية ، ففى خلال أوقات لعبه ولهوه، كان يصنع كل أنواع الآلات والأدوات الصغيرة مثل العربات والطواحين والسفن وأى شىء من الأشياء التى شاهدها بحواسه الحارقة غير العادية أثناء سيره فى الصباح .
وفى سن الثانية عشرة أرسله والده إلى مدرسة الدير فى فالمبروسا .. وهناك تحت تأثير رجال الدين ، فكر بعض الوقت فى أن يدخل الدير ويغدو راهبا . ولكن والده لم يشجعه على هذه الفكرة ، وأخذه من فالمبروسا ، إذ كان يود له أن يكون تاجر أقمشة .. !! ولكن كانت لجاليليو أفكاره الخاصة ، إذ أصر على أن
تكون له مهنة علمية، وهى أن يتخصص فى الرياضيات ، ذلك الحقل من المعرفة الذى كان يعنى لصاحبه فى تلك الأزمنة غير العلمية الفقر المدقع مدى الحياة .
وأخيرا اتفق الوالد والابن على أن يلتحق جاليليو بجامعة بيزا ليدرس الطب . وهناك اندمج خفية وبكل عاطفته فى دراسة الرياضيات ، فكان يخفى تحت كتب هيبوقراط وجالينوس فى الطب كتب إقليدس وأرشميدس ، كما كان يجرى فى أوقات فراغه تجارب بآلات من صنعه ..
" لقد تكلم السيد..! "
ولم يلبث أساتذته أن علموا بدراساته وما يجريه من تجارب ، فاستاءوا منه ، إذ كان من الهرطقة أن يفكر طالب بنفسه وأن تكون له آراء ومعتقدات خاصة . فكل المسائل العلمية قد بحثها أرستطاليس وانتهى برأى فيها ..!!
وإذا جرؤ طالب على الاعتراض كان الأستاذ ينهى النقاش بالجملة المشهورة : " لقد تكلم السيد. " (يعنى أرسطو) وإن فى قوله لفصل الخطاب .. !!
طالب عنيد :
ولكن كان هنا طالب شاب عنيد قد عول على أن يوقف تحكم أساتذته وطرقهم فى فرض المعلومات بدون مناقشة ، بواسطة مشاهداته الخاصة وما يجريه من تجارب . ولم يلبث الأساتذة أن كتبوا إلى والد جاليليو يطلبون منه وضع حد لهرطقة ابنه وعدم مبالاته بنتائج أعماله ، حرصا على سمعة الجامعة وصونا لحياته . فحذر الموسيقى الشيخ ابنه ونصحه باتباع ما يمليه عليه أساتذته وعدم التدخل فيما لا يعنيه من شئون المجهول ..
ولكن جاليليو لم يلق بالا إلى تلك النصيحة ، فقد اكتشف خلال مزاولته فى الخفاء لعلم الرياضيات أن ذلك العلم هو لغة الطبيعة ... وكان على استعداد لأن يتفرغ مدى الحياة لدراسة هذه اللغة ...
أرشميدس عهده :
وكنتيجة لعناده رفض أساتذته أن يمنحوه دبلوم الطب ، ولما ترك جامعة بيزا وجعبته خاوية ، والكل يرى فيه شخصا خفيف العقل يضيع وقته فى عمل رسوم وأشكال لا طائل
تحتها ... ولكن مقدرته فى عمل تلك الرسوم والأشكال جلبت له سمعة طيبة بين أساطين علماء الرياضيات فى إيطاليا أمثال " جيسبى مولينى " و" الأب كريستوفورو كلافيو " و" جيدو بالدور ديلنت " وهم رجال أطلعهم جاليليو على بعض مشاهداته العلمية فقدروه ولقبوه " بأرشميدس عهده " . ولكن أرشميدس عهده وجد الرياضيات بديلا فقيرا للطب، ففى ذلك العهد كان هناك كثير من المرضى، وليس هناك إلا قليل من المتطلعين المنقبين عن الأسرار . وقد حاول البحث عن عدد من الطلاب من طائفة النبلاء ليدرس لهم الرياضيات ، فاكتشف أنه من الصعوبة بمكان أن يجد فردا على استعداد لأن يعطى مقابل تلك الرسوم والأشكال الخيالية خبزا وزبدة ...!!
ومن حسن الحظ أن خلا كرسى الرياضيات فى جامعة بيزا فحصل جاليليو عليه ؛ ويرجع الفضل فى ذلك إلى أن أحدا لم يهتم بالحصول عليه ، لأن المرتب السنوى كان حوالى خمسة عشر جنيها ...
امتحان مذاهب أرسطو :
ولكى يزيد من دخله بدأ يزاول الطب فى أوقات فراغه ، ولكن أوقات فراغه كانت قليلة ، فقد غدا الآن مشغولا أكثر من أى وقت مضى بتجاربه ؛ لأن غرضه كما يقول ، هو امتحان مذاهب أرسطو العلمية من جديد ، بدل التسليم بها على طول الخط كحقيقة واقعة ... فالطريق إلى المعرفة ليس باستيعاب كتب أرسطو، ولكن بدراسة كتاب الطبيعة . وأصغى الطلبة إلى محاضراته وهم يحاولون إخفاء ابتساماتهم ، فى حين صب الأساتذة على رأسه اللعنات ...
" ... ما الذى يعنيه هذا المحاضر المبتدىء الوقح حين يرمى بكتب أرسطو المقدسة عرض الحائط ويستبدل بها تلك الأدوات المبتدعة المضحكة من حبال وكتل من الرصاص إلى روافع وقوائم وزوايا ومسطحات ؟؟ ..
إن تلك الأشياء ما هى إلا لعب تلهو بها الأطفال ، وليست أدوات للدراسة الخطيرة لغوامض العالم ... " ثم أنذروه وهددوه بالويل والثبور إن لم يرتدع ويوقف هذا الهراء - على حد اعتقادهم . ولكنه رفض التخلى عن تجاربه ؛ ولذا عولوا على أن يضعوا وعيدهم موضع التنفيذ .
قصة برج بيزا :
كان جاليليو قد أكد - خلافا لتعاليم أرسطو التى كانت تقول بأن سرعة الأجسام الساقطة تختلف بالنسبة إلى ثقلها - أن جسمين مختلفى الوزن إذا رميا معا. أعنى فى نفس اللحظة من ارتفاع واحد فإنهما يصلان إلى الأرض فى نفس الوقت .
وقال الأساتذة : إن ذلك هراء ، فلا يصدق إلا مغفل أن ريشة وكرة مدفع يسقطان إلى الأرض من عل بنفس السرعة ووجدوا أن الفرصة سانحة لأن يلحقوا العار الدائم بجاليليو بعرض معتقداته الزائفة غير المعقولة على أنظار الناس ، فتحدوه فى أن يثبت لهم قوله أمام أساتذة الجامعة وطلبتها ...
وقبل جاليليو بكل سرور هذا التحدى .. وكان المكان الذى اختير للعرض هو برج بيزا المائل . وفى اليوم المحدد ارتدى الأساتذة أروابهم الجامعية المصنوعة من القطيفة وأتجهوا إلى البرج ، وكان الطلبة وكثير من الأهالى قد بادروا إلى المكان الذى اكتظ بجماعات من المهرجين أعدت لتشهد الإعدام الأدبى لشخص جاليليو ...!!
ومن العجيب أن أحدا لم يفكر فى أن يثبت لنفسه تلك الحقيقة البسيطة عن سرعة الأجسام الساقطة .. ! لقد تكلم السيد فلماذا تتعب نفسك ؟؟
مشهد رائع :
وبين ضحكات النظارة الهازئة وسخريتهم اللاذعة صعد جاليليو سلم البرج المائل وفى إحدى يديه كرة تزن عشرة أرطال وفى الأخرى كرة زنتها رطل ...
وجاءت اللحظة المرتقبة ... ترك جاليليو الكرتين تسقطان من أعلى البرح مصحوبتان بصيحات عدم المبالاة من الجماهير والجموع المحتشدة .. ثم ماذا ؟؟ ... غمغمة اندهاش وعجب. فقد حدث ما لم يكن فى الحسبان وما لم يكن أحد ليصدقه وسقطتا خلال الهواء معا ووصلتا إلى الأرض فى نفس اللحظة ..
لقد أثبت جاليليو نظريته ، ولكن بعض الأساتذة أصروا على خطئه برغم ما شهدته عيونهم ، وظلوا يقدسون مذاهب أرسطو وتعاليمه ويعاملون جاليليو بقسوة وتعنت .
تعنت
ولم يفقد جاليليو شجاعته برغم هذا التعنت وتلك المعاملة القاسية، بل استمر فى طريقته التعليمية الخارقة للتقاليد وفى حياته غير العادية ؛ فقد كان من القواعد الأكاديمية المتبعة فى بيزا أن يرتدى الأساتذة أروابهم الجامعية ليس فقط داخل حجر الدراسة ، بل فى طرقات المدينة أيضا ..
ولكن جاليليو خرق هذا التقليد ، لأنه كان يراه سخيفا لا معنى له ، مصرا على أن تلك الأرواب تضايق حركاته ، فهو يريد أن يكون حرا فى كل وقت طبيعيا وعقليا ... " فالملابس التقليدية كالعادات الموروثة من صنع الشيطان . "
واضطر بين حين وحين أن يدفع ثمن هذا الخرق للتقاليد على حساب مرتبه. وفى نهاية الأمر نفد صبر السلطات الجامعية على هذا الشاب الثائر الذى جرؤ على تكذيب الأفكار والعادات المأخوذ بها فى ذلك الوقت ، وانتهوا إلى أنه ليس بالنوع الصحيح من الرجال الذى يمكن أن يترك فى بدء عنان النشء . وقرروا أن يلفقوا له تهمة لطرده من الجامعة
الأمير الحنق :
ولم ينتظروا كثيرا ليجدوا هذا السبب الملفق ، فقد اخترع البرنس دون جيوفانى دى مرسيس الابن غير الشرعى لكوسيمى الأول ، آلة للنزح لتستعمل فى تنظيف خليج ليجهورن، وأرسل نموذجا لها إلى جاليليو ليختبره ويكتب عنه تقريرا . وجاء تقرير جاليليو مخيبا لآمال الأمير ، فقد كتب له يقول إن آلته جد رائعة ماعدا شيئا واحدا ، وهى أنها لا يمكن أن تعمل ...!!
وغضب الأمير لكبريائه المجروحة وطلب طرد جاليليو من الجامعة لعدم صلاحيته . وكانت السلطات الجامعية جد راغبة فى هذا الطلب ، واشترك الطلبة بتحريض الأساتذة الأرستطالبين فى شلح هذا الأستاذ ، وبدا طرد جاليليو من جامعة بيزا ...
وهكذا أسدل الستار على الجزء الأول من حياة هذا العالم الفذ الذى سيبقى اسمه خالدا على مر السنين والأيام ...

