الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 386 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة :, حب القط الصغير الأصفر

Share

قال ابنى : " عجيب ! لماذا لم أر الصغير أكثر الأحيان في هذه الأيام الأخيرة ؟ . "

كان ابني يظل مع قطه الأصفر طول اليوم يلعبان لعبة الكرة ويطاردان الفراشة الجميلة ، وعندما يأتي وقت الأكل يجلسان على المائدة فوق كرسي واحد ، ويطعمم ابنى القط الطعام الذي يشتهيه ، وحين يجيء ميعاد النوم ينامان في سرير واحد ، ويرقد القط بجوار كتف أبني ، ولم يفترقا ابدا ، ولم يتغيب أحدهما عن الآخر كثيرا من الزمن ولا قليلا ، حتى كان ابني يري في المنام أن القط يلعب معه .

ولكن في الأيام الأخيرة غاب القط عن ابني كثيرا ، وغادر البيت وتركه منفردا ، فشعر ابي بوحشة شديدة لم يذقها في عمره ، فأراد أن يراه ويبحث عنه ، فبحث عنه بجوار المدفئة المهملة ، وفي مخرن الأشياء القديمة ، وفي زوايا البيت ، وتحت السرير ، وفي كل مكان من البيت ، ولكنه لم يجده فحرن حزنا شديدا . ثم فجأة جاء القمط بنفسه ، ولما رآه ابني استقبله بكل فرح وحمله بين يديه ، ومسحه وقبله وأظهر له حبا أكثر مما كان يحبه قبل غيابه ، ولكنه شعر في الحال بأن القمط لم يقبل عطفه الآن كما قبله من قبل ، فلم يغن أمامه غناء ولم يرقص معه رقصا ، وكأن عنده فكرة تشتغله عن كل شئ ، حتى إذا سنحت له الفرصة غادر البيت ولم يهتم بابني كأنما يسعي لتحقيقها . وحصلت أمثال هذه الأحوال بين ابني وبين القط مرات كثيرة في هذه الأيام الأخيرة .

وأما ماذا جعل القط الصغير ذا العينين اللامعتين والشعر الاصفر الجميل ، يغيب عن ابني ولا يلعب معه ، فلذلك قصة طريقة :

كان بجوار بيتي حوض فيه ماء قليل نقى ، وأمامه شجيرات مدت فروعها فوقه تتحرك حركة خفيفة تجعل منظر الحوض بهيا رائعا ، وكانت صورة زهورها الزرقاء والبنفسجية قد انعكست في قاع الحوض واضحة جلية ، وكانت أوزة تعوم في هذا الحوض الجميل ، وحجبت فروع الشجيرات الخضراء فوق رأسها أشعة الشمس ، فظهر ريشها الأبيض فوق الماء الأخضر جميلا هادئا يعجز عنه الوصف ، وجاء القط الأصفر إلى شاطئ الحوض ، ولما رأي الأوزة أحبها حبا تأجح في قلبه كأنه نار .

وكانت الأوزة جميلة ظريفة ، على جسمها ريش ناعم أبيض ، ولها عينان صفراوان لامعتان ، وفوق رأسها عرف ذهبي كالتاج ، وحركاتها الظريفة الخفيفة تأخذ بمشاعر القلوب ، فمن الذي لا يحب هذه الأوزة الجميلة ، خصوصا وقد رآها القط الصغير الأصفر أول مرة !

وقرب القط من الاوزة ، فقال لها بصوت رقيق ! " أيتها الفتاة البيضاء الشقراء ! إنك تموتين في هذا الحوض الجميل وما أسمك ! "

فقالت الأوزة : " نعم أنا سعيدة هنا " ثم أدارت رأسها قليلا ، وأمضت نصفي عينيها ، فزاد شكلها جمالا على جمال . ولما رأي القط هذا الشكل الجميل فرح غاية الفرح ، وأغمض عينيه ، واخذ يتذوق طعم هذا الشكل كأنه يتذوق قطعة من الحلوي .

وبعد برهة سأل القط الأوزة قائلا : " أنت تلعيين وحدك هنا ، فهل تشعرين بوحشة ؟ " فقالت الأوزة : إنى لم اشعر بوحشة أبدا ، ولكن إذا كان أحد يريد أن يكون لي صديقا ويلعب معي أكون في غاية الانبساط " .

وقال القط سريعا : " إني أكون صديقا لك وألعب معك " . فقالت الأوزة : " إذا رضيت عن ذلك فإنى أشكرك شكرا عظيما " .

وهكذا تصادق القط والاوزة ، وبعد ذلك بقي القط يذهب كل يوم إلى شاطئ الحوض ليزور صديقته الأوزة وليتحدث إليها ويمتع سمعه بحديثها العذب عن منظر الحوض الجميل ، وكانا يتساءلان : متى تأتي الفراشة الجميلة المختلفة الألوان إلي الشاطئ ؟ ومتى تتفتح الزهور الجميلة ؟

ومرة يغني كل منهما لصاحبه غناء رائعا ، ويقص عليه قصصا ظريفة ، وأخري تذهب الأوزة إلي الشاطئ وتنام مع الققط تحت أوراق الشجيرات الخضراء ، وأحيانا تسابقه في البحث عن الحشرات ، ومن وجد حشرة جميلة منها فهو الذي يكسب المسابقة ، وطورا يعدان السحب التي تمر فوق الشجيرات ، ومتى تفهي ؛ ومتى تأتي مرة ثانية ، فلذلك نسي القط ابني صديقه الوفي الذي كان يلعب معه طول اليوم ومع أن القط كان يلعب مع الاوزة كل يوم ويتحدثان حديثا لذيذا فإن قلبه كان يضطرب اضطرابا شديدا عندما يهم ان يكاشفها بحبه ، لأنه كان يعتقد أن الحب أحسن من اللعب ألف مرة ، وقال في نفسه : " كيف أتكلم معها عن الحب ؟ وإذا كلمتها فكيف ترد على ؟ " وفكر في ذلك كثيرا وأراد أن يصبر ولكنه لم يقدر على ذلك ، وأراد أن يتكلم معها ولكنه خاف من سوء النتيجة ، فلذلك كان إذا فارقها ورجع إلى البيت بقي مشغولا بها ومستغرقا في ذلك الحب ، ولذلك لم يلعب مع ابني ولم يقبل عطفه عليه بفرح ، وابني يعجب منه كثيرا ولا يفهم سبب ذلك .

وذات يوم لم يملك القط نفسه ولم يتمكن من الصبر ولم يبال بالنتيجة ، فعزم على ان يتكلم مع الاوزة عن ذلك الحب ، فأعد سلة وملاها محارا وربط في يدها حزمة من الازهار الخراء ، واراد ان يهديها إلي الاوزة ، تخرج من البيت ومشي في الطريق يفكر وبشجع نفسه قائلا : " إذا قابلنها فقولي لها ذلك الحب ولا يخافي ثم ذهب إلي شاطئ ترعة ، فرأي صورته في الماء ، ورفع بدء فنظم شعره الأصفر وجعله مصقولا لامعا ، وفتل طرفي شاربيه وتركهما

منصوبين على جانبي شفتيه العليا ، فعجب من نفسه قائلا : " إنك لقط جميل بغير شك ! "

وذهب القط إلي الحوض ، فرأي أن الأوزة قد دلفت إلي جانبه ، وظهرت صورتها في الحوض جميلة جذابة ، فقرب منها وقد علت وجهه ابتسامة مرحة ، وقال لها : " يا فتاتي الصغيرة الشقراء ! قد جئت هنا قبلى ، فهل انتظرتني كثيرا ؟ " ولم ينتظرها تجيبه حتى قال لها : " إني قد جئت لك اليوم بهدية ضئيلة بخسة القيمة يافتاتي الصغيرة ! فأرجو أن تري إخلاصي لك وتقبليها ! " وقدم لها السلة ، ولما رأت الاوزة في السلة المحارة التي تحبها والأزهار الجميلة سرت غاية السرور ، وقبلتها بكل فرح ، وشكرت صنيع القط عظيم الشكر ، ووضعت الأزهار في صدرها ، فزاد شكلها جمالا أخذ بقلب القط ، ولعبا كما يلعبان كل يوم .

وقال الققط لنفسه : " لا تخافي قولي لها الحب ! لا تخافي " وشجعها مرات كثيرة ، ثم أقدم فقال للاوزة : " يا فتاتي الصغيرة الشقراء ! هل يمكنني أن أتكلم معك كلمة واحدة . . وهي : " إني احبك ! إني احبك ! " هكذا قال لها تلك الكمة التى يظهر فيها اضطراب قلبه .

فعجبت الأوزة من هذه الكلمة وسألت القط قائلة إنك تحبنبي : " وفكرت كثيرا ثم قالت بصوت رقيق : " إني أشكرك جزيل الشكر لحبك لي . ولكني أرجو أن تبين لي أولا اي شئ تحب في جسمي ؟ وإذا بينت لي ذلك أعطيتك إياه وأرضيتك به " .

ولما سمع القط هذه الإجابة فرح فرحا كأن قلبه يريد أن يطير من مكانه ، فأراد ان يتقرب من الأوزة ويقبلها قبلة الحب ، ولكنه قال في نفسه : " ماذا أريد من . جسمها ؟ " وفكر كثيرا ثم قال لها : " إنى أحب ريشك الأبيض الجميل الذي يشبه لون الثلج . " فقالت الاوزة : " إني أعطيك ريشي الأبيض الجميل

الذي يشبه لون الثلج . " وخلعت ريشها أمامه ، وهبت الريح فبعثرته على الأرض ، ولكنها أسرعت فجمعته وأعطته للقط .

وقال الققط : " إن أحب عينيك المتحركتين الجميلتين اللتين أرسلتا أشعتهما الذهبية لامعة . " فقالت الأوزة : " إني أعطيك عينى المتحركتين اللتين أرسلتا أشعتهما الذهبية لامعة " فأخرجت عينيها ورفعتهما للقط فقبلهما بمخلبيه .

وقال القط : " إني أحب عرفك الأحمر كالتاج العقيقي " فقالت الأوزة : " إني أعطيك عرفي الأحمر كالتاج العقيقي " وأسقطت عرفها أمام القط . وقال القط : " إني أحب فمك الجميل الذي يستطيع أن يغني غناء رائعا . " فقالت الاوزة : " إني أعطيك فمي الجميل الذي يستطيع أن يغني غناء رائعا . " وسقط فمها أمام رجليه .

وقال القط : " إني أحب رجليك الظريفتين . " فقالت الأوزة : " إني أعطيك رجلى الظريفتين " وسقطت رجلاها ، فبقى لها جسم عار من الفم والريش والعينين والرجلين .

وقال القط : " إني أحب جسمك العاري القشيب " فقالت الاوزة : " إني أعطيك جسمى العاري القشيب " فتحرك الجسم يدور أمامه . ولما رأي القط أن الاوزة أجابت كل مطالبه وأعطته كل أجزاء جسمها ولكنه لم ير شكلها الكامل الجميل قائما أمامه ، حزن حزنا شديدا كأن قلبه قد طعن بسهم ، فنادي الأوزة قائلا : " يافتاتي الصغيرة الشقراء ! ابن أنت الأن ؟ " ولما لم تجبه رجع إلى البيت مطأطئ الرأس صفر اليدين ، وحينما رآه ابني استقبله بكل عطف وحمله بين يديه يداعبه ، ولكنه رأي الدموع تملأ عينيه .

وعندما أصبح صباح الغد ذهب القط إلي شاطئ

الحوض يريد أن يري الريش والعرف والعينين وغيرها من أجزاء جسم الاوزة ، ولم يصل إلى الشاطئ حتى رأي أنها تعوم في الحوض كما كانت تعوم فيه كل يوم سليمة الجسم جميلة الشكل ، ظريفة الحركة ، وسمع صوتها رقيقا ناعما لم يتغير مطلقا ، ففرح كل الفرح ، وناداها قائلا : " يافتاتي الصغيرة الشقراء ! إني اشكرك عظيم الشكر ، لأنك أعطيتني امس كل أجزاء جسمك ، ولكن أين ذهبت أنت نفسك يا حبيبتي ؟ . "

فقالت الأوزة : " إني أرجو منك أن لا تطلب مني الحب بعد اليوم ، فهلا اقتنعت بصنيعي لك بالأمس ؟ فأري أنه يجعل بنا ان نكون صديقين فقط " . وهكذا سمحت تسميته من غير تكلف .

وقال القط : " نكون صديقين فقط ؟ " فقالت الاوزة : " نعم ، نكون صديقين فقط ، لأن صنيعي لك بالأمس يخبرك أنه لا يمكننا ان نكون حبيبين . فإن كنت تطلب منى الحب وأجبتك فلا يفيدك ذلك لأنك لن تجد نفسي الكاملة . " ففشل القط أخيرا .

اشترك في نشرتنا البريدية