قال أحدنا ونحن جلوس نتسامر : إني لأسف حقا إذ لم يعد لك لماسي الحب القديمة العظيمة - كحب روميو وجوليت وحب مجنون ليلي - من وجود الآن فرد آخر : إنه يعتقد أن هذه الماسي لم توجد قط ، بل هي أوهام من نسيج خيال الشعراء . وأطرق صديقنا ص مليا ثم قال في صوت مكتئب : بل لا تزال تحدث مع الأسف مثل هذه المآسي ، أقول مع الأسف لأن الحادثة التي اعرفها محزنة وهي مازالت عالقة في ذهني رغم مضي سنوات ثلاث عليها . . قلنا : الا تحدثنا عنها ؟ قال : أود ذلك لكني أخشى أن أدخل عليكم بها الحزن ، فألححنا في سماعها . عندئذ أخذ يقص علينا قصته :
ذهبت منذ ثلاث سنوات إلي حي من الأحياء الوطنية في شأن من الشئون ، وصادف ان نفذت مني سجايري الأمريكية ، فسألت رجلا معمماً يجلس أمام دكان به عروض مختلفة ومنها السجاير ، عما إذا كان لديه سجاير امريكية ، فاعتذر الرجل لعدم وجود هذا الصنف عنده ، قائلا إني لاشك واجده لدي إبراهيم أفندي بائع الدخان ، ثم اشار إلي دكان آخر ليس بالبعيد ، وبالفعل وجدت طلبي عند إبراهيم هذا ، ولكني كم أسفت بعد ذلك على ذهابي إليه لأن المنظر الذي رأيته أحزنني كل الحزن : كان إبراهيم شابا في ريعان الصبا دمئا جميل الصورة جدا ولكنه مع الأسف ضرير . ثم لاحظت من الحركات غير المنتظمة التي كان يبديها أنه حديث العهد بمصابه ، وكان بالدكان صبي في العاشرة يعاونه في تجارته المتواضعة ، فإذا انقضي النهار سحبه إلي منزله . قابلت لدي عودتي من
عند إبراهيم ذلك التاجر المعمم الذي دلني عليه ، فسألني متلطفا : هل وجدت ياسيدي طلبك لدي إبراهيم أفندي ؟ قلت : أجل ، أشكرك ولو أني كنت أوثر ألا أذهب إليه لأني رأيت ما أحزنني . . تنهد الرجل طويلا ثم قال : حقا . إنه شئ محزن ، ولكن الأكثر إيلاما أن تعرف كيف فقد بصره . . هل ترغب في سماع قصته ؟ قلت : لا بأس ، لأن مصاب إبراهيم آثار شفقتي . فقدم الرجل إلي عندئذ كرسيا جلست عليه شاكرا ، ثم أخذ يقول : إبراهيم أفندي هذا كان ابنا لرجل بسيط يعمل كاتبا في دائرة أحد البكوات العظام ، وكان يرافق والده كل يوم في الصباح إلي مقر عمله وهو قصر ذلك البك . حيث كان الصبي إبراهيم يلقي بشاشة وترحابا . ذلك لأنه فضلا عن كونه مؤدبا كان آية في الجمال . كان إبراهيم يشارك في القصر أمينة بنت البك الوحيدة ألعابها ، وهي من سنه . ولا يفترق الصغيران ، تراهما يمرحان في الحديقة وفي القصر على السواء . . وأمينة جميلة أيضا فكان الكل يأسفون على أن إبراهيم ليس من أبناء الذوات وإلا لكانا لدي نضجهما زوجين من الطراز الأول ، يقال أيضا إن إبراهيم كانت له عينان جذابتان جدا . يحدث أحيانا أن نزل قدم أمينة أثناء عدوها فتصاب بخدش في يدها أو في رجلها يبكيها ، وعندئذ يكفي أن يرمقها إبراهيم بعينه حتى يجف دمعها فجأة ، وإذا مرضت كانت عينا إبراهيم علاجها الوحيد في تسكين الألم سألها إبراهيم ذات يوم مبتسما : لماذا يا أمينة حينما تنظرين إلي عيني تنسين آلامك ؟ أجابت الصغير في سذاجة ؛ لأني أشاهد فيهما أشياء باهرة يخيل إلي أنني أنظر إلي سماء بأكملها إلا أنها سماء في حجم مصغر ،
ثم مرت السنون وفي ذات يوم شاهد الناس الصغيرين قد تحولا إلى شاب وشابة علي جانب عظيم من الجمال قل
أن يري مثلهما . إنقطعت الألفة التي كانت بينهما بحكم التقاليد علي مضض منهما واسف ، لان حبهما توثق علي مر . الأيام .... ولم يعودا يتقابلان إلا قليلا . . ثم حدث امر لا محيص منه وهو خطبة أمينة لأحد أبناء العظماء ، ولكن امينة التي ما برحت تحب إبراهيم لم ترض بهذا الزواج ، بل قصدت إلي إبراهيم تسأله أن يعاونها على إيجاد مخرج لها ، ولكن إبراهيم رأي خلاف رأيها ، رأي أن هذه الخطبة في صالح أمينة ، ولو أنه يضحي بنفسه لقاء ذلك ، على انه لم يستطع إقناعها برأيه إلا بتأثير عينيه اللتين لا قيل لأمينة بصبائهما . .
ثم تم الزواج بعد مضي وقت قليل علي ذلك وسط
أفراح عظيمة ، ولكن ما هي إلا أشهر حتى توفيت أمينة حزنا وكمدا . . فثارت ثائرة إبراهيم على نفسه ، اليس هو الذي نصحها بإتمام الزواج ؟ بل كان غضبه أشد على عينيه اللتين اتهمهما بارغام أمينة على الزواج على غير رأيها ، عندئذ فعل هذه الفعلة الشنيعة . . طمس نور عينيه بنفسه . . قلت : لو عمد إبراهيم إلي الانتحار لكان أقل قسوة من هذا العمل . قال الرجل : لم ينتحر إبراهيم ياسيدي لأنه شاب شديد التدين ، خشي إن فعل هذا ان يذهب إلي جهنم التي هي مصير المنتحرين فيبقى فيها ، ولا يتقابل ثانية في الجنة مع أمينة
