الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 948الرجوع إلى "الرسالة"

قصة حشاش

Share

كان الليل يوشك أن ينتصف حين خرج " حسن العبد " من دار " عوضين " بعد ان قضى سهرته المعتادة بدخن الحشيش ويشرب الشاى ويتبادل مع الجالسين اطرف النوادر وأعذب النكات ! وكاد أن يقع على الأرض حين اسطدم بكومة سباخ في جانب الطريق لم يتبينها أثناء سيره المضطرب . والواقع ان الظلام الكثف الذي كان يجتم على القرية ، والموضوع الدقيق الذي كان يشغل فكره منذ خرج من دار عوضين ، أو بعبارة ادق منذ خرجت " درية " من الحجرة التى كانوا يجلون بها وهى ترمقه خاصة بنظرتها الساحرة الفاترة تلك التى تشيع الحذر فى أوصاله والنشوة فى خواطره !

الواقع أن كل ذلك كان يمنعه من أن يستبين طريقه وأ يتعرف مواطئ قدميه وماذا تكون كومة السباخ ؟

بل ماذا يكون اصطدامه بها بالنسبة الموضوع الشائك الذي يفكر فيه ؟

إنه بريد ان يطلق زوجته " حميدة ماعول عليه . . أخيرا . وهل تستطيع الآن أية قوة أن تمنعه من ذلك

لقد ستم الحياة مع هذه المرأة الترثارة المشافبة . . تلك التى مجعله يشك فى حقيقة رجولته . . أجل . . إنه يشك فى ذلك فما معنى كونه رجلا ؟ وما معي كونه ربائلة ؟ ما دامت هي تدس أنفها الطويل فى كل شئ . فهى مثلا لا تفتا تسأله كلما اد ستأخرا فى السماء اين كنت تسهر ؟ ومع من ؟ كانها ابوه . . وكأنه لا يزال طفلا

لطالما لفق لها الاكاذيب وقال - كنت في دوار العمدة وكان يكفي هذا الرد البسيط لكي يلجم لسانها الطويل ! فكل ما تتمناه " حميدة ان يسهر زوجها فى خدمة العمدة

اليس العمدة هو صاحب الارض التى يزرعها " حسن العبد " ؟ أليست خدمة الملاك هي أولى واجبات الزراع . .

- تم مالها هى وشؤون الغيط ؟ إنها تدفعه إليها دفعا وتهتم بكل صغيرة و كبيرة فلا يدرى أهو زوجها حقا أم أنه أجير لديها !

إنه لا يفهم الرجولة إلا أن تكون كلمته هى النافذة ورأيه هو المطاع . وإلا أن تستجيب هي لكل أوامره دون أن تعترض

وهو إن صبر على ذلك فان يصبر على امر اخر كثيرا ما ضاق به وأثار فى نفسه مشاعر الغيظ المكتوم والضيق المختنق . لماذا محاول دائما أن توفظه قبل الفجر لينهض للصلاة وراء الشيخ " شحاته " مؤذن المسجد ؟ أعى فى نفس الوقت الذى يجمل فيه النوم وتطيب الأحلام إنه يعرف أن الناء ناقصات عقلا ودينا ، سمع ذلك من الواعظ مرارا وهو بزور القرية . فهل يحاول امرأته ان تكذب كلام الواءظ ؟ ولماذا لا يكون لتلك اللينة مأرب آخر تستره وراء ذلك الادعاء الفار غذوب . . لا يعد أن يحتمل ذلك كله وان بواصل سلسلة الأكاذيب التى يلقاها بها كل مساء ليربط فيها لسانها الطويل سوف تسأله كمادتها

- أين كنت تسهر ؟ وفي هذه المرة سيرد عليها بعنف - وما شأنك في ؟ سوف تثور وإذ ذاك يقطع ثورتها بكلمته الحازمة - أنت طالق . !

وترتسم على شفتيه ابتسامة عريضة مزهوة لا تلبث أن تستحيل إلى ضحكة محلحلة سريان ما تتناثر أشلاؤها على سخور الصمت الملقاة هنا وهناك في شغاب الليل الرهيب

" ٢١٠٠ وتبقى نفس الابتسامة العريضة المزهوة مرتسمة على شفتيه . إنها تزف الى خياله صورة رائعة . . تلك هى صورة " درية " . . درية اخت " رضي " وأرسلة الشيخ محجوب . . لقد مات منذ عام فورث عنه فدانين هما من غير شك للسيد الذى يظفر بها درية بليابها الطويلة الجميلة تلك التى تضيق وتتسع تلبية لرغبات الجسد البديع الفاتن وضفيرتها المنسقتين وقد تدلنا على صدرها فى مجون كأنهما بدا عاشق وصوتها أجل صوتها المضمخ بعطر الأنوثة . . الأنوثة التى ظلت في دنان الزمن عاما كاملا حتى عتقت ؟

إنه يحس لتلك الرؤى الجميلة بنشوة عذبة مجعله يغرق فى الضحك ومن جديد يبتلع الليل صدى ضحكاته وتبقى نفس الابتسامة العريضة الزهوة . إنها تزف صورة إلى خياله . صورة درية فى وضع اخر فى بيته . . ما أجل ان تصبح درية زوجته ! وما ألذ أن يمس هذا الجسد الطاهر طوع يديه ال 1

وهنا وبالرغم عنه تتراءى فى مخيلته صورة زوجته " حميدة " بجسدها الاتجف النحيل الذى يشبه عود الذرة اليابس ، وفمها التشقق الهزيل الذى يشبه ورقة التوت الذابلة . . وثيابها القذرة التى تكنس فيها الدار وتكسح الذرية وبعض إلى الحقل

لشد ما يكرهك " يا حميدة " انت ايتها الثرثارة الشغوب . ويهز راسه فى ضيق وكأنه يريد ان ينتزع منه تلك الصورة البغيضة

وكا نما محرر خياله من تلك الصورة فتراءت له " درية " من جديد .

وهي يخطر فى انحاء داره بخطوات كلها دلال وجمال وترنو إليه بعيون كلها إغراء وفتنة وتضحك له بصوت كله عذوبة وسحر

ولا يكاد يمضي في طريق الأحلام خطوات قصارا حتى يقف . لقد استوقفه خاطر سخيف ماح . . ذلك الخاطر الذى يصور اقاربه وأصحابه ، وهم يسألونه فى لوم وتأنيب :

كيف تطلق زوجتك ؟ وأبناؤك . . من غيرها تربهم وترعي شؤونهم ؟

حقا أبى له أن يقنع هؤلاء بأنهم مخطئون الى ذلك وهم لا يعرفون شيئا عن تلك المعاملة الفاسية التى نعاملهم بها تلك الأم الحنون ليتهم ينظرون إلى أثوابهم التى تضج بالرقع حتى لكانها ثياب المتسولين . لطالما قال لزوجته إنه سيشترى لأولاده ثيابا جديدة ، ولكنها كانت تقول له . . إن النقود التى معك سنحتاجها نحن فيما هو اهم . سنشترى بها اذرة فمحصولنا لا يكفي طيلة العام . أما ثياب الأولاد فسوف أرتقها أنا . وهكذا لا يهدأ لها بال حتى يملا ذلك المخزن الطيب الذى صنعته بنفسها فوق السطح لتخزن فيه الحبوب . . يا لها من امرأة مشاغبة ملحاح تكاد تكفر بالله . ألا تؤمن تلك اللجوج الطامة بأن الأرزاق على الخلاق

لا ، لا يمكن إذن أن يلقي بالا إلى هؤلاء الأقارب والأصحاب

مهما الحوا وألحقوا . .

ودار مع الطريق الموصل إلى بيته ودار بخياله هذا الخاطر لو كانت " درية " هي الآن زوجته ، اكانت تسأله ابن كنت تسهر ؟ وكان الجواب شعورا بالسعادة يخالطه شعور بالأسف

ونظر قبالته فرأى ضوءا ينبعث من دهليز داره : . هذا الضوء الذي يلقي في روعه بان زوجته مازالت تنتظره . . لشد ما يمقت هذا الضوء وما يرمز إليه من معان

وفجأة تذكر شيئا غاب عن خاطره تذكر انه وعد " زكي السواح " بزيارته هذه الليلة . ولكنه لم يذهب . . ترى ماذا سيقول عنه " زكي " وعن مواعيده ؟ وتساءل ماذا لو ذهبت إليه الآن ! ولكنه مضي في طريقه من جديد حين تذكر ان ساحبه لا يسهر حتى هذه الساعة من الليل !

وتلكا فى خطواته حين اخذ يشغل خواطره هذا السؤال القريب المريب

ماذا يقول للناس حين ينكرون عليه أنه طلق زوجته من أجل ذلك السبب الضعيف الواهى ؟ زوجة تسأل زوجها أين كان ماذا فى ذلك ؟ . لانئ مطلقا يستدعي الطلاق . اما كان الاوفق ان ينتظر حتى يحدث بينهما شئ اخر ذو بال ، وما أكثر ما يحدث بينهما من اسباب الخلاف ودواعيه ؟

وضاق ذرعا بهذا السؤال وجعل يتلوى فى جنبات الطريق كأنما أراد أن يهرب منه

ولم يكد يقترب من الباب حتى احس بموجة حماس مفاجئة جعلته يططرق الباب بعنف لم يكن بماثله إلا دقات قلبه .

وحين انتهى إلى سمعه صوت زوجته وهى تقول بنبرة جافة كأنها الصراخ :

- مين ؟

أحس كأن قلبه يترنح في صدره ويتخبط فى أضالعه . . وانفرج الباب عن وجه حميدة المتقلص الفضضوب وانفرجت

شفتاها اليابستان عن هذه الكلمات الحانقة . . - وهذه الليلة ايضا أين كنت قهر ؟

ومضت فترة سممت طويلة قبل ان يجيب حسن العبد في هدوء متخاذل

- كنت في دوار العمدة

اشترك في نشرتنا البريدية