الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 384الرجوع إلى "الثقافة"

قصة :, دمعة ...

Share

كان اسمها سميحة . هذه الفتاة القاهيرة الحسناء والتي لم تكن تحلم يوما أن تظفر بغني مثل فيروز زوجا لها لولا أنه خشن جاف . ولكنه لم يكن مثل سائر الفتيان . وكان من ذلك النفر القليل الذي يثق من نفسه في خلق وبأس قد تميز عندها دون سائر أصحابها وأصحابه .

وكان حبه لها حبا طاغيا غامرا ، لا تكاد تقرأه إلا في عينيه النفاذتين تقالبه عزة الرجل أن بذل ، لولا أنه حب عرفته يتلغي به قلبه يتلي وهو مكبوت .

وكانت قد عرفته منذ كانا معا في كلية واحدة أثناء مرحلة التعلم ولم يكن بينهما غير نظرات يعجز عن معناها اللسان ، ثم ضربت بينهما الأيام حتى لقيته عرضا في عمله الذي يعمله وسمع لقلبيهما دقات كانت منذ كانا طالبين .

لكأنه  يبدو لعينيها اليوم إنسانا جديدا ، قد صقلته التجارب وعجمته الأحداث ، فغدا أرزن مما كان عليه منذ عرفته . وقد طالما أعجبت به في بساطة مظهره ينأي برجولته أن تكون إلا حيث يكون الرجل ، منذ كانت تهوي أن تراه يبذل لها ذل أصحابه . ولكنها رجولته وكبرياؤها .

وقد طالما كان يغالب تهالكه عليها ، وإنها لتعلم بفطرتها مبلغ مغالبته لهواه .

وودت لو كانت تبذل له فيقبل عليها وإن لها لهفة . . وأما اليوم - إذ هما يلتقيان - فقد يجاوب الصدى لنفسين ثنافتا وذكري الأيام الخوالى . . وعرفت عند ذلك أنه وحده بنية القلب وأنس الفؤاد . وإذا الشجن يحييبه اللقاء . وإذا هو محل من قلبها ما لم تكن تتوقع أن يحل منه . ومضت الأيام ...

وخطبها لنفسه . وأمنية بلغتها . .

...  ... وكانت وهي مستلقية بجواره في مركبة القطار تشعر بالأسي بداخلها ، إذ لا يستطيع أن يري أهلها قبل أن يصحبها معه إلي أهله . وحبذا لو كان يفعل . إذا لرأي هذه الضياع الواسعة التي يمتلكها أبوها في أرياض القاهرة . ثم قصرها الجميل الأنيق تحف به الحدائق الغناء . ولقد كان يحق لها أن تفخر به عندهم . ولقد كانوا يفخرون به متى عرفوا من يكون فتاها هذا .

ومضي القطار يدوي ويصغر ، وهي إلي جواره حالة تفكر . فما عسى أن يقول أهله . وهل تقع في قلوب أمه وأخواته - اللواتي تسمح لذكراهن نفسه بما تهوي أو قد يستكثرنه عليها . ولعلهن ممن قد يصعقن لو علمن أن فتاة مثلها تقبل على الزواج على غير معرفة بأهلها وأهله . هذا الأسلوب الرجعي البالي الذي خلفته الحرية وراءها منذ زمان بعيد .

والطريق يتقاصر ، والغاية تدنو ، وإن لقلبها لوجيبا ، وإن ضرباته لتعنف . فهلا يكون من الخير أن تبقى في نزل مجاور - لو كان - تتهيأ للقاء . ويكون لها فرجة من الوقت تغتنمها لاستقبال أهل الخطيب الحبيب !

وللخيال إبداع في نسجه الجميل ، إذ تدنو قربته . فهذه أمه يجلها الوقار في " دوارها " يحوطها الخدم والحشم ينتظرون مقدم الابن الواحد العزيز ... وخطيبته .

وكأنما كانت تشعر بالضعف وبالحاجة إلي هذا الذي يشد من ازرها ، ويقويها . وإذا هي تتحرك إليه في مجلسها لتلتصق به لعلها أن تجد في قربه ما يخفف عنها ووصلا .

ولم تجد أحدا في استقبالهما . والطريق وعر إلي القرية التى كانت على مبعدة من محطة القطار ، يتعذر فيه سير

العربات ولعله لم يخبر أهله بموعد قدومه ولكن . . هلا تكون أمه - وقد علمت - قد امتنعت عن إرسال المركبة نقله وهذه القاهرية المنتصبة " المتفرنجة " الخطيبة التي ترتضى بالزواح بغير المقدمات . وأشرفا علي القرية ، وكأنه أبي أن يخلص إلي الدوار من طرفها إلا أن يجوس خلال أزقتها فيذكر القاضي الجميل وملعب صباه . . بالحنين الفني ! وشعرت برغبة ملحة في أن نتجنب هذه القرية الوحشة التي انقبضت لها نفسها لتشرف من فوق دبوة بعيدة عنها على دواره الضارب في أعماق الخضرة والنبات والزهر .

وبينما كانت في لجة من أفكارها إذا هو يقبل عليها باسما وقال : - سميحة أغمضي عينيك ، فالدار على خطوات من المنحنى القادم ، وحذار أن تفتحهما قبل أن آذن لك . وأغمضت عينيها . كانت جميلة فاتنة مغرية ، كاد يقبلها لولا الوقار وأهل القرية . ودارا مع المنحنى . بضع خطوات وفتحت عينيها ثم نظرت كان البشر يفيض عن وجهه وهو يمسك بيدها كأنها طفلة ثم قال وهو يشير بيده : هناك . ووقفت تنظر ... ... ورفعت إليه وجهها ، ولا تكاد تقوي علي الوقوف ولا علي النظر ، قالت : أتمني !

قال : نعم هذه الدار التي فوق " الدكان " إنه محل تجارتنا ، وأمي صاحبته لو رأيت أمي ياسميحة إذا لصدقت أنها طيبة جدا ، ولقدرت ما قد تحملته في تربيتي .

وخيل إليها كأنه لا يزال يتكلم ، على أنها لم تكن تقوي على أن تصدق أذنيها ولا أن تصدق عينها ، هذا " الدكان " للتجارة الريفية والبيت الخرب وأمه !

وكانت صدمة لم تكن نقع في حسبانها شعرت لها برعدة أخذت أطرافها ، وقلبها َ! وغاض لون وجهها الذي ملاه قطرات من العرق البارد ! وإذا ضباب من الحسرة يغشاها وكأن العمر قد تقدم بها فهدأ من سعيها إذ هي تسعى بجنبه .

وأبي الظن أن يكون إلا حكما . وأنه قد غرر بها فغلب عليها شعور من المقت له . ومن الاستخفاف .

فكيف . .كيف يجرؤ ؟ هلا كان يعلم في أي بيت نشأت ؟ وهل لم يسمع أحاديث القوم من أصحابها عن أبيها وعن ثرائه وعن الضياع والخدم والعربات والخيول ؟ أين هذه أو بعضها مما تري الساعة ؟ ! كيف ، وأين ! ؟ أي هذه " الرؤي " تصدق وأيها تكذب ؟ وإنها لرؤي لولا أنها في اليقظة ! وخيل إليها كأنه لا يزال يتحدث ، وكأنه يفخر ، ثم سمعته وهو يقول : وسيحبونك يا سميحة يحبونها ! هلا كان الأجدر به أن يقدر كيف يتأني لها هي أن تحبهم !

وأقبلت عليه أمه تضمه إليها وتقبله وتتحسس أجزاء جسمه كأنها لا تصدق أنه رجع إليها . واستضحك " فتاها " إذ ينظر إليها إذ تقبله أمه وهو يقول : هذا شأنها معي دائما يا سميحة ثم قدمها إلي أمه ، فحيت ورحبت وناشدتها أن تجعل من بيتها " بيتا ثانيا " لها حتى تعود . " بيتا ثانيا ؟ كيف يتحدث هؤلاء الناس ! وهل علموا أنها زوجة أو خطيبة أو  .. رباه !

أهذه سيدة الدوار الذي كانت تتشوق لأن تراه وكانت تخشاه ! وهذه الأحاديث والمقابلة . إنهم لا يعرفون حتى كيف يتحدثون مع من نشأت مثل نشأتها وفي طبقة مثل طبقتها التي تنتمي إليها .

وجعلت تستعرض أفراد العائلة الكريمة ! أخت وأخت وثالثة وأبناؤهن وبناتهن يتواثبون عليه ، ثم أمه ، صاحبة الدكان الضعيفة الداوية الضامرة التي صرفت عليه وأنشأته !

كانت تنظر إليها في شيء من الريبة ، وهذا الوجوم يغشاها في حسرة وألم . وتحلقوا " الخوان " عقيب جهد السفر ! وجيء بالذي حضر من الطعام على عجل حتي ينجدوا " الست " فإذا كان المساء هيأوا لها ما تحب وما يتناسب وقدرها الكبير .

كانت تتحرك بينهم كأنها آلة ولا يعنيها مما حولها إلا دنياها من الشرود والوجوم . فما هذا الطعام الذي نصف أطباقه فوق الخوان ؟ وهل هي كانت في حاجة إليه ؟ وأي طعام ! وأية وسيلة في تقديمه ! أين منها نظام المائدة في بيتها ! أيها الخيال الضال ! سحقا لك .

لو أجازت لنفسها عاطفة هوجاء أضلتها فصورته أبعد من حقيقته ، فكيف فأنه هو أن يقدر مكانتها منه فيزيل الفارق ؟

وقد تمضي بها الذا كرة إلي زعمه أن أهله قوم رقيقو الحال ، ولكنها كانت تحمل منه زعمه هذا على محمل التواضع وليس على هذا الواقع المر .

ورفعت إليه وجهها الذي دلت قسماته علي مبلغ ما تضطرب به نفسها من اللوعة والشجن ونظر إليها وهي لمحة خاطفة كان حسبه منها أن ينفذ إلى هذا المعنى الذي فاض منها وغشته غاشية من عزة طعينة ثم يشأ أن تلحظها ضيفته ولكنها كانت قد قرأت في عينيه معني لم تسكن التدركه إلا في لمحته !

وإذا الضباب الذي كان يغشاها ينجاب عنها شيئا بعد شئ

واختلجت نفسها خلجات واهنة إذ تراه طعينا ، ويعز عليه أن يعاود النظر إلي التي رمته كأنه يخشى عليها حتى وهي تدميه .

وتحركت إليهم في رقة وهي تبتسم كأن لم يكن صمتها إلا من جهد السفر لولا أنها دمعة دمعة كبيرة كانت لا تزال تترقرق في عينيها فهل كانت أو هي دمعة ال . . أو لعلها . . لست أدري !

اشترك في نشرتنا البريدية