الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 153الرجوع إلى "الثقافة"

قصة زنوبيا، عرض وتحليل

Share

أذكر أنى قرأت مقالا لكاتب أمريكى يرثى به السير زيدر هجارد منذ سنوات عرض فيه لحياة الأديب الخاصة ؛ فقال ما معناه : " ..  وما من شك أن شخصية (عائشة ) التى عاشت في مجموعة من روايات هجارد قد لازمته إلى حد بعيد ، ولا بد أن النقاد واجدون فى حياة القصصى البارع آثار هذه المرأة الخالدة فى كل ناحية من نواحى تفكيره ؛ بل ربما كشفوا من قصتها معه هو ، هو عوالم لا تقل اتساعا ورحابة عن تلك العوالم التى خلقها فى قصصه" .

مرت بخاطرى هذه العبارة وأنا أتهيأ للكتابة عن قصة زنوبيا للأستاذ محمد فريد أبو حديد ؛ وبعد أن عشت فترة هديئة مع الملكة العظيمة ، أتبع خطواتها فى منازل الحكم ، وأسير فى ركابها وهى تدير حياة السلطان ، ثم أعود معها إلى حيث تخلع التاج وتكشف عن نفسها ، نفس المرأة الجميلة العاشقة .

مرت هذه العبارة بخاطرى فسألت نفسى : ترى أهذه زنوبيا التى عاشت حقا حقبة من الزمان ؟ أم هى أخرى تربعت فى خيال الكاتب ، وسيطرت على إحساسه فولاها عرش تدمر ، وبنى من أجلها عالما يفيض بالحياة ، تتحرك شخوصه فى نظام دقيق !

أغلب الظن أن زنوبيا التى عاشت حقا قد بعثت ، وأغلب الظن أن البعث - وهو حياة جديدة - قد أخذ من الحياة الأولى مقومانها وخطوطها ، ثم مضى بمواده الجديدة من خيال وعاطفة ومعرفة فى طريقه . وأحسب أن زنوبيا التى بعثت تستطيع أن تعيش وحدها . وإلى أمد بعيد ، دون أن تحتاج إلى عون زنوبيا القديمة . ذلك أن هذه التى بعثت فيها من الحياة ما يغنيها عن

الذكريات ، أو عن تلك التى توشك أن تصبح ذكريات .

لعله من العبث أن أحاول عرض قصة يستغرق سردها ثلثمائة وخمسين صفحة . كما أنه من العبث أن أبذل جهدا ضائعا فألخص أحداثها . ذلك أنها عرض لحياة طويلة مليئة بالأحداث ، وقد تكون هذه الناحية من عمل المؤلف ، ناحية التاريخ ، هى أقل النواحى جهدا ، وأضعفها دلالة على مدى ما فى القصة من جمال ، وإنما أنا بسبيل عرض عمل فنى ، والناحية الفنية فى هذه القصة ، أو أظهر نواحيها الفنية ، إنما هو رسم الشخصيات ، وتلك الألوان التى يصطبغ بها جو القصة ، فالقصة لا تحدث فى مكان واحد ، وإنما تنتقل أحداثها من الحضر إلى البادية ، ومن القصر إلى الصحراء ، ومن مجالس اللهو إلى جلسات الفكر والحكمة ، ومن الليالى الوادعة إلى المعارك الدامية . وشخصياتها تنتقل من أمة إلى أمة ، ومن بر إلى بحر . فمدى نجاح المؤلف رهين أولا وقبل شئ بمدى اللوحات التى يصورها قلمه ، ليبعث فى نفوسنا الاحساس بالجو الذى تدور فيه الوقائع أو ينتقل إليه المشهد ؛ وشأن المؤلف فى ذلك شأن المخرج والممثل معا ، هو حلقة اتصال بين الشخصية والجمهور ، عليها يتوقف ضعف هذا الأثر أو شدته .

أما الشخصيات فى قصة زنوبيا فأهمها كما يبدو من الاسم زنوبيا نفسها ؛ ثم يلى زنوبيا شخصية الحكيم لونجين ، ويأتى بعد ذلك على الترتيب فى الأهمية لميس جارية زنوبيا ، وأذبنة الملك ، وحسان الفارس ، وحبيب لميس أولا ثم زوجها بعد ذلك ، ويلى ذلك شخصيات عارضة تمر بأحداثها فهى رهينة بها لا تتعداها .

وهذه زنوبيا كما رسمها الأستاذ فريد ! ملكة كخير ما تكون الملكات صورة ؛ فهى تطالعنا إلى جانب زوجها فى موكب الصيد ، فلا تكاد تعلق بها أبصارنا حتى تتعلق بها وتشفق من فراقها ، فهى تراها الملكة فى مجالس الحكم إلى جانب زوجها تدير شئون

الحديث وتفهم عن الرجال أكثر مما تنم عنه مظاهرهم ؛ فهى لا ترضى من الملك أبهته ، بل تحمل إلى جانب ذلك أعباءه . إنها لتنصح بالصواب حين يعرض أمر من أمور الملك ، فإذا ما ارتطمت الأحداث ونأى زوجها أصبحت وحدها أمام ذلك العباب تشق أمواجه بأكف فى نعومة الأنوثة وقوة الرجولة وتقسو عليها الأقدار فتضعها عند اقسى موضع يوضع فيه الرجال ؛ فهى إذا ما احتدم القتال تمتطى صهوة جوادها لتقف إلى جوار ابنها تحمل السيف للتناضل عن المجد والوطن معا . ثم ! ثم ينتهى بها المؤلف إلى صورة الملكة لعلها من أروع صور الملكات ، صورة الملكة الكبيرة التى تتابع عليها أحداث الزمن فتقع فى الأسر ، الملكة الأسيرة التى تنهى قداستها عدوها المنتصر عن أن ينال منها ، فيحنى الرأس أمامها .

هذه الملكة نفسها تنطوى على امرأة أخرى رسمها المؤلف . امراة جميلة عاشقة ، امرأة تحب زوجها ، وتحس الحب فى نفسها ، وتلمسه فى غيرها ، تلمسه عن لميس جاريتها ، فتحنو عليه وترعاه ، وترجو وتعمل على أن يمضى هذا الحب إلى نهاية كل حب موفق ، بل تصبح هذه النهاية أمنية غالية تتمناها على زوجها حين يصفو بها الوقت .

امرأة تحس بإحساسات المرأة ، فهى تغار من جارية ، حتى لتكاد تأكلها نار الغيرة ، وهى ترى انصراف زوجها عنها إلى شهناز جارية سابور ملك فارس التى كانت نفسها بعض سباياه فى الحرب ، وهى تكتم آلامها وتنطوى على نفسها ، ولا تجد السلوى إلا عند العجائز ، وفى الثرثرة مثلهن ، ولكنها امرأة ممتازة ، فهى تثرثر مع فيلسوف ؛ والسلوى عندها بحث مشاكل الحياة والعقل والوجود مع معلمها الفيلسوف .

وان تبهرك صورة زنوبيا وحدها ، فهناك غيرها ، هناك صورة لونجين ، العقل والقلب معا ، الفيلسوف البعيد النظر كما يبدو أول الأمر ، والعاشق المتيم الذى يعرف أنه

قد أنزل حبه بواد غير ذى زرع ، أو على الأصح بواد منزرع لا مجال فيه لنبت آخر . إنه يحب المملكة ، فيغالب هذا الحب ويكبحه ، ويرضى فى غرامه بأقل مما رضى به جميل بثينة ؛ إنه يرضى بأن يحب وحده. يرضى بأن يعيش فى وادى الحرمان المحرق المقفر طالما تجاوره جنته ؛ إنه مثلها يجد عن شئون القلب عزاء فى شئون العقل ، حتى إذا ما تسورت الآلام على حبيبته حياتها دفع حياته قربانا لهذه الآلام ، ومضى وحبه بين جنبيه لا يحس به إلا هو ، وإلا ... أخبرا من أحبها فى صمت وجلد ، تلك التى ما رأت فى غمرة حبها قلبه ، وإنما رأته فقط حين افتقدت الحب وفقدت الجاه !

أما لميس الجارية فصورة للعذراء التى تحتاج للايمان فتجده  فى الدين ، وتجد عند الدين الحب ، فتصرفه إلى من يشاركها الايمان ، ويصبغ الدين حياتها شأن المؤمنين بعقيدة جديدة ، فترى فيه كل شئ ، بل وترى عنده لكل مشكلة علاجا ولكل داء دواء ، حتى لتنصح الملكة بالإنجيل كلما أشكل عليها أمر من أمور الدنيا . وعلى طرازها الفتى الفارس حسان ، صورة الشاب القوى المتوفز الذى تجد من نزاوته نزعة دينية فتحيله إلى ملاك جريء ! !

وهذا أذينة آخر الأمر ، أذينة الملك الجاهلى فى أروع صور الجاهلية وأدقها : شجاعة متهورة تلمحها حين يذهب للصيد وحين يذهب للحرب ، وإفراط فى كل شئ . فى نزوة حبه للملكة لا نجد أشد منه عشقا ولا أكثر حنانا ، وفى مجالس شرابه تلعب به الخمر فلا يعى ما يقول وما يفعل ، وإفراط فى المنفعة حتى ليحيد عن الملكة إلى جارية تلمح من تصوير المؤلف لها أنها المرأة فى صورة جسد وغريزة ، أو المرأة مجردة من كل شئ إلا غريزة الخضوع .

هذا الافراط فى حياة الملك يصوره المؤلف تصويرا دقيقا حتى لا نكاد نفجع فيه كما فجعت زنوبيا ، حين

يطيح رأسه بضربة من سيف ابن أخيه . وهو صورة الحياة الجاهلية التى كان لابد للأديان من أن تحد منها وتوجهها ، ولا بد للاسلام بوجه خاص أن ينزل فى جزيرة العرب لينظم منها . ومن ثم فلهذه الصورة قيمة خاصة فى تصوير فضائل الجاهلية أو رذائلها على حد سواء .

ذلك عرض يسير لشخصيات هذه القصة ، وقفت فيه عندما رسمة المؤلف لم أتجاوزه وبقيت بعد ذلك قصة الجو الذى يشع فى أنحاء الأحداث ويتكيف بالمواقف .  فقد وصف المؤلف قصور الملوك ورمال الصحراء ، وقد أعانته فى أداء هذه المهمة ثقافة واسعة إلى جانب الخيال الخصب بلا شك ، وقد صور كذلك ملابس الملكة وملابس الملك ، وألوانها وقاعات القصر ، وأثاثها ، ثم دلف إلى الإسكندرية فأشار بإيماءة رقيقة إلى أعقاب مدينة البطالسة ، والتقت عند قلمه فى كل ذلك ريشة الفنان وعدسة المصور ؛ وبذلك تم للقصة توفر عناصر القصة التاريخية من خيال دقيق حذر وأسلوب طلى وثقافة مسعفة .

وبعد ، فما أنا بالمؤرخ حتى أعرض لناحية التاريخ فى القصة ، وأتحرى تسلسل الحوادث على ما يروى ؛ ولئن كنت مؤرخا فما أحسبنى أيضا محتفلا بهذه الناحية ، ذلك أنها كما قدمت فى أول حديثى ، أقل النواحى دلالة على قيمة القصة وقدرها الفنى الصحيح ، وإن طلب إلى التاريخ أن يكون يتبوعا للقصة فما يطلب إلى القصة أن تتخذ من التاريخ مجرى تلتزم حدوده ولا تخرج عن شاطئيه  . وبحسب الأستاذ فريد أن جلى هذه الجوهرة وصاغها فى أسلوبه وأفاض عليها من خياله . وبحسب القارئ أن يقنع بالعرض الذى قدمته ويلتمس عند القصة نفسها ما هو أجل من العرض وأغنى .

اشترك في نشرتنا البريدية