أذكر أنى قرأت مقالا لكاتب أمريكى يرثى به السير زيدر هجارد منذ سنوات عرض فيه لحياة الأديب الخاصة ؛ فقال ما معناه : " .. وما من شك أن شخصية (عائشة ) التى عاشت في مجموعة من روايات هجارد قد لازمته إلى حد بعيد ، ولا بد أن النقاد واجدون فى حياة القصصى البارع آثار هذه المرأة الخالدة فى كل ناحية من نواحى تفكيره ؛ بل ربما كشفوا من قصتها معه هو ، هو عوالم لا تقل اتساعا ورحابة عن تلك العوالم التى خلقها فى قصصه" .
مرت بخاطرى هذه العبارة وأنا أتهيأ للكتابة عن قصة زنوبيا للأستاذ محمد فريد أبو حديد ؛ وبعد أن عشت فترة هديئة مع الملكة العظيمة ، أتبع خطواتها فى منازل الحكم ، وأسير فى ركابها وهى تدير حياة السلطان ، ثم أعود معها إلى حيث تخلع التاج وتكشف عن نفسها ، نفس المرأة الجميلة العاشقة .
مرت هذه العبارة بخاطرى فسألت نفسى : ترى أهذه زنوبيا التى عاشت حقا حقبة من الزمان ؟ أم هى أخرى تربعت فى خيال الكاتب ، وسيطرت على إحساسه فولاها عرش تدمر ، وبنى من أجلها عالما يفيض بالحياة ، تتحرك شخوصه فى نظام دقيق !
أغلب الظن أن زنوبيا التى عاشت حقا قد بعثت ، وأغلب الظن أن البعث - وهو حياة جديدة - قد أخذ من الحياة الأولى مقومانها وخطوطها ، ثم مضى بمواده الجديدة من خيال وعاطفة ومعرفة فى طريقه . وأحسب أن زنوبيا التى بعثت تستطيع أن تعيش وحدها . وإلى أمد بعيد ، دون أن تحتاج إلى عون زنوبيا القديمة . ذلك أن هذه التى بعثت فيها من الحياة ما يغنيها عن
الذكريات ، أو عن تلك التى توشك أن تصبح ذكريات .
لعله من العبث أن أحاول عرض قصة يستغرق سردها ثلثمائة وخمسين صفحة . كما أنه من العبث أن أبذل جهدا ضائعا فألخص أحداثها . ذلك أنها عرض لحياة طويلة مليئة بالأحداث ، وقد تكون هذه الناحية من عمل المؤلف ، ناحية التاريخ ، هى أقل النواحى جهدا ، وأضعفها دلالة على مدى ما فى القصة من جمال ، وإنما أنا بسبيل عرض عمل فنى ، والناحية الفنية فى هذه القصة ، أو أظهر نواحيها الفنية ، إنما هو رسم الشخصيات ، وتلك الألوان التى يصطبغ بها جو القصة ، فالقصة لا تحدث فى مكان واحد ، وإنما تنتقل أحداثها من الحضر إلى البادية ، ومن القصر إلى الصحراء ، ومن مجالس اللهو إلى جلسات الفكر والحكمة ، ومن الليالى الوادعة إلى المعارك الدامية . وشخصياتها تنتقل من أمة إلى أمة ، ومن بر إلى بحر . فمدى نجاح المؤلف رهين أولا وقبل شئ بمدى اللوحات التى يصورها قلمه ، ليبعث فى نفوسنا الاحساس بالجو الذى تدور فيه الوقائع أو ينتقل إليه المشهد ؛ وشأن المؤلف فى ذلك شأن المخرج والممثل معا ، هو حلقة اتصال بين الشخصية والجمهور ، عليها يتوقف ضعف هذا الأثر أو شدته .
أما الشخصيات فى قصة زنوبيا فأهمها كما يبدو من الاسم زنوبيا نفسها ؛ ثم يلى زنوبيا شخصية الحكيم لونجين ، ويأتى بعد ذلك على الترتيب فى الأهمية لميس جارية زنوبيا ، وأذبنة الملك ، وحسان الفارس ، وحبيب لميس أولا ثم زوجها بعد ذلك ، ويلى ذلك شخصيات عارضة تمر بأحداثها فهى رهينة بها لا تتعداها .
وهذه زنوبيا كما رسمها الأستاذ فريد ! ملكة كخير ما تكون الملكات صورة ؛ فهى تطالعنا إلى جانب زوجها فى موكب الصيد ، فلا تكاد تعلق بها أبصارنا حتى تتعلق بها وتشفق من فراقها ، فهى تراها الملكة فى مجالس الحكم إلى جانب زوجها تدير شئون
الحديث وتفهم عن الرجال أكثر مما تنم عنه مظاهرهم ؛ فهى لا ترضى من الملك أبهته ، بل تحمل إلى جانب ذلك أعباءه . إنها لتنصح بالصواب حين يعرض أمر من أمور الملك ، فإذا ما ارتطمت الأحداث ونأى زوجها أصبحت وحدها أمام ذلك العباب تشق أمواجه بأكف فى نعومة الأنوثة وقوة الرجولة وتقسو عليها الأقدار فتضعها عند اقسى موضع يوضع فيه الرجال ؛ فهى إذا ما احتدم القتال تمتطى صهوة جوادها لتقف إلى جوار ابنها تحمل السيف للتناضل عن المجد والوطن معا . ثم ! ثم ينتهى بها المؤلف إلى صورة الملكة لعلها من أروع صور الملكات ، صورة الملكة الكبيرة التى تتابع عليها أحداث الزمن فتقع فى الأسر ، الملكة الأسيرة التى تنهى قداستها عدوها المنتصر عن أن ينال منها ، فيحنى الرأس أمامها .
هذه الملكة نفسها تنطوى على امرأة أخرى رسمها المؤلف . امراة جميلة عاشقة ، امرأة تحب زوجها ، وتحس الحب فى نفسها ، وتلمسه فى غيرها ، تلمسه عن لميس جاريتها ، فتحنو عليه وترعاه ، وترجو وتعمل على أن يمضى هذا الحب إلى نهاية كل حب موفق ، بل تصبح هذه النهاية أمنية غالية تتمناها على زوجها حين يصفو بها الوقت .
امرأة تحس بإحساسات المرأة ، فهى تغار من جارية ، حتى لتكاد تأكلها نار الغيرة ، وهى ترى انصراف زوجها عنها إلى شهناز جارية سابور ملك فارس التى كانت نفسها بعض سباياه فى الحرب ، وهى تكتم آلامها وتنطوى على نفسها ، ولا تجد السلوى إلا عند العجائز ، وفى الثرثرة مثلهن ، ولكنها امرأة ممتازة ، فهى تثرثر مع فيلسوف ؛ والسلوى عندها بحث مشاكل الحياة والعقل والوجود مع معلمها الفيلسوف .
وان تبهرك صورة زنوبيا وحدها ، فهناك غيرها ، هناك صورة لونجين ، العقل والقلب معا ، الفيلسوف البعيد النظر كما يبدو أول الأمر ، والعاشق المتيم الذى يعرف أنه
قد أنزل حبه بواد غير ذى زرع ، أو على الأصح بواد منزرع لا مجال فيه لنبت آخر . إنه يحب المملكة ، فيغالب هذا الحب ويكبحه ، ويرضى فى غرامه بأقل مما رضى به جميل بثينة ؛ إنه يرضى بأن يحب وحده. يرضى بأن يعيش فى وادى الحرمان المحرق المقفر طالما تجاوره جنته ؛ إنه مثلها يجد عن شئون القلب عزاء فى شئون العقل ، حتى إذا ما تسورت الآلام على حبيبته حياتها دفع حياته قربانا لهذه الآلام ، ومضى وحبه بين جنبيه لا يحس به إلا هو ، وإلا ... أخبرا من أحبها فى صمت وجلد ، تلك التى ما رأت فى غمرة حبها قلبه ، وإنما رأته فقط حين افتقدت الحب وفقدت الجاه !
أما لميس الجارية فصورة للعذراء التى تحتاج للايمان فتجده فى الدين ، وتجد عند الدين الحب ، فتصرفه إلى من يشاركها الايمان ، ويصبغ الدين حياتها شأن المؤمنين بعقيدة جديدة ، فترى فيه كل شئ ، بل وترى عنده لكل مشكلة علاجا ولكل داء دواء ، حتى لتنصح الملكة بالإنجيل كلما أشكل عليها أمر من أمور الدنيا . وعلى طرازها الفتى الفارس حسان ، صورة الشاب القوى المتوفز الذى تجد من نزاوته نزعة دينية فتحيله إلى ملاك جريء ! !
وهذا أذينة آخر الأمر ، أذينة الملك الجاهلى فى أروع صور الجاهلية وأدقها : شجاعة متهورة تلمحها حين يذهب للصيد وحين يذهب للحرب ، وإفراط فى كل شئ . فى نزوة حبه للملكة لا نجد أشد منه عشقا ولا أكثر حنانا ، وفى مجالس شرابه تلعب به الخمر فلا يعى ما يقول وما يفعل ، وإفراط فى المنفعة حتى ليحيد عن الملكة إلى جارية تلمح من تصوير المؤلف لها أنها المرأة فى صورة جسد وغريزة ، أو المرأة مجردة من كل شئ إلا غريزة الخضوع .
هذا الافراط فى حياة الملك يصوره المؤلف تصويرا دقيقا حتى لا نكاد نفجع فيه كما فجعت زنوبيا ، حين
يطيح رأسه بضربة من سيف ابن أخيه . وهو صورة الحياة الجاهلية التى كان لابد للأديان من أن تحد منها وتوجهها ، ولا بد للاسلام بوجه خاص أن ينزل فى جزيرة العرب لينظم منها . ومن ثم فلهذه الصورة قيمة خاصة فى تصوير فضائل الجاهلية أو رذائلها على حد سواء .
ذلك عرض يسير لشخصيات هذه القصة ، وقفت فيه عندما رسمة المؤلف لم أتجاوزه وبقيت بعد ذلك قصة الجو الذى يشع فى أنحاء الأحداث ويتكيف بالمواقف . فقد وصف المؤلف قصور الملوك ورمال الصحراء ، وقد أعانته فى أداء هذه المهمة ثقافة واسعة إلى جانب الخيال الخصب بلا شك ، وقد صور كذلك ملابس الملكة وملابس الملك ، وألوانها وقاعات القصر ، وأثاثها ، ثم دلف إلى الإسكندرية فأشار بإيماءة رقيقة إلى أعقاب مدينة البطالسة ، والتقت عند قلمه فى كل ذلك ريشة الفنان وعدسة المصور ؛ وبذلك تم للقصة توفر عناصر القصة التاريخية من خيال دقيق حذر وأسلوب طلى وثقافة مسعفة .
وبعد ، فما أنا بالمؤرخ حتى أعرض لناحية التاريخ فى القصة ، وأتحرى تسلسل الحوادث على ما يروى ؛ ولئن كنت مؤرخا فما أحسبنى أيضا محتفلا بهذه الناحية ، ذلك أنها كما قدمت فى أول حديثى ، أقل النواحى دلالة على قيمة القصة وقدرها الفنى الصحيح ، وإن طلب إلى التاريخ أن يكون يتبوعا للقصة فما يطلب إلى القصة أن تتخذ من التاريخ مجرى تلتزم حدوده ولا تخرج عن شاطئيه . وبحسب الأستاذ فريد أن جلى هذه الجوهرة وصاغها فى أسلوبه وأفاض عليها من خياله . وبحسب القارئ أن يقنع بالعرض الذى قدمته ويلتمس عند القصة نفسها ما هو أجل من العرض وأغنى .

