إلى روح أخى وصديقى المرحوم حسين محمد سعيد بك وزير مصر بسفارة لندن .
كنا ما نزال فى دور الصبا حين التقينا . ولكنى ما كدت أتصل به ، وتلمس نفسى نفسه ، حتى وجدت فيه الأخ الذى لم تلده أمى .
وكنا قد فرغنا من إتمام دراستنا الثانوية ، وزينت لنا نفوسنا أن ندخل مدرسة المعلمين العليا - فلم تكن فى ذلك العصر معاهد تربية ، ولا كليات ، ولا جامعات . ومنذ دخلنا تلك المدرسة ، ووضعنا أقدامنا معا على الدرجة الأولى من سلمها إلى حين تخرجنا منها ، ونحن لا نكاد نفترق فى اليوم الواحد إلا ربما يقضى كل واحد منا ساعات نومه فى فراشه . ففى المكتب نحن متجاوران ، وفى قاعة الطعام نحن متواجهان ، وفى ساعات الرياضة واستذكار الدروس نحن متلازمان .
وكنا نطمع إذا نحن انتهينا من مدرستنا وحصلنا على إجازتها ، أن تبعث بنا الحكومة إلى جامعات أوربا مع من تبعث فى كل عام من طلبتها المتفوقين ؛ ولم يكن التفوق شرطا من الشروط التى كنا نحسب لها حسابا . فقد كان صديقى دائما فى الطليعة ، وكنت دائما إلى جانبه . ولكن مشكلتنا جاءت عن طريق اعتبارات عائلية ، أقعدتنى عن السفر . فتخلفنا وسافر غيرنا .
واشتغلنا بالتعليم فى بعض مدارس القاهرة . وانقضت سنة فسنة ، وأوشك زملاؤنا الذين فى الخارج أن يعودوا ، وعز على نفوسنا أن نقضى العمر فى عمل لا يحتل مكان الصدارة فيه إلا "رجال البعثات " . فهمس صديقى يوما إلى قائلا :
- ما رأيك ؟
قلت : فيم ؟
قال : ندرس القانون . ونتخرج فى مدرسة الحقوق ونغير مجرى حياتنا !
قلت : هذا ما كانت تحدثنى به نفسى ، ولقد سبقنا فى هذا المضمار فلان وفلان .
فإذا كانا قد أفلحا فنحن بحمد الله أطول منهما نفسا ، وأكثر جلدا ، فلنتوكل على الله .
وجعلنا نقضى النهار فى مدارسنا بين تلاميذنا ، حتى إذا أمسينا قسمنا ليلنا بين دراسة القانون وبين النوم .
وانتهت الأعوام الأربعة ، فإذا نحن نحمل فى أيدينا أيضا إجازة الحقوق .
وجلسنا نفكر .
قلت : ما أجمل أن ننتفع الآن بإجازتينا فنكون مدرسين فى مدرسة الحقوق نفسها !
قال صاحبى : إن هذا يتطلب أولا أن نحصل من أوربا على شهادة ( الدكتوراه ) فى أى فرع من فروع القانون .
فأجبته فى سذاجة : الأمر إذا هين ! نقصد غدا إلى وزارة " الحقانية " فنعرض أنفسنا على و كيلها ، ونفهمه أننا كنا من رجال بعثة وزارة المعارف ، فتخلفنا لأسباب خاصة ، والآن نطالب بحقوقنا فى السفر عن طريق وزارة الحقانية ، سيما وأن مدرسة الحقوق ليس فيها مدرس واحد ممن درس التربية وأصول التعليم ، فوجودنا فى هيأتها سيكون كسبا محققا لها .
وكان فى صديقى حياء شديد ، فاستحى أن يذهب ليعرض نفسه على من لا يعرفه ، ولكنه استحيى منى أيضا ، فلم يشأ أن يرفض اقتراحى ، فترك لى عبء التصدى لتنفيذه ، ومواجهة الناس بالكلام ، فقبلت .
وفى اليوم التالى كنا فى وزارة الحقانية نطلب مقابلة وكيلها .
فتعرض لنا سكرتيره الخاص ، ومنعنا من الدخول إليه إلا بعد أن نفصح عن سبب زيارتنا ، وبعد أن يعرض أمرنا
عليه ، ويحصل منه على الإذن لنا بالمثول بين يديه ! وخيل إلى أن هذه الإجراءات "الشكلية" قد تكون ضرورة نظامية عندهم ، فلم أر بأسا من أن أكتب فى مذ كرة صغيرة سبب الزيارة ، ودخل السكرتير . وتهيأنا للدخول فى أعقابه ، ولكنه ما لبث أن ارتد إلينا ليقول : " خلاص ! " .
فسأله : ألسنا سنقابل الوكيل ؟
قال : كلا فإنه سيحيل المذكرة على إدارة المستخدمين ، وإدارة المستخدمين تحيلها هى لجنة البعثات وعندما تنعقد اللجنة يدرج سكرتيرها طلبكما فى "جدول أعمالها " فتنظر فيه عند ما يحل دوره وسط مئات الطلبات الأخرى !
فنظرت مشدوها إلى صديقى وهو يقيم فى مكانه . فأدركت ما يجول بخاطره وعرفت أنى كنت متفائلا أكثر مما يجب حين اقترحت أمر هذه الزيارة . فوضعت يدى فى يده وخرجنا من الوزارة ولم يعقب .
وعاد إلى صاحبى يقول : وما العمل إذا ؟
قلت : نحن لا نستطيع الآن أن نسافر على نفقتنا الخاصة . وعينا فعلنا فقد نعود فلا يقبلوننا فى هيأة تدريسهم ما داموا يتولون بأنفسهم إبقاء البحوث طبقا لاحتياجاتهم .
قال : فماذا ترى ؟ .
قلت : إن لى صلة بمحام نابغ من أبرز رجال مهنته ، فما رأيك فى أن نلقاه لنعرض عليه أن نعمل فى مكتبه كمحامين ! إنه سيطير فرحا ولا شك حين يعلم بأمر هذا الاقتراح .
قال صديقى بهدوئه المعتاد : عليك أن تدبر أمر لقائنا معه . وهذا أنا دائما إلى جوارك .
ولم أضيع وقتى سدى . ففى مساء اليوم التالى كانت تجمعنا مائدة واحدة فى محل "سوات" الشهير فى ذلك العصر الغابر ، وقدمت صديقى لذلك المحامى الكبير . ثم عرضت عليه ما نحن بصدده من الامر . وتهيأت لنلقى تهانيه على هذه الخاطرة السماوية التى أشرقت فى رأسى . فإذا هو
يشيح بوجهه عن هذا الاقتراح ، ويأبى أن يمسه من قريب أو من بعيد ، ثم يجعل حديثه فى الفترة القصيرة التى قضاها معنا بعد ذلك فى أمور عامة لا تهمنا . وأغلب ظنى أنها لاتهمة أيضا ولكنه مهد بها للتخلص منا والانصراف عنا معتذرا بأنه على موعد آخر لا يمكنه من الاستمتاع بمجلسنا أكثر من ذلك ! ...
وبدأنا نتلقى على يد الحياة العملية أول دروسها . فعرفنا أن ما كانت تتطلبه منا الحياة المدرسية من حفظ الدروس وإجادة تسميعها لم يعد له قيمة فى "معركة الحياة" التى بدأنا نخوضها . فأعدنا النظر فى أمر آمالنا وأحلامنا . وبدأنا من جديد
التحق صاحبى بالنيابة العامة وآثرت أنا البقاء فى الميدان الحر إلى حين . ولكنه لم يلبث كالمعتاد أن جذبنى إلى حيث هو . غير أنى ما كدت أنخرط فى السلك القضائى حتى كان هو قد ضاق بعمله فى النيابة . وراودته فكرة الهجرة إلى أوربا للاستزادة من الدرس والتحصيل . وكانت وسيلته إلى ذلك فى هذه المرة أن ينتقل إلى السلك السياسى ليدرس ما يشاء وهو فى عمله كما درس القانون وهو يشتغل بالتعليم .
وسافر إلى لندن ليكون " قنصلا " لمصر فيها . وشغلته أهدافه الكبيرة عن أن يفكر فى نفسه ، فبقى أعزب لم يتزوج . وعاش حياته بعد ذلك لا يفكر فى الزواج . حتى أصبح وزير مصر المفوض فى سفارة لندن ، وبقيت أنا فى مصر . وتزوجت كما قد يتزوج الناس ، وأنجبت كما ينجبون . وأصبح عندى طفلان جميلان . وانتهزت فرصة ظهورهما على ذراعى فى صورة أخذناها على شاطئ البحر ، فأرسلت نسخة منها إلى صديقى فى لندن ، ولبثت زمانا أترقب رده ولكنه أبطأ على . وأخيرا وردت لى منه هذه الرسالة :
" كان على أن أكتب إليك قبل الآن . وقد كان لى حافز على الكتابة لا أدرى كيف قعدت معه وقت أن طالعتنى بصورتك مع طفليك . لقد وجدت نفسى على غرة أمام (نسختين ) مصغرتين منك ، وقد وزعت فى الصورة بينهما نظرتك وابتسامتك . ولا أحسب قلبى خفق يوما بمثل ما خفق فى تلك اللحظة ، فأنى أعلم أنك تزوجت ، وسمعت منك حديث الزواج . وأخبرتنى أن لك أولادا ، ولكن كل هذا ما كان ليجعلنى ألمس حقيقة ما أحدثت فى حياتك من تغيير حتى رأيت هذه الصورة ! .
لقد أصبحت بعد رؤيتها أكثر إيمانا بعقيدتى الأولى : إما زواج مبكر وإما ( لا ) قاطعة مانعة ! يالله
قبلهما لى فقد قبلت الصورة مرارا . إن من أجل مثلهما تهون كل تضحية ويحلو كل عذاب " .
لك الله ياصديقى ! لقد فرحت لطفلى على البعد وهما بعد طفلان . فلما كبرا وأصبح أحدهما رجلا ملء العين اختاره الله إلى جواره . فسكت أنا لا أجرؤ على نعيه إليك وسكت أنت لا تجرؤ على عزائى فيه . وكان هذا آخر ما بيننا من كلام ، وأول ما بيننا من سكوت . فلقد فوجئنا بنعيك أنت فى صحف هذا الأسبوع ؛ وهكذا انقلب بيننا الوضع وانعكست الرغبات ؛ فبالله قبله لى أنت هذه المرة . فما أشد شوقى إليه . . وإليك .
