الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 123الرجوع إلى "الثقافة"

قصة صينية واقعية :، يا سعادة الحياة ، عليك السلام

Share

(إنى عازم على خدمة الوطن إلى آخر الرمق من حياتى . وإذا قدر لى أن أموت شهيدا فى ميدان القتال ، فلا ينبغى لزوجتى أن تضيع شبابها لأجلى ) .

هذه هى مريم ، قرينة اليوزباشى (لون ينغ) التابع للسلاح الجوى فى القوات الصينية ، وقد بلغت من عمرها الآن عشرين عاما . إنها لهى امرأة جميلة خلقا ، وعصرية حياة. لها عينان سوداوان ، وأهداب طويلة ، وأنف أشم ، وأسنان براقة مصفوفة فى فها الباسم ؛ فكل هذه ، بل كل جزء من هذه الأجزاء ، ينفرد بقوة تسحر الأعين ، وتأثيرها يكون أشد وأسحر عندما تترصع حول خديها الموردين .

قد تزوجت مريم من اليوزباشى (لون ينغ) بدون أن يقضيا مدة مناسبة فى حياة الحب ، فاقترنت هى به عندما ظهرت قوة السلاح الجوية للمرة الأولى فى سماء الصين ، تحارب القوات اليابانية المغيرة وتقاتل رجالها . ولأنها قد أعجبت ببسالة اليوزباشى (لون ينغ) فى المعارك الجوية ، سلمت إلى هذا المحارب الباسل ، فاقتنع كل طرف بما عند الطرف الآخر من الشروط والعهود ، فإذا هما زوجان محبوبان سعيدان .

تعيش مريم حياة راضية سعيدة ، مع أن الحرب قائمة ونارها تضطرم فى طول الصين وعرضها . إن السعادة التى ترضى مريم عنها وتشعر بها ، ليست من الزواج نفسه، بل من زواجها بطيار باسل نادر الوجود بشجاعته وظرافته وملاحته . لقد وجدت فيه زوجا مثاليا تسر به، سرورها بالفراشة الوديعة التى قد وقعت فى يدها ؛

وتفتخر به أمام أصدقائه وغير أصدقائه من الرجال والسيدات ، معتقدة أنها أصبحت الآن ملكة لها أجنحة تطير بها إلى ما تتمنى من جمال الحياة وسعادتها .

إنها ماهرة فيما يتعلق بفن التزيين والتجميل ، لا تحب الأزياء الصيفية الحديثة بتاتا ، ومع هذا فانها تكره الملابس الأوربية أيضا . والحقيقة أنها كانت تنظر منذ أمد بعيد إلى بذلة الطيارين بعين الاعجاب والاستحسان ، لكنها لم تجربها لبسة حتى الآن ، وذلك لأن عامة الناس لا يزالون يحسبونها من الأزياء العجيبة التى تستنكرها التقاليد والعادات. وأما الآن فلا خوف عليها أن تلبسها ، لأنها أصبحت زوجة لطيار ، فلا مجال لغيرها من الناس أن ينتقدوها أو يعترضوا عليها ؛ غير أن هناك شيئا يسترعى أنظار الناس ويجعلهم يضحكون منها رغم إرادتهم ، وهو أن نعليها ذواتا كعبين عاليين ، تستخفيان تحت ساقى البنطلون الطويلتين .

إنهما يترددان إلى الأمكنة العامة ويختلفان إليها ، فيريان فى كل حفلة أو اجتماع ؛ يظهران فى المراقص والمقاهى ، ويظهران أيضا فى المطاعم الفخمة الفاخرة والحفلات الليلية الساهرة . ومن عادة الزوج أن يحضر كل حفلة مهما يكن نوعها فى زى الطيار بدون اعتبار الموسم أو المحل ؛ وقد يظهر فى بدلة رتبته فى قوة السلاح الجوية أيضا . أما مريم فهى بالطبع تلبس زى الطيارة ، الذى قد أحرز إعجابها من زمان ، وظهورها فى هذا الزى قد يكون باعثا لانتقاد أو اعتراض عليها من جانب رؤساء الحفلات ، وفى بعض الأحيان يشترك زوجها فى الانتقاد أيضا .

قال لون ينغ : (( يا مريم ، ينبغى لنا أن نلبس لباس السهرة فى المرة التالية ، لعلك تأذنين لى بذلك )) . فأغمضت عينيها قليلا ، ثم قالت : (( أنت حر ،

ولكن ألست تدرى أنى تزوجت منك ليس لإعجابى ببدلة السهرة التى عندك ؟

... إنها قد هددت الطيار الباسل بهذا الكلام غير مرة ، فخضع الطيار لتهديدها فى كل مرة . وكان (لون ينغ) يعزم على عدم إظهار أى ضعف أمام زوجته المستبدة برأيها العنيدة فى موقفها ؛ غير أنه شعر أن الانتصار على أعدائه فى المعارك الجوية أسهل من الانتصار على زوجته فى المعركة الكلامية .

وأما مريم فتحب زوجها بقلب حار ، سواء كان يخضع لارادتها أو ينتصر على الأعداء . لذلك كانت تقدم إلى الطيار الباسل دائما كأسا من الشانبانيون ، مصحوبة مع فمها الصغير الذى كان يظهر فى لون الشانبانيون أيضا ، كلما عاد من مهمته الجوية فى مطاردة الأعداء ، وكان يطير أحيانا إلى الميدان الشرقى ، أو فى الدفاع عن العاصمة ، ثم تستند برأسها إلى صدره فى هيئة تثير العواطف والشعور أيما إثارة ، ثم تقول له بصوت رخيم : (( إنى أقدم أخلص تهنياتى إلى عزيز زوجى ، وأهتف له ثلاثا : (( فليحى الجنرال لون ينغ )) . ... (( أشكرك يا عزيزتى مريم )) .

وعندئذ يمد لون ينغ يديه إلى خصرها ويضمها إلى صدره بين ذراعيه فيقبلها تقبيلا طويلا ينسى معه تلك الوجوه المخيفة والأشباح المشؤومة التى قد رآها منتشرة فى جو السماء .

كانت مريم دائما متهللة فرحا وسرورا ؛ لكنها انقلبت فجأة من حالة المرح والبشاشة إلى حالة الكآبة والتفكير ، بعد ما عادت مع زوجها من زيارة عائلة المرحوم (لوجيا نفوى) الملازم الأول فى قوة السلاح الجوى ، الذى قد مات فى معركة جوية مع الأعداء ، بعد تقديم واجب التعزية إلى قرينة المرحوم وأهله ؛ فلم يكن شئ

بعد ذلك اليوم ليستطيع أن يسليها أو يذهب قلقها وتبلبل بالها . وأصبحت المراقص والمقاهى والمطاعم الفاخرة والحفلات الساهرة عاجزة عن أن تبعث إليها التسلية أو أسباب المرح . ويظهر أن مريم قد أصابها نوع من الأمراض العقلية التي تبلبل خواطرها فى كل وقت . كانت طائرة مغردة تطير فى سعة الجو ، وتغنى بما تشاء من الأغاريد الشجية . وأما الآن فقد وقعت فى قيد الحزن المخيم على سعادة حياتها .

ذات مساء أراد اليوزباشى لون أن يشترك فى حفلة ساهرة فخمة ، وأظهر رغبته فى أن ترافقه زوجته مريم ، وكانت فى ذلك المساء لا تميل إلى الخروج . وكان قد استعد لأن يلبس بدلة جددة من بدلات الطيارين ، وقد قدمها إليه هدية أصدقاؤه من هونغ كونغ . وقد قيل إن هذه البدلة هى من (مودات) سنة ١٩٣٧ صنعت فى إنكلترا خاصة للطيارين ، وقيمتها تبلغ ٢٥٠ ج - أراد أن يلبسها لكى تفرح بها عزيزته مريم ، غير أنه وجد منها خلاف ما يتوقع .

قالت : (( لا أسمح لك أن تلبسها ، لا أسمح فى أى حال من الأحوال ، ما دمت أنا حية وعيناى لم تغمضا تغميضهما الأخير )) .

..... (( ألا تعجبك هذه البدلة ، يا مريم ؟ )) . ..... (( أبعدها عنى لأنى خائفة ، وأراها كأنها كفن للأموات )) .

دهش (لون ينغ) من قولها هذا ولم يعرف ما تعنى ؛ فسألها فى لهجة شديدة : (( كفن ؟ لم تفوهين بهذا الكلام يا مريم ؟ هل أصابك جنون ؟ )) .

.... (( لون - ينغ ، أنت لا تفهمنى بتاتا . ألا تعرف أن قلبى متقطع ، وتحيط به الأحزان الشديدة من كل جانب ؟

.... (( لم يا مريم ؟ قولى ، يا نور عينى )) .      .... (( نعم أقول ، لكن ما فائدة كلامى ؟ اسمع ، يا لون - ينغ ، إن قلبى متقطع إلى أعشار ، ولا حيلة لك فى جمعها فى محل واحد )) .

سري أثر كآبة مريم وحزنها إلى مشاعر لون ينغ ، سريان تيار الكهرباء إلى بدنه . فشعر هو بالكآبة والحزن أيضا . فوقف حائرا أمام مريم ، ينظر نحوها وقد بدت له لغزا من الألغاز لا يعرف كيف يحله . ولبث فى هذه الحال مدة غير قصيرة ، ثم سأل مريم أن تخبره بما أصابها فقال : (( عزيزتى مريم ، قولى بالصراحة ولا تكتمى عنى شيئا . وأنا بما فى من البسالة والشجاعة كفيل بإزالة أسباب حزنك وبواعث قلقك . . أقسم لك أنى لن أدخر وسعا فى إسعادك ، ولو كان فى ذلك تضحية حياتى )) .

فقالت مريم: (( أنت ليست فيك تلك الشجاعة )) . وأرادت بهذا الكلام تهييج عواطف زوجها أولا ، ثم أرادت أن تصرح له بما تطلب منه . لأنها رأت أن الفرصة سانحة لا ينبغى أن تفوتها فقالت (( نعم أنت شجاع ، ولكن هل تستطيع أن تستقيل من منصبك ؟ ))

... (( يا مريم ، لا أفهم مرادك مطلقا ، لعلك قد نسيت شرطنا الوحيد لعقد الزواج بيننا )) .

ودار البحث والجدال بينهما. ومن طبيعة الحال أن مريم كانت غير معقولة فى رأيها فأصبحت مغلوبة هذه المرة . غير أن هذا الجدال الكلامى ، ترك فى نفس (لون - ينغ) أثرا سيئا ، كأنه شبح أسود مشؤوم ، صار يلازمه ملازمة الظل للجسم ، لا يفارقه أبدا . وكان هذا الشبخ الأسود يتحدى الطيار الباسل مرة بعد أخرى ، يدعوه إلى مصارعته فى الميدان ، حتى كاد يقع أسيرا فى يده . بيد أنه كان من الرجال الذين قلما يخضعون لسلطان

غير الواجب . فخرج من الخطر سالما بعقله ، بفضل ما كان فيه من القوة والشجاعة .

لم يكن (لون - ينغ) يحب أن يطيل الكتابة فى تصوير ما جاش فى صدره من عاصفة العواطف وتلاطم الخواطر . فبعد تفكير بالغ إلى القصد والغاية ، كتب بيده هذه الوصية المختصرة التى ليس وراء اختصارها اختصار : (( إنى عازم على خدمة الوطن إلى آخر الرمق من حياتى . وإذا قدر لى أن أموت شهيدا فى ميدان القتال فلا يينبغى لزوجتى مريم أن تضيع شبابها لأجلى )) .

هذه هى وصية الطيار (لون - ينغ) يودع بها سعادة الحياة وما فيها من لذة الآمال وحلاوة الأحلام . لقد نقل نسختين منها بدون علم زوجته على ورقتين من أوراق الخطابات الأفرنجية الفاخرة ؛ فوضع نسخة منهما فى جيب قميصه ، والآخرى تحت الصورة التى التقطت فى مناسبة قرانهما السعيد ، وتعمد أن يخفيها بين لوحة الصورة وبين الورقة المتصلبة الملاصقة لها خلف الإطار ؛ وقال فى نفسه إنه إذا سقطت طائرته يوما ومات فيها حتى احترقت جثته ، استطاعت مريم أن تقرأ هذه النسخة فى وقت من الأوقات . وبعد ذلك رد الصورة إلى محلها على الحائط ، ثم ألقى نظرة إلى مريم وأخرى إلى نفسه ، فشعر فى أعماق قلبه ألما ينشب مخالبه فى أحشائه ، وكان ألما يفوق الوصف والبيان. وخيل إليه أن ألمه هذا ، قد يخف إذا اندفع باكيا بكاء مرا حتى يتسلى من تلقاء نفسه .

لم تمض على (لون - ينغ) ساعة كاملة من كتابة وصيته ، حتى وصل إليه أمر من القيادة العليا ، يأمره بأن يرتفع إلى الجو مقاتلا . وقال المخبر : إن هناك طيارات جاءت من قبل العدو وعددها يتراوح بين ٤٠ و ٥٠

طيارة قد أخذت اتجاهها نحو العاصمة . وعندما سمعت مريم هذا الخبر المروع شعرت بأن هناك بازيا قد نزل من الجو وخطف منها قلبها ، فارتد خداها الموردان إلى اللون الأصفر ، الذابل الهيئة ، فاجتهدت أن تتكلم لكنها لم تستطع ذلك ، كأن هناك شيئا من العظام يعترض وسط حلقها ، ويمنع صوتها من الخروج .

أما اليوزباشى فقد نسى فى هذه الحالة الطارئة المستعجلة أن يودع زوجته المحبوبة ، ويقبلها تقبيلا حارا كما كان ذلك دأبه فى المرات السابقة ، بل ألقى نفسه على جوالته الخاصة ، فغاب عن النظر فى لمح البصر نحو المطار الحربى .

ظهر ذلك الشبح الأسود اللعين أمام عينيه بكل وضوح ، وفى هيبة أخوف مما رآه فى المرات السابقة . وعندما ارتفع إلى الجو كان يخيل إليه أن شبيها للمرحوم (لوجيانفوى) قد حضر أمامه ، يعترض بصره ، وفى الوقت نفسه كان كأنه يسمع صوت البكاء آتيا من زوجته ، يلومه ويعاتبه بدون انقطاع ؛ فوجد أن أذنيه قد امتلأتا من الملامة والعتاب . لقد حاول أن ينسى كل هذا ، ولكنه لم يستطع ، بل تعب من المحاولة وشعر باللغوب فى جسمه والدوار فى رأسه . وعندما حان الوقت لأخذ موقف صارم فى مقابلة طيارات الأعداء ، طفق هيجان خواطره يهدأ قليلا قليلا ، حتى سكن عند حد ما . وفى هذا الحين خيل إليه أنه يسمع صوتا آتيا من أعماق ضميره يكرر ويعلن تلك الكلمات التى كتبها فى الوصية ، وهى : (( إنى عازم على خدمة الوطن إلى آخر الرمق من حياتى . وإذا قدر لى أن أموت شهيدا فى ميدان القتال ، فلا ينبغى لزوجتى أن تضيع شبابها لأجلى )) .

فى اعتقاد (لون - ينغ) أن غارة هذه المرة كانت أشد أنواع الغارات فتكا . وكان رأى مريم أن المعركة

الجوية كانت هذه المرة أقسى نوع من المعارك الجوية .

وبعد مرور ساعتين عاد اليوزباشى (لون - ينغ) سالما بطيارته إلى المطار ، فأسرع إلى جوالته الخاصة وركبها مصرعا إلى منزله كالبرق الخاطف ، معتقدا أنه سيجد صدر مريم الناعم مفتوحا لمعانقته وضمه ، وفمها العذب منتظرا لاستقبال قبلاته لقد تولى النهار وأقبل الليل ، فغاب ذلك الشبح الأسود اللعين . وكان قلبه يرقص فى صدره طربا وخواطره تثب بين ضلوعه ، كوثبات الشعل التى تناثرت نحو السماء ، من عمارة شاهقة قد أصابتها قنبلة محرقة متفجرة .

قد تغيرت حالة (لون - ينغ) النفسية فجأة ، فأسرع نحو عمارة مهدمة . ثم رأى ، ويا لهول ما رأى ! رأى رجال الاسعاف قد أخرجوا من بين أنقاضها جثة - جثة امرأة ، عليها قميص النوم الأزرق . وعرف أنها هى محبوبته مريم ، فترك جوالته ساعيا إلى الجثة وجثا أمامها صائحا : (( يا عزيزتى مريم ! )) .

قال له أحد رجال الاسعاف فى لهجة حزينة : (( إنها تنفست تنفسها الأخير منذ دقيقة فقط . ))      ... (( ألم تفه بكلمة واحدة عند موتها ؟ )) .      ... (( لا ،يا سيدى ، نعم ، بل قالت (قد ضاع أملى) ثم ..... ))

أما (لون - ينغ) فكأنه قد أصابه عند ذلك مرض نفسى ، لا أمل له فى الشفاء . فضغط بيديه على صدره ضغطا شديدا بائسا مما صنع الدهر بحياته أو بسعادته . وخيل إليه أن قلبه قد أصبح باردا جامدا ، كقبر فى أرض قفراء لا حياة فيه ولا حرارة . ومع ذلك شعر أن أنينا كان يصعد من ناحية القلب يتجه إلى وصيته التى ودع بها سعادة الحياة فى سبيل خدمة الوطن .

اشترك في نشرتنا البريدية