وحدثت فى العالم عند ذلك حروب بين الروم والفرس ، انتهت بهزيمة الروم وأسر ملكهم فالريان . وحاول أذينة أن يتقرب إلى ملك الفرس المنتصر سابور ، فأرسل إليه هدية عظيمة ، ولكن سابور رماها فى الفرات ، وأهانه وسب العرب . فثار أذينة إلى حربه وهزمه فى عدة مواطن . وكانت زنوبيا فى أثناء غياب زوجها تقاسى شدة عظيمة من الوحشة والخوف ، وعداوة جيرانها أمراء العرب بالشام . ولكنها استطاعت أن تقاوم كل ذلك حتى عاد زوجها منتصرا . ثم إن أذينة تغير بعد عودته ، وأقبل على سبية فارسية جلبها معه ، وأعرض عن زوجته المحبوبة ، فأثر ذلك فى نفسها أثرا شديدا ، وعالجت نفسها بترويضها على حكم العقل وأنكرت عواطفها وكبحتها . وكانت تكثر من القراءة مع معلمها الفيلسوف لونجين .
ودعت حوادث الحرب إلى خروج أذينة مرة أخرى من تدمر ، فبقيت زنوبيا وحدها تظن أنها اطمأنت إلى نسيان حب زوجها ، ولكن قلبها كان ينازعها إليه برغمها . وانتهز أعداء تدمر فرصة غيبة أذينة الجديدة ، فدبروا مكيدة لها وأثاروا فتنة قتل فيها حسان المسيحى الباسل ، قائد الحامية ، وهو زوج لميس المسيحية الجميلة ، وصيفة زنوبيا العزيزة ، فذعرت زنوبيا من هذه الثورة ، ولم تجد فيها حيلة إلا أن تخرج من تدمر لتلحق بزوجها تطلب منه الحماية . وخرجت سرا من القصر من سرب خفى مع معلمها لونجين ، قاصدة إلى حمص ، حيث كان أذينة .
ولكن أذينة كان قد قتل فى أثناء وليمة ، وكان قتله على يد ابن أخيه معن ، الذى لم ينس ما ناله منه من الأذى . ولما سمعت زنوبيا بذلك اشتد حزنها وخارت عزيمتها وعولت على التسليم للقاتل ، وذهبت إلى لقائه . وفيما كانت تهم بإعلان تسليمها علم الجيش بمكانها ، فثار وهاج وقتل معنا وأصحابه ، وعادت زنوبيا بجيشها إلى تدمر تتعجب من تقلب الأقدار! ]
كانت حامية القصر تعانى ضيق الحصار ومشقة الحرب المتصلة وهى تجاهد جموع العدو المحيط بها . لقد كان ذلك العدو يزداد عددا وجرأة كلما مضى عليه يوم ، فى حين كانت هى تزداد جراحا وإعياء وهما . وازدحمت مخادع القصر بالذين أعجزتهم الطعنات ، وشغل النساء وفيهن بنات أذينة بتضميد الجراح والعناية بالمرضى ، فما بقى لهن فراغ للنظر فى إعداد طعام أو تهيئة ملبس ، وكان الجنود يتساقطون صرعى وقد أصابتهم السهام ، حتى تنزف دماؤهم ويخمدوا تحت أبصار رفقائهم ، فلا يجدون من يلتفت إليهم ، إذ كان من حولهم فى شغل من معاناة كرب النضال الوعر مع العدو الذى لا يمهلهم ولا يوادعهم .
واجتمع قواد الحامية فى ليلة يتجادلون فيما عساهم يفعلون بعد أن رأوا أن الضيق قد ازداد شدة من حولهم
حتى أحسوا العجز عن تحمله ، وجعلوا يتحاورون فى حيرة : أينتظرون حتى تنفد منهم الأقوات فيتساقطوا من الجوع والتعب ، أم يخرجون على العدو فى يأسهم حتى يقتلوا عن آخرهم والسيوف فى أيديهم ؟ وهل بقيت لهم حيلة يحتالون بها على ذلك العدو المدل بقوته فيحملونه على مصالحتهم أو تخلية سبيلهم ، ليلحقوا بأرض أخرى من بلاد أذينة ، تاركين له القصر وما فيه من كنوز غنيمة طيبة ، أم لقد سدت عليهم أبواب الحيلة فى ذلك الصلح ، والعدو يمنى نفسه باقتحام القصر فى كل صباح وفى كل مساء ؟
وكان وهب اللات بن أذينة واقفا مع القواد يستمع محاورتهم المضطربة صامتا مطرقا ، وكان فتى فى الثامنة عشرة ، ولكنه كان مثل أبيه مديد القامة واسع الصدر أقنى الأنف له عينان مثل عينى أمه تأتلقان .
ولما لم ير القواد من مجادلتهم مخرجا نظروا إليه يستطلعون رأيه كأنهم كانوا يذكرون فى مرآه بطلهم أذينة . فأحس الفتى أن الأرض تميد به ، وشعر كأن النار تتقد ما بين عينيه . ثم ثارت فى رأسه الخواطر سراعا تتواثب ، وهو صامت فى حيرة وقلق يحس النظرات كأنها تصدع جسمه وتخز وجهه . أتترك الحامية القصر لكى تهلك فى القتال اليائس ، وتترك من ورائها نساء القصر وضعفاءه من المرضى والشيوخ ؟
أيتركون إخوته لذلك العدو الوحشى الذى يموج تحت الأسوار ؟ أيتحدث العرب بأن امرأ القيس بن عمرو قد سبى بنات أذينة وعاد بهن إلى الحيرة ، لكى يتخذهن إماء لزوجاته وبناته ؟ إن الموت لنعمة ما كان ينبغى له أن يستأثر بها دون من فى حوزته من النساء والضعفاء .
فوقف حينا ينظر إلى الجمع فى صمت ثم قال مندفعا ، وقد احمر وجهه من الحماسة :
- أيها الرفاق البواسل . ليس منكم من يخشى الموت ، وليس الاقدام على الموت ما يفخر به الشجاع . أليست هى طعنة أو ضربة ثم تذهب الآلام ؟ ولكن ما حديث الذكر الذي يبقى وتسير به سير الزمان ؟ وما مصير الحرم التى تخلفون وراء ظهوركم ؟ لخير لدى أن أموت قطعا ، وأن تساقط نفسى ذرة بعد ذرة وأنا أعانى الآلام دهرا ، لخير لدى ذلك من أن تبقى من ورائى ذات خدر تتعرض للهوان .
ولن أبرح ههنا مقيما فى القصر حتى لا أجد به موضعا أقف فيه لعدوى . فإذا عجزت ولم يبق إلا الهلاك ارتددت إلى من خلفى من هؤلاء الضعاف وسفكت بسيفى دماءهم ثم استقبلت بعدهم الموت راضيا .
وسمع القواد قوله حتى انتهى منه ، وبقى الصمت مرتقا فوقهم حينا ثم انطلقت منهم صيحة عالية ، ومدوا أذرعهم بالتحية وقالوا فى حماسة :
- مرحى أيها الأمير الباسل ! مرحى ياابن أذينة ! سنبقى معك يا ابن أذينة العظيم !
وبقيت الضجة حينا ، وقد أقبل كل قائد على صاحبه يصافحه ويشد من عزمه ، وبعلن أنه لن يبرح القصر حتى يسير تحت لواء وهب اللات إلى الموت .
ثم هدأت الأصوات شيئا فشيئا حتى عاد السكون ونظر الجمع إلى وهب اللات ينتظرون أمره .
وعند ذلك علا صوت من خلفهم يقول : مرحى أيها البواسل ! .
فالتفتوا جميعا إلى الوراء وفتحوا أفواههم من الدهشة وتراجعوا وهم يصيحون صيحة مكتومة : - الملكة !.
واندفع وهب اللات نحو أمه وارتمى بين ذراعيها الممدودتين .
وقضت زنوبيا حينا حانية على ولدها تضمه بعطف ، وتمرغ وجهها على صدره ؛ ثم رفعت رأسها وأرسلته من ذراعيها ، ونظرت إلى الجمع بعينيها الدامعتين ، وقالت بصوت متهدج : - يا شجعان تدمر !
وكان القواد مطرقين ، وقد حركهم منظر الحنين ، فلما سمعوا صوت الملكة رفعوا رؤوسهم نحوها فى عطف وإجلال ، فاستمرت تقول :
- لقد تركت القصر خفية لما رأيت الخطر محدقا به ، ولم أعلم أحدا منكم بما عزمت عليه خوفا على عزيمتكم أن يداخلها وهن أو تردد . وكانت الأقدار وحدها تحركنى وتسدد خطاى . خرجت أقصد قصدا ، ولكنى وجدت الأقدار تدفع بى فى سبيلها تقصد بى قصدا .
خرجت أطلب ملككم أذينة الباسل لأستجير به وأدعوه لنجدتكم كما كنت أفعل دائما كلما أحسست المخاوف تساورنى .
ثم اختنق صوتها ووقفت عن الكلام ، ورفعت يدها إلى عينيها وأجهشت بالبكاء .
فنظر القوم إليها فى دهشة ، واقترب ولدها وهب
اللات نحوها فى فزع وعطف ، وأمسك يديها وقال فى توسل : - أماه !
فكفكفت زنوبيا دمعها بعد جهد ، ثم قالت بصوت يشبه الأنين :
- كيف أعزيكم فى بطلكم الباسل ، وكيف أعزى نفسى فى زوجى الحبيب ؟
وعادت فاستخرطت فى البكاء ، وخيم على الجمع وجوم كثيف ، وصاح وهب اللات وهو يمسك بمقبض سيفه : - أقتل أذينة ؟
فرفعت زنوبيا رأسها ، وفتحت عينيها الواسعتين الحمراوين من أثر البكاء ، وقالت بصوت يشبه رنين النحاس : - نعم قتل يا ولدى . ولكن كن قرير العين ، فلقد اشتفت نفسى من القائل الخائن .
وأخذت تقص على الجمع قصة المأساة ، حتى بلغت نبأ الجيش الواقف عند أبواب تدمر ينتظر إتمام المكيدة التى اتفقت عليها مع مالك بن زباع . ثم قالت :
- هي الأقدار العجيبة التى أخرجتنى ، وهى الأقدار العجيبة التى عادت بى فى هذه الساعة ، لأسمع ابن أذينة يحدثكم كأنه ينطق بلسان أبيه . تقدموا أيها البواسل فحيوا ملككم الكريم .
فمد القواد أيديهم إلى وهب اللات ، وحملوه على دروعهم وصاحوا : - وهب اللات ملك تدمر ، أغسطس حامى المشارق !
وكان جنود الحيرة لا يزالون حول أسوار القصر آمنين فى نومهم ، لا يسمع لهم حس إلا وقع أقدام الربيئة ، وهم يجمعون الأحطاب ، يوقدون النيران ليستدفئوا من برد الفجر الذى يسبق مطلع صباح الربيع . وفتحت أبواب القصر فى حذر وسكون ، وكان
ظلام الليل لا يزال يلف الفضاء ؛ إلا أنفاسا وسنى ضئيلة تنبعث فى السماء عند الأفق الشرقى ، يرمقها ديدبان جيش الحيرة ، مرتاحا بعينية الوانيتين ، اللتين تترقبان طلوع الصباح لكى تغفيا بعد سهر الليل الطويل .
ثم انطلق من باب القصر ركب من الفرسان يركض جياده فى دفعة سريعة ، وترددت أصوات وقع سنابكها على صخر الأرض ، كأنها وابل من الحجارة قد سقط من السلع فقعقع وطقطق ، وملأ الجو ضجيجا على حين فجأة .
فصحا عسكر الحيرة فى ذعر ، وتنادى جنده من جوانب الفضاء : واصباحاه !
وأخذوا يستعدون للركوب سراعا ، وقد طار النوم عن أجفانهم ليلحقوا بهؤلاء الذين حسبوهم خرجوا إليهم يناجزونهم القتال ، بعد أن أيسوا من مقاومة الحصار . غير أن فرسان تدمر لم يقفوا لقتال ، ولم يلتفتوا وراءهم إلى مطارد ؛ بل انطلقوا فى سبيلهم حتى عجب منهم عدوهم ، وسخر من أنهم لن يجدوا دونهم مخلصا إلا إن استطاعوا الوثوب فوق الأسوار العالية .
وكان فى صدر فرسان تدمر وهب اللات بن أذينة فى سلاح مثل سلاح أبيه راكبا على فرس أدهم محجل ، وقد رفع سيفه يشير به إلى جنوده نحو باب القصر الذى كان يلوح فى غبش الفجر بعيدا فى طرف الطريق الأعظم .
وكانت الطريق خالية تظهر فيها الأعمدة القائمة فى صفين على جانبيها كأنها ممتدة إلى نهاية الأرض ، وكانت الحوانيت حول الطريق تبدو كالحة ، وقد حطمت أبوابها ، وخلت من كنوزها الثمينة ، التى طالما حملتها إليها القوافل من الشرق والغرب ، فقد ذهبت كلها غنيمة لجنود امرىء القيس بن عمرو .
ولما بلغ وهب اللات باب القصر وقف ، وجعل يشير إلى أصحابه ، ويقسمهم فى كتائب يجعل لكل منها موقفها ، وهم يطيعون فى مسارعة وسكون ؛ فأسرعت طائفة إلى
الباب ووقفت كتيبة أخرى تعترض الطريق الأعظم ، وتسد المسالك المؤدية إلى السور .
واندفع وهب اللات مع جماعة من فتيان تدمر إلى البرجين القائمين على جانبى الباب ، فقتلوا من هناك من جند الحيرة ، ونادوا أصحابهم من وراء الأسوار يؤذنونهم أن يثوروا على ميعادهم مع الملكة . فارتفعت ضجة من الجيش المتدفق نحو الأسوار . وأخذ القوم من داخل المدينة ينزعون قضبان مصراعى الباب ، ويحطمون دعاماتهما ، ويجاهدون فى فتحهما ، على حين كان إخوانهم من ظاهر السور يعاونونهم بالدفع والتحطيم .
وكان جنود الحيرة فى أثناء ذلك ، قد هبوا سراعا وركبوا وراء عدوهم الجرىء ، فلما اقتربوا من الباب وجدوا كتيبة تعترض مسالك الطريق المؤدية إليه ، وثارت هناك معركة الحياة والموت بين الفئتين .
ولكن الطريق الضيقة لم تتح لجموع جيش الحيرة أن تحيط بحامية تدمر الضئيلة ، فاستطاعت أن تدافع ، وأن ترتد خطوة بعد خطوة ، وأمواج الجموع المتكاثرة عليها تصدمها وتدفعها فى سبيلها حتى ضاقت الحلقة حول الباب ، وأوشكت أن تنطبق على الذين يعالجون فتحه .
وعند ذلك انفرج المصراعان وهما ينعران ويصوتان ، وتدفق منهما فرسان جيش تدمر من خارج المدينة ، ومالك بن زباع فى صدرهم ، وهم يصيحون صيحة ارتجت لها جوانب الفضاء . فلما أحس جنود الحيرة بذلك ترددوا ثم تزعزع جمعهم واضطرب ؛ ثم أخذوا يرتدون عن الباب يلتمسون البراح فى الميدان الأوسط من المدينة ، وتدفقت وراءهم
جنود تدمر ، ومالك بن زباع فى صدرهم ، واختلط الجمعان فى نضال حانق مضطرب لا يتعارف فيه المتقاتلون إلا من شعارهم فى النداء .
وكان ضوء الصباح قد جلا المنظر البشع ، فاذا بتدمر الأنيقة معمعة قتال تتناثر فى أنحائها جثث القتلى من
الفرسان والجياد ، وصبغت الدماء جوانب الأبنية البديعة القائمة على حافتى الطريق ، وانعقدت منها برك تلطخ أرض الطرق والميادين .
وكانت زنوبيا عند ذلك واقفة فوق سور القصر مع لونجين فى برج من الأبراج ترقب حركة القتال البعيد ، وهى تهتز مع تردد أمواجه بين المد والجزر ، وقد حصرت روحها ومشاعرها فى نظراتها المتلهفة . وفيما هى كذلك إذ سمعت وقع حوافر خيل مقبلة نحو القصر من جانب من الميدان الفسيح ؛ فالتفتت تقلب نظراتها قلقة فى الفضاء الذى فى أسفله ، فرأت فارسين يتطاردان ، وقد أوشك أحدهما أن يضع رمحه بين كتفى صاحبه . ولكن الفارس السابق مال على سرجه فى حركة سريعة ، ولوى عنان فرسه فحاد عن طريق قرينه ؛ فاندفع المطارد ، وذهبت طعنته فى الهواء ، وتزحزح عن ظهر فرسه ، حتى كاد يسقط من شدة الدفعة ، وما كاد يعطف فرسه ليعاود النضال حتى كان عدوه قد اعتدل ، وأقبل نحوه رافعا سيفه ، وابتدأت بينهما مبارزة عنيفة سريعة .
ولم تستطع زنوبيا من سرعة الحركة أن تتبين من يكون الفارسان ، حتى اقتربا فى تجوالهما ، وبدت حركات تناضلهما ، ورأت ملبسهما وسلاحهما ، فصاحت صيحة هلع عالية تقول :
- ولداه ! . ثم أسرعت من موضعها فهبطت من البرج وهى تردد صيحتها حتى بلغت الفناء وقصدت نحو باب القصر .
ولم تقف لتسأل أحدا أو لتطلب عونا ، بل أسرعت إلى فرس فركبته ، وأمرت بفتح الباب وخرجت إلى الميدان ، وركضت فرسها نحو المتقاتلين . ولم يقدر لونجين أن يحدثها أو يبدى لها رأيا ، ولم يجد بدا من أن يسرع خلفها راكبا وهو يتمايل على سرجه . ويحاول أن يحفظ مقعده عليه .
ولما صارت الملكة على مقربة من الفارسين أسرعت شاهرة سيفها تريد أن تنقض به على ذلك الذى يوشك أن يطعن قلب ولدها . ولما رآها الفارسان مقبلة عليهما تباعدا وجعلا ينظران إليها فى دهشة ، ثم صاح وهب اللات فى يأس عند ما عرفها :
- أماه ! فأسرع العدو تاركا وهب اللات ، واندفع نحو الملكة فى خفة وهو يصيح : - هلم إلى أيتها المهاة ، فأنت أولى بصيدى ! .
وكان وهب اللات قد بغت من هذه المفاجأة ، فوقف حينا مترددا حتى رأى الفارس ينطلق نحو أمه كالصخرة المنحدرة . فصاح صيحة ذعر وحنق ، وأقبل على الفارس يرمى عليه نفسه فى يأس ، وكان لونجين فى ذلك الوقت قد بلغ موضع القتال ، فلما رأى الفارس قاصدا نحو الملكة امتلأ قلبه خوفا عليها ، ودفع فرسه نحوها فى اضطراب ، وهو يصرخ فى غير وعى ، فاصطدم فى طريقه بالفارس وهو لم يجرد سيفا ولم يشهر رمحا .
فضربه الفارس الحانق بسيفه ضربة أسقطته عن فرسه وتركه واندفع يقصد إلى الملكة التى عول على أن يفوز بقتلها أو أسرها . ولم يلتفت إلى شئ سوى صيده الثمين . وكانت اللحظة التى وقف فيها الفارس عند اصطدامه بلونجين فرصة أمكنت وهب اللات من عدوه ، فركض نحوه فرسه صائحا من أعماق صدره صيحة عالية ، واندفع لا يفكر فى شئ إلا أن ينجى أمه من ذلك الفارس المخيف ، فأدركه وهو يستعد للطعنة ورمى الرمح من خلفه بين كتفيه ، فى حين كانت الملكة الباسلة تدفع رمحها بيدها المضطربة فوقع فى عنق فرسه من الأمام ، فهوى الفارس وفرسه معا يتخبطان فى الدماء .
وقفت الملكة ووهب اللات حينا ينظران فى دهشة نحو المنظر الدموى الذى دونهما ، ثم أسرعا إلى لونجين المسكين فحملاه وهو لا يعى ، وعادا به إلى القصر .
ولم يبق وهب اللات فى القصر إلا قليلا ، ثم ترك أمه إلى جوار سرير لونجين وعاد إلى قومه ليشاركهم بقية القتال ؛ فلما بلغ الميدان الأوسط الذى ترك فيه المعركة ثائرة منذ حين ، وجد فيه جماعة من جيش تدمر تذقف على الجرحى فى غل وحقد ، فاستقبله فرسانها هاتفين باسمه هتاف فرح عند ما رأوه يقبل عليهم سليما ، بعد أن حسبوا أن العدو قد أصابه فيمن أصاب ، وسار معهم نحو باب القصر وهو ينظر حوله إلى ما خلفته الحرب الضروس . ولم يمنع أصحابه من التمثيل بقتلى العدو ، فكانوا يطأونهم بخيولهم ويقطعون أوصالهم عابثين ، إذ كان غل القلوب أعنف من أن تلينها رحمة على العدو الكريه .
ولما بلغ باب القصر ألقاه مفتوحا ، ولم يجد عنده إلا كوكبة تحرسه بعد أن خرج منه جنود الحيرة فلولا وتشتتوا فى الصحراء واتبعهم فرسان تدمر يتعقبونهم بالقتل والأسر ، أنى وجدوا آثارهم على الرمال .
لقد كان قتالا عنيفا ، ولكنه كان مثل خيال الأحلام . كانت تدمر منذ ليلة يائسة فى يد العدو ، وكان العدو نائما حول قصرها يعلل النفس بقرب القضاء على ما بقى فيه من مقاومة لا تلبث أن تبوخ وتخمد ، فاذا بالصباح يطلع عليها وقد خلت من عدوها المهزوم ، ولم يتخلف منه إلا تلك الجثث الطريحة ، وتلك الدماء المنعقدة على وجه أرضها الفسيحة . وعاد وهب اللات إلى أمه ، ليحمل إليها أنباء ذلك النصر العجيب ، فتنفست وهى تستمع إليه فى لهفة ؛ ولكنها لم تفض معه فى الحديث . وعادت إلى سرير لونجين وهى تناجى نفسها بما تحدثه الأقدار فى تقلبها الغامض العجيب .
ما هذه القيم التى جعلها الانسان لنفسه وما يحيط به فى هذه الحياة ؟ إنها لا تزيد على أن تكون من صنع خياله أو من صنع أطماعه الجائعة ؛ ولكن تلك الأشياء إذا ما قبض عليها المرء بيده وجدها خاوية أو لم يجدها ،
بل رأى نفسه يقبض على الريح ؛ وهو مع كل ذلك يناضل ويجاهد ، ويقسو ويخدع ، ويخون ويذل ، فى سبيل بلوغ مأربه منها .
لقد عرفت زنوبيا الملك والمجد ، وذاقت الحب والغيرة والبغض ، وقاست المخاوف ، وخاضت المخاطر ، وكشفت كل ما يمكن أن يكشفه الانسان من الحياة . فماذا وجدت بعد ذلك كله ؟ إنها لم تجد فى الحب إلا ألما واضطرابا وخيبة ، ولم تجد فى المجد إلا خداعا وغرورا ، ولم تعرف فى قلب الانسان إلا الغموض ، ولم تجد فى عقله إلا القصور وقلة الادراك ، ولم تحس السلام إلا عند سرير معلمها المسكين لونجين ، وهى تحاول أن تخفف من آلامه وتعيد إليه الحياة .
مسكين لونجين ! كانت زنوبيا تحس فى قربه معنى
غامضا لا تستطيع أن تدرك كنهه . كانت تحس أنه يفنى ويبذل ولا ينتظر الجزاء . أيكون ذلك الذى يبذله حبا ؟ لئن كان ذلك حبا فهو غير ما عرفت من الحب ، وغير ما فهمت من الحب . إنه حب لا يشبه حب هذه الأرض المضطربة الملوثة بالدماء .
جلست إلى جانب سريره وقد امتلأ قلبها رقة وعطفا . لقد كان المسكين لا يبخل أن يجود لها بنفسه قبل أن تطلب منه أن يجود ، ولم تسمعه يوما يقول لها كلمة تنم عن أنه يطمع فى عرفانها أو الوفاء بدينها .
ليت لميس كانت تأتى إليها فى تلك الساعة لتحدثها ، فقد استطاعت أن تتسامى إلى شئ يشبه ما كانت تنعم به تلك القديسة فى حياتها من خدمة الضعفاء والأشقياء . [ تمت الحلقة الأولى ]

