كان أذينة أمير تدمر فارساً باسلا مغرماً بالصيد ، وكانت مدينته عاصمة كبرى للتجارة تجتمع فيها سلع الشرق والغرب ؛ ونالت من وراء ذلك غنى واسعاً. وخرج الأمير يوما للصيد كعادته مع امرأتة زنوبيا الجميلة المثقفة ، سليلة العماليق وحفيدة كليوبتره مليكة مصر ، فأصيب بجراح من أسد، فعاد جريحاً ، واضطر إلى الاعتكاف بعد أن أظهر لأهل المدينة أنه لم يصب بأذى كبير.
وقضت زنوبيا الليل إلى جوار سريره تعتنى به ، وكانت شديدة القلق عليه ، حتى تالها من وراء ذلك تعب شديد كان له أثر في زعزعة نفسها واضطراب أعصابها، وجعلت تتحدث مع وصيفتها المسيحية ليس عن آلامها ومن مخاوفها . وجعلت ليس نصف لها المسيحية ، فأحست في ضعفها ميلا إلى الانتماء إلى الله، وتفتح قلبها بعض التفتح إلى الدين الجديد إذ حسبت أنها تجد فيه ما يبعث الاطمئنان إلى قلبها ويساعدها على تحقيق آمالها الواسعة.
وذهبت لميس على عادتها إلى الكنيسة للصلاة وجعلت تدعو الله ليشفى الأمير ، فلما عادت وجدت أن الأمير قد صحا وعليه دلائل العافية ، وذهبت مع سيدتها زنوبيا لتساعدها على التزين وجعلت زنوبيا في عزة سرورها تحدثها وهى تخدمها ، فأفضت إليها بحديث أمير شاب جاء إلى أذينة يخطبها منذ أيام، وكانت الفتاة قد تعلق قلبها بشاب مسيحى من جند الأمير - فلم تطرب لذلك النبأ ؛ وعلمت زنوبيا من حديثها بسر حبها.
عم الفرح أرجاء تدمر عندما ذاع نبأ شفاء أذينة مما ألم به من صراع الأسد، وأكسبه ذلك الحادث الجليل ذكراً يتردد في أنحاء البلاد بأنه قاهر السباع فكانت حلقات الشعب تتجمع أيام الأسواق في رحاب المدينة تسمع قصائد الشعراء وأغانى القيان في مدحه والإشادة بشجاعته .
وجلس في يوم بعد تمام شفائه في قصره يستقبل وجوه تدمر وكبار جندها ووفود قبائل العرب الذين أتوا إليه يحملون هدايا شيوخها ، ووفود مدائن الشام الذين جاءوا يؤدون لأذينة العظيم تحية الولاء لأمير أغنى بلادهم وأكثرها عمراناً ، وكان من بين الوقود جماعات أتوا من الاسكندرية وآخرون من أنقرة يظهروا لأمير الشرق عرفان بلاد الأمبراطورية الرومانية مكانته وفضله .
كان ذلك اليوم أسعد أيام (زنوبيا) ، إذ اجتمع لها السرور بشفاء زوجها البطل الحبيب، وسرور آخر لا يقل عنه بأن ترى تدمر محط رجال وفود أقطار العالم .
وامتلأ قلبها بأملها الاثير أن تصبح تدمر ذات يوم سيدة كل تلك الأقطار وقبلة دولها
وخرج أذينة في أصيل ذلك اليوم إلى معبد الشمس سائراً في موكب رائع من الجند والوقود على خيل عربية أصيلة ، وكان أهل المدينة كلهم في عيد شامل أبرزوا فيه كل ما عندهم من زبدة وثروة ، وأرخوا لأنفسهم العنان فى المرح والغناء والقصف ، واختلط مع أهل المدينة في ذلك العيد العميم جماعات من أهل الصحراء الذين جاءوا بقوافلهم إلى تدمر من أطراف السواحل في الجنوب والشرق والغرب ، فكانت طرق المدينة تضم من الوجوه ، فيها من كل من وجنس ، وألواناً من الملابس والأزياء ، بين شملة الأعرابي ، وملاءة الرومى ، وقباء الفارسي
وفي مساء ذلك اليوم مدت الموائد لإطعام الوفود في إيوان القصر واجتمعت عليها أطايب ما في الشرق وما في الغرب من صنوف الطعام بعضها حضري وبعضها بدوی،
وقدمت فيها من أطباق الفاكهة ما لا عهد به لأهل الصحارى، ومن صنوف الحلوى والألطاف ما أدهش ألباب القوم من حضر الشرق والغرب، وجلس أذينة بعد انصراف الوقود والضيوف في جماعة قليلة من أصفيائه وأصحابه وحضرت الأميرة ووراءها وصيفاتها لتشاركهم في سمرهم ، كما كانت عادتها من قبل كلما خلا أذينة إلى أقرب الأصدقاء
وكانت في تلك الليلة باهرة الحسن، فان السرور الذي كان يملأ قلبها قد خلع عليها لألاء ساحراً ، فكانت عيناها السوداوان الواسعتان تتألقان بنور البشر ، ووجهها الأسمر الخمرى يشع سعادة وفتنة. وكانت تلبس ثوباً من الحرير الأحمر الامبراطوري ، وزينت ذراعيها وأصابعها وصدرها ورأسها بحلى من الذهب التقيل والجواهر المزدحمة، ولكنها مع ذلك كانت رشيقة الفد خفيفة الحركة أنيقة المنظر.
وتطلعت إليها العيون حيناً وقد بهرها الحسن البارع ، ولكنها ما لبثت أن أغضت إجلالاً لمكانها وهيبة لزوجها البطل الجليل ، وقام أذينة يستقبلها باسماً ، ثم أخذ بيدها في بساطة وكبرياء . وقال لها في لهجة المباهاة:
- أميرة الشرق تحية طيبة ! . فابتسمت ونظرت إليه وأجابته قائلة : تحية لسيدى أمير الشرق ، أذينة العظيم ثم مالت إليه وقالت بصوت هامس : أوشكت أن أقول تحية لامبراطور الشرق
فتبسم أذينة ونظر نحوها نظرة أودعها ما يحسه نحوها من إكبار لذكائها وغرام بحسنها. ثم جلس وأجلسها إلى جواره ووقفت الوصيفات وراءها يحملن المناديل وقماقم العطور ، وينظرن إليها ينتظرن إشارتها ، وكانت أبرعهن حسناً (ليس) ابنة عامر .
جلس أذينة مع زنوبيا في صدر البهو الفسيح وقد نصب له تخت عال من خشب الأرز الذى جلب إليه من لبنان، عليه حلية من الذهب في أركانه وفى ظهره على هيئة
تماثيل لإيزيس إلهة الخصب والخير وأبولو إله الشمس والقوة ، وكانت قاعدتاه الذهبيتان على صورة أسدين رأساهما على هيئة رأس رجل متوج بأكليل في صورة الحية الملكية المصرية ، وقد وضعت فوق التخت صنوف من الطنافس والمساند المغطاة بنسيج دقيق من الكتان الناعم ، وعليها نقوش ملونة من أشكال الزهر والحيوان .
ووضعت على جانبي البهو أرائك أقل علواً من أريكة الأمير قد زينت كلها بالنقوش وطليت حليتها بأغشية الذهب والنحاس ، ووضعت عليها فرش وثيرة ومساند جميلة وقراء ناعمة مختارة من الأبيض والأسود والمصبوغ بالأحمر والأصفر، ووضعت عند كل من هذه الأرائك مناضد من الخشب والممدن مختلفة الرسوم والنقوش.
وكانت المنضدة الملكية قطعة من خير ما أنتجه فن الاسكندرية من الخشب الثقيل المطعم بالذهب والفضة والعاج، رسمت نقوشها على هيئة سباع وشجر وطير وزهر. وجلس الضيوف حول البهو الفسيح ، فكانوا خليطاً عجيباً من المشارق والمغارب ، فيهم شيوخ من مضر وجرهم قد أنوا من بلاد اليمامة والحجاز ، ووجوه من اليمين قد أتوا مع تجارتهم من أقصى الجنوب ، وفرسان من جنود تدمر يلبسون ملابس تشبه زى الروم وحليهم ، بعضهم من العرب وبعضهم من أهل الشام أو جبال حوران .
وكان بين الحاضرين اثنان من المسيحيين ، أحدهما الزاهد (فليس) في ملابس سوداء خشنة ، والآخر أسقف أنطاكية بولص السمسطائي ، وهو رجل مليء الجسم أحمر الوجه أسود اللحية ، يظهر عليه أنه غير غريب من حاشية الملوك ، فقد كان أميراً تجي له أموال من المسيحيين على أنه لهم زعيم ، ولكنه كان يعرف مفاتن العالم، ويقبل على الذاته ويعرف كيف يجمع بين عن المال والجاء، وبين رياسة الدين ومظاهر قداسته ؛ وكان إلى يمين الملكة معلمها لونجين ، وهو رجل فى وسط العمر ، عليه سياء الوداعة والسلام ، وتم ملامح وجهه عن صراحة وقوة نفس و شجاعة وذكاء.
ووضعت على المناضد أباريق الخمر والأكواب بعضها من الذهب لشراب الأمير والعظماء ، وبعضها من الفضة امن هم دون ذلك من الأصحاب ، وعليها حتى مختلفة ونقوش منوعة، ووضعت إلى جانب الأباريق والكؤوس محاف من الفضة مليئة بالفاكهة والثمار والأعشاب المعطرة والأزهار ، وفرشت أرض البهو بأنواع من الطنافس والبسط ، وألقيت بينها جلود فهود وأسود ودبية مما ساده أذينة في غزواته للوحوش . وكانت بين المقاعد قوائم من المرمى الملون والنحاس الأصفر قد وضعت عليها مجامر الند والعود، أو تماثيل شتى للآلهة العبودة عند ذلك من بلاد مصر إلى بلاد الروم .
وأخذ الملك في الشراب مع أصحابه ، وجعل يحدثهم في حماسة وبساطة عن صيده ومخاطراته فيه، وعن حوادث العالم الجليلة التي كانت تلك السنين تضطرب بها ، وجعل الخدم والعبيد يتنقلون خفافاً ليملأوا الكؤوس ويقربوا النقول
وتدفق الحديث في غير تكلف ولا حذر ، واندفع فيه أبناء الصحارى الذين لا تعقل ألسنتهم الرهبة ، وشارك فيه من كان هناك من الأمراء والعلماء الذين كانوا من أنداد الملوك . فكان أذينة وهو بينهم محاربا بين محاربين أو صديقا مع أصدقاء ؛ وجرى الحديث على وقاره ممتعاً أعظم الإمتاع للنفوس ، وأقبل الجمع على الشراب ، غير أن معلم الملكة وفليس الزاهد كانا يرشفان كأسيهما كأنهما يريدان المشاركة ولا يحبان أن يغلهما الشراب ، وشاركت زنوبيا في الشراب والحديث وبعثت بذكائها ورخامة صوتها روحاً من الطرب كان له حميا مثل حميا الشراب.
والتفت الأمير إلي ( لونجين)فوجدةيذوق الشراب ولا يتجرعه فقال له باسما :
مالك أيها الأخ المبجل تحاذر في الشراب كأنك تخاف أن ينفد ؟ فنظرت نحوه زنو بيا باسمة وقالت :
إن صديقي يري له رأيا في الشراب ، هو يضن بذهنه المتوقد ان يعترية النسيان
فنظر لونجين إلى الأمير باسماً ثم اتجه إلى الأميرة فى حياء وقال : أعرف أن أباريق مولاى لا تفرغ ، وأعرف أن من كان فى حضرة مولاتي لا يبعد عنه الإلهام.
فضحك اذينة على صدره وقال : - لقد عرفت هؤلاء الفلاسفة لا يعجزهم القول . تم شرب مابقى فى كأسه جرعة واحدة والتفت إلى الفيلسوف وقال :
- آه أيها الفيلسوف . إنها تروى الظمأ وتنعش النفس - إنك لو عرفت الهموم لوجدت فيها شفاءها ، ولو خضت الحروب لعرفت أنها بلسم لجراحها .
ثم ألتفت لفته إلى زنوبيا وقال فى تردد موجها الخطاب إلى لونجين :
- ولو عرفت الحب لوجدتها الجرعة التي لا غني عنها
فأطرق لونجين واحمر وجهه ولم يجب ، ولكن زنوبيا نظرت إلى زوجها نظرة تم عن شيء من الدهشة . إنه بذكر الحب فى حضرالقوم كأنه يلهو بذكره
وجالت في نفسها خواطر مسرعة تمر مرور الريح الثائرة. فلعل الخمر قد فكت عقال لسانه فأنطقته بما كان يخفى في صدره أثراء بهاتر بذكر الحب ؟
ولم يفطن أذينة إلى ما بدا على وجه الملكة من الدهشة ، فما ملأ الساقى له الكأس حتى رفعها وشرب منها جرعة طويلة واتجه إلى (بولص) أسقف إنطاكية وقال في شيء من الخفة:
وما رأيك أنت أيها الأب المقدس . هل يحرمها عليك دينك كما تحرمها الفلسفة على لونجين ؟ وكان ( بولص ) يشارك فى الشراب مشاركة النادمة
في إناقة وتظرف جديرين بندماء المملوك. ولما سمع سؤال الأمير نظر إليه باسماً وقال :
- إن ديني لا يحرمها على ، وإن الاستئناس بمجلس مولای فوق ما يمكن أن تبعثه الكؤوس
فتحرك أذينة مرتاحاً وقال : - مرحى لك أيها الأب المقدس ! ثم رفع كأسه وأشار بها نحوه قائلا : - إذا فتشاركني فى جريمة على محبتك
وشرب ما بقي من كأسه ورفع الأب كأسه فشرب منها جرعة طويلة ، وكان في حركته وإيماءته ومظهره أنيقاً ظريفاً على كبر -
وجرى الحديث بعد ذلك في بهجة ومؤانسة لم يكن فيه غضبة ولا عتبة . على أن مجراء كان في أعمق المسائل وأجل الحوادث، فاتجه إلى مسيل من الفلسفة وخاض فيه المعلم لو تجين مع الزاهد والأسقف ، وجعل كل منهم يذكر مذهبه ويدل على صلاحه وسداد الرأى فيه، إلى أن اختلف الزاهد والأسقف على معنى الثالوث المقدس وبنوة المسيح الله ، فكان ( فليس) الزاهد إذا تكلم احمر وجهه الجعد بالحاسة ومازجه الغضب إذا وجد قوة الحجة في معارضه فقال له (بولص) الأسقف كأنه يشيره :
أترى أن يكون الخالق هو المخلوق ؟ فتغيرت ملامح الزاهد وهم بالوقوف تأثراً وأجاب في غضب ظاهر :
كأني بك أيها الأسقف تنكر ألوهية المسيح ؟ فخشع الأسقف وهو يجيب قائلا :
المسيح مخلوق من روح القدس. أليس الروح من الله؟ فهم الزاهد بأن برد وهو تأثر ، فتدخل لونجين في المناقشة وجمل يورد من مذاهب الفلاسفة ما يدل على أن المسيحية متصلة مذهب صديقه أفلوطين ومذهب معلمه القديم أفلاطون ، وقال في هدوء لم يخل من سخرية :
- إن الحقيقة واحدة قديمة : ولكنا نفهمها على
ما تهيئة لنا عقولنا
وتدخلت الملكة في الجدال دخولاً هينا لتهدئ من سورته ، وتوفقت بصوتها الرخيم عندما أحست أن غضبة الزاهد توشك أن تعكر صفاء الحديث، وتنفست عليها بفكاهتها حتى أذهبت حدتها وأبدلت مرارتها . ثم نظرت إلى الأمير فلحظات ما اعتراء من كثرة الشراب ، ووجدت أن السكر قد غليه ، فنظرت إلى معلمها كأنها تستعين بحسن رأيه على صرف المجتمعين خوف أن تبدر منه بادرة تؤخذ عليه أو أن يقضى بسر يخشى من ذيوعه ؛ ونظر إليها العلم عاطفاً مرتبكا وقد فهم من نظرتها ما أرادت ؛ وفيما هما كذلك سمعت جلبة تتعالى من فناء القصر ، فأرهف القوم جميعاً آذانهم نحوها إلا أذينة ، فقد مال نحو الكأس التي ملأها الوصيف يريد أن رفعها ، ثم أحس أن القوم قد أمسكوا من الحديث ، فنظر نحوهم متسائلا ، وعند ذلك بلغت مسمعه الجلبة ، فبدا عليه شيء من القلق وقال متجهاً إلى الملكة :
ما هذا الذي سمعت ؟ فقامت الملكة من مكانها ، ونهض الجميع لوقوفها إلا أذينة ، فقد بقي حيث كان ، يتحرك حركة بطيئة كأنه بهم بالقيام ولا يستطيع ، ودخل عند ذلك فارس وحيا ، ثم وقف معتدلاً وقال :
وصلت الساعة رسالة لمولاى . ثم انتظر أن يخلو بالأمير، فعرف الحاضرون أنه قد أنى يأمر خطير ، فاستأذنوا وأخذوا يخرجون بعد التحية حتى لم يبق إلا لونجين وقد استوقفته الملكة ليسمع ما أتى به الرسول
وألقى الفارس رسالته وهى تنبءي، من أجل حدث هز الشرق والغرب معا . قد أسر أمبراطور الروم ( قالريان ) وحمله الملك المنتصر (سابور) الفارسي ، وذهب به في الاغلال يعرضه على جنده حيث سار فى أفاق الأرض (يتبع)

