كانت تدمر (بادية الشام) مدينة عظيمة ، بها من الباقي الفضة والدنية المتقدمة ما يجعلها من أعظم مواسم العالم، وذلك بفضل تجارتها العظيمة ، إذ كانت أكبر مراكز القوافل التى تحمل المتاجر بين الشرق والغرب. وكان أميرها أذينة فارسا باسلا مغرما يصيد السباع من الوحش وأصيب مرة يجرح خطير فى نزال أسد قاتل ، ومرض من اثر ذلك ، وكانت زوجته الوفية زنوبيا سابقة بين الإمارة في تدمر وحفيدة كليوباتره ، فارتاعت لمرضة ولم تجد سلوى في اضطرابها إلا عند وصيفتها المسيحية لميس، التي جعلتها تتجه إلى الله في شدتها، وتفتح قلبها بعض التفتح للمسيحية وجعلت لميس تصلى وتدعو الله من أجل أذينة، فما زال المطر عنه زادت محبة زنوبيا لها . وكانت لميس تعرف شابا مسيحيا فارسا من جنود أذينة اسمه حسان، وكانت تبيه في حقيقة الأمر، ولكنها كانت تجهل تلك الحقيقة من نفسها.ولا شتى أذينة جلس مع أصحابه في مجلس سمر وشراب، وفي أثناء ذلك اتى حسان يحمل نبأ عظيما اهتز له العالم كله، وهو ان سابور ملك الفرس هزم فالريان امبراطور الروم وأخذه أسيراً ) .
أفضى الفارس بالنبأ الهائل، نبأ أسر أمبراطور الروم. فهم أذينة يريد القيام وهو يتعثر ويتمايل من أثر الخمر وأسرعت زنوبيا ولونجين إليه بسندانه . وأرادت الأميرة أن تقعده على أريكته ، ولكنه قاوم ودافع ، وجعل يصيح بلسانه المتلعثم المعوج:
جهزوا لى الظليم - جهزوا فرسي الأدهم . سأذهب إلى سابور فى فرساني لأحطمه ، هاتوا سيفى ودروعي .
ووقف الفارس بعد أن أدى الرسالة ينتظر ما يؤمر به ، فصاح به أذينة وهو يحاول التقدم نحوه قائلا في لسان متلعثم :
أيها الأصم ، ألم تسمع ما قلت ؟ اذهب لا أم لك . ثم اندفع نحوه ، ولكنه ما كاد يخطو خطوتين حتى تعثر وسقط على الأرض قبل أن تستطيع زنوبيا أن تدركه.
وأسرع الفارس ولونجين إليه ليساعداه على القيام . وما كاد يقف على رجليه مترنحاً حتى رفع يده ولطم الفارس على وجهه قائلا :
خذ جزاءك . أتعصينى أيها العبد ؟ أسرع إلى الظليم فجهزه لى .
فوقف الفارس متجهما كأنه تمثال لا يتحرك ، وأسرعت زنوبيا مرتاعة ، فأدركت زوجها وأعادته إلى مكانه ، وجعلت تهدئ من ثورته، ثم نظرت إلى الفارس وقالت :
هبها لي يا حسان وكانت رقة صوتها تنم عما في نفسها من الأسف والألم . فحيا الفارس وهو واجم . ثم خرج تاركا الأمير الثائر يهدد ويتوعد ويصخب .
ورأت (زنوبيا) أنه لا جدوى من مجادلة الأمير وهو فى مثل حالته ، فتركته ينفس عن ثورته، ولم تمنعه من معاودة الشراب ، فجعل يجرع الكأس بعد الكأس، وهو يردد صيحاته المضطربة ، حتى فتر وخمد ، ومال على أريكته لا يعى
فأمرت الأميرة بعض الأتباع أن يحملوه إلى مخدعه، ولما سوت عليه غطاءه واطمأنت إلى حراسته ، عادت إلى صديقها لونجين وقضيا سائر الليلة يتذاكران النبأ الجديدة وينظران فيما يجب عليهم تدبير الحيلة فيه
وصحا أذينة في اليوم التالي بعد أن بلغت الشمس
وسط السماء ، وكان متعباً موجع الأعضاء، وكانت زنوبيا أول من وقع عليه بصره ، فابتسم لها في فتور ، وقضى مدة خامد القوى ، ثم بدأ يذكر بعض ما كان منه ! فأخذت (زنوبيا) تقص عليه ما حمله حسان إليه من الأنباء التي أتى بها الرسل إلى تدمر : ثم أشارت إشارة سريعة إلى ما لقى ذلك الشاب على يديه من إهانة . ولم تطل في وصف ما كان منه فى سكره خوف أن تؤله ، فأسرعت عائدة بالحديث إلى النبأ العظيم وسألته قائلة :
هذا الأمر مما لا يقيني فيه الاسراع ، فرب عجلة أورثت ندماً .
فقام أذينة من سريره صامتاً ، وقد ظهر على وجهه التألم وذهب ليتهيأ للخروج. وساعدته زنوبيا على ملبسه وهى صامتة . ثم خرجا معاً إلى البهو ، وكان أذينة جامد الوجه مطرقاً ، ولكن عينيه كانتا تبرقان كأن الماء يترقرق فيهما ، وكان جبينه مقطبا وخطاه واسعة ثابتة ولما استقر في مجلسه كان أول من دعاه إليه حسان، ثم جلس صامتاً يعبث في لحيته السوداء القصيرة ، وبعد قليل جاء حسان يسير جاهما ثابتاً حتى اقترب منه فحياه ووقف أمامه جامداً . فنظر إليه أذينة لحظة ثم قال بصوت مخنوق فيه تهدج :
- اغفر لي زلة الأمس يا حسان أو اقتص منى
فتحرك وجه الشاب حركة سريعة وأقضى قليلاً ، ثم اقترب منه مسرعاً وأمسك بيده فقبلها قائلا : قد وهبتها أمس لمولاتى . أنا ابنك يا مولاي ولك حياتي .
ثم بعد عنه خارجاً وهو يخفى وجهه لكيلا يرى الدمعة التي فرت من عينيه
فنظر أذينة إلى (زنوبيا) نظرة أودعها كل حركة نفسه ، ثم غير الحديث فجأة فقال : والآن يا ابنة الأكرمين. لقد آتيت عندك
لا أشرب الخمر بعدها حتى أرى ما يكون بيني وبين ساع فجلست زنوبيا إلى جواره هادئة وقالت : - ذلك أحرى بك أيها الحبيب . وصمتت لحظة ثم قالت :
ولكن ما الذي بينك وبين سابور ؟ فالتفت أذينة نحوها في دهشة وقال مسرعاً : هو السيف. ليس بيني وبينه إلا حد السيف . أيكون لك رأي آخر ؟
فسكتت لحظة ثم قالت في صوت خافت : ليس بمثل هذه العجلة تقضى الأمور . إنك تهم بعداوة ملك قد صار له ملك الأرض من شرقها إلى غربها..
فقال أذينة مقاطعاً : وماذا تنتظر بعد أن أسر قالريان ؟ فقالت زنوبيا هادئة :
ليس (قالريان) بأب لك أو نسيب . بل إنه لم يكن لك بالصديق . لقد كنت تخشى الروم وتتوقع غزاتهم كلما طلعت عليك شمس نهار وكلما أقبل عليك ليل . وكنت في مودتك لهم تتلطف لتأمن اكلتهم.
فتحرك أذينة في ضجر وقال متحمساً : ولكنه إن بدأ بالروم كنا دونه بعدهم .. فأجابت زنوبيا ولا تزال هادئة :
فما إسراعك إذا إليه وهو في فورة نصره وطلعة إقباله ألا تدعه يقصد إليك وبينك وبينه هذه الصحارى ؟ لقد كانت الصحراء منذ القدم حصن آبائنا .
فصمت أذينة ، وبدا عليه القلق والتردد ، فاستأنفت زنوبيا قائلة :
- وإنك إن قصدت نحوه اليوم ذهبت إليه عجلا في قلة من رجال وعدة، على حين يكون هو في جنوده الذين زهاهم النصر .
فاتجه أذينة إليها متردداً وقال : وإذا فانك ترين أن نقعد حتى يأتوا إلينا ليغزونا في عقر دارنا! لا وحق الشمس وبعل والعزى : ما غزي قوم في ديارهم إلا ذلوا .
فقالت زنوبيا في ثبات : لا أقول نقعد حتى يأتوا إلينا ، بل تستعد لهم بالرجال، فنستفز القبائل التي معنا ، وتجمع السلاح ، ونعد الأزواد ، حتى إذا رأيناه قصد نا بادرنا إليه
وأحب ألا تنسى ذلك العدو الرابض عند الحيرة أنسيت أن امرأ القيس بن عمرو هناك في قومه من لحم ؟ هؤلاء الذين قتلوا جدى عمراً وجدتى الزياء.
وسكتت زنوبيا عند ذلك لحظه وأخذ صدرها يضطرب كأنه يضيق بأنفاسه . وبعد قليل استأنفت فقالت :
- إنه إذا رآك تسرع إلى سابور قبل أن تعد عدتك وتحكم أمر حاميتك قطع إلينا البرية وأتم لنا كيده ، فينال بذلك بدأ عند سابور .
فسكت أذينة طويلا، وكانت هذه الحجة آخر ما قضى تردده ، وبعد حين نظر إلى زنوبيا. وقال وهو ممتلئ من الغيظ :
- امرؤ القيس بن عمرو ! ثم لانت نظرته بعد أن استقرت على وجه الأميرة وقال في إكبار :
- لازلت أيتها الحبيبة ميمونة الرأى. إن الحق ما تقولين، ولن أبرح عاملا بمشورتك
فتبسمت زنوبيا لهذه التحية الصادقة وقالت : - لقد أطلت التفكير في هذا الأمر ليلة الأمس. إنه أولى بنا أن نظهر للناس الفرح بنصر سابور والحرص على مودته .
فنظر إليها أذينة مبهوتا فاستمرت تقول :
إننا إن تظاهرنا يجمع السلاح والمؤونة ، وأظهرنا أننا نستعد للقاء سابور كان ذلك داعياً إلى إسراعه نحونا .
فقهم أذينة ما رمت إليه وكأنه شيء جديد لم يخطر بياله ، ونظر إليها لا يغير جواباً ، فاستمرت تقول :
بلى إنى أرى أن نشرع منذ الساعة في تجهيز هدية مما يهدى إلى الملوك لنبعث بها إلى سابور ، حتى إذا بلغت أنباؤها إلى امرئ القيس بن عمر وسكن عنا وخشع .
فقام أذينة في حيرة ظاهرة وقامت زنوبيا نحوه ، فتقدم إليها وأخذ بيديها فقبلهما في شيء يشبه الحزن ، ثم ضمها إلى صدره ضمة حب قوى وهو يقول لها :
مليكني وظهر في هذه الساعة لو تجين عند الباب ، فلما رأى أذينة يضم زوجته إلى صدره هم بالرجوع ، فلمحه أذينة وناداه قائلا :
تقدم ولا تنكص أيها الحكيم المبجل . تقدم وقبل يد الاهتك ايزيس والاهتى العزى .
فنظرت زنوبيا إلى معلمها وهو يتقدم نحوها في ارتباك، وقد علت وجهه حمرة طفيفة حتى إذا ما اقترب منها أحنى رأسه بالتحية ، فمدت يدها إليه فقبلها في خشوع ، ومد أذينة يده إليه مصافحا وقال له :
إنك تعلم الأميرة الحكمة أيها السيد المبجل . فنظرت زنوبيا باسمة إلى زوجها وقالت : عفواً أيها الأمير. لقد ادعيت لنفسى ما ليس لي .
إن الرأى الذى أعجبك ما هو إلا رأى معلمى الحكيم. فالتفت إليه أذينة وقال جادا :
أنت قائد محنك أيها الحكيم . لقد عرفت معنى قولك لى بالأمس إنك لا تحب الشراب . فنكس لونجين رأسه وعلا وجهه الاحمرار، وتبسمت زنوبيا ضاحكة في خفة كأنها تداعب زوجها وقالت :
هلم أيها الحبيب لتعد هدية صديقنا العظيم. وأومأت إليه بالمسير فتبسم لها أذينة وهو يقول : - إنها طريق زلقة . ثم سار وراءها وقد وضع يده على كتف لونجين
مضى بعد ذلك أسبوع كامل ، والأمير في حركة دائمة ، والأميرة في شغل متصل ، والأعمال تتراكم في فناء القصر يأتي بها العبيد محملة على الابل والخير من أنحاء ندس الواسعة ؛ فما بقيت سلمة في الشرق ولا في مصر لم تكن فيا حمل إلى القصر. وكانت زنوبيا تشرف على اختيار الطرف والتحف من الأوانى البديعة والملابس الثمينة والحلى الأنيقة ، حتى إذا ما تحت الهدية ، واطمأنت إلى أن قافلة الهدية سوف تكون جديرة بالملوك ، تنفست وعاد إليها بشرها وأملها في المستقبل الباهر
وجلس الأمير وزوجته على مادتهما في بهو القصر يتحدثان بعد أن فرقا مما كانا فيه ، وكانت صورة الفارس حسان لا تزال تتمثل في ذهن زنوبيا بين حين وحين ، وتود لو أتيحت لها فرصة لاسترضائه واستمالته بعد ما أصابه من زوجها ؛ وكان حديثها مع ليس في خلواتهما قد أوقفها على أنه الفتى الذى قد ملأ قلب الوصيفة العزيزة ، حتى جمالها تأبى الزواج من خير فتيان العرب وابن أمير من أكبر أمرائهم من سادة سليح ، فأرادت في ذلك اليوم أن تستطلع رأى أذينة ، وأن تحاول أن تحمله على أن يرضى يتروج ليس للفارس الشجاع ، فالتفتت إلى صاحبها عندما أنت منه انشراحاً وإقبالا وقالت له في بساطة.
أما ترى أن تسترضى حساناً بيد يرضاها ؟ فاتجه إليها أذينة وقال بغير اكتراث : لقد استرضيته. إنه شاب باسل لا يعمل فى ضغنا. فقالت مسرعة : أعرف أنه كذلك ، ولكني كنت منذ حين
أحب أن أفاتحك في أمره بشيء يسره . فأجاب أذينة : هو مقضى إذا شئت. فقالت مترددة : لميس فنظر إليها في دهشة وقال : - وما يريد من لميس ؟ فقالت زنوبيا في مداعبة : وماذا يريد الرجل من المرأة يا أذينة ؟
ثم ضحكت كما يصدح الهزار إذا غنى، ووضعت يدها على كتف أذينة ومالك برأسها إلى صدره ، فضمها أذينة إليه بيديه القويتين وهي لابدة بين ذراعيه ثم حركت رأسها فنظرت إليه بعينيها الساحرتين باسمة وهمست تقول :
أنسيت يا أذينة أيام جئت إلى ؟ لقد كنت عند ذلك تعرف ما تسأل عنه اليوم ألا تعرف ماذا يريد من لميس ؟ فضمها ضمة أخرى حارة وقبلها قبلة تجيبها عما سألت عنه ، وجلسا بعد ذلك ساعة ذكرا فيها تلك الأيام وتلك الليالي الوديعة التي تمتما فيها يجيبهما الجديد، ذلك الحب الذى أعاد إلى قدم عظمتها بعد أن كادت تتحطم وتهوى . وقال لها أذينة :
إنى ما زلت أذكر ذلك اليوم أيتها الحبيبة كأن لم تمض عليه إلا ساعة يوم تقدمت إليك حذراً أتوقع أن يطردني أهلك أو يطعنني أحد هؤلاء الأمراء الذين كانوا يتطلعون إلى ملكك الذى ورثته عن جدتك.
ثم طوقها بيمناه وجذبها إليه ، فقالت زنوبيا في صوت يهتز من العاطفة :
بل إنى لأذكر ذلك اليوم لا تفارقي صورته فهو أبداً جديد عندى كنت وحيدة خائفة ضعيفة . وكان هؤلاء الأمراء من سليح ومن بني عمرو بن هدى
