الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 123الرجوع إلى "الثقافة"

قصة عربية :, زنوبيا

Share
[كان أذينة أمير تدمر عاصمة الصحراء ، ومركز تجارتها الغنية . وكان فتى من فتيان العرب البواسل ، يحب صيد السباع ويستصحب فى رحلاته زوجته الحبيبة زنوبيا سليلة البطالمة ملوك مصر . وكانت تشبه كليوبتره جدتها فى ثقافتها وذكائها وحسنها .

وحدث فى العالم عند ذلك حوادث جسام بين الروم والفرس ، أدت إلى هزيمة أمبراطور الروم فالربان ، وأخذه أسيرا عند ملك الفرس المنتصر سابور . وحاول أذينة أن يستميل سابور بهدية عظيمة ، ولكنه رماها فى الفرات ، وأهانه وسب العرب . فثارت ثائرته ، وسار إلى حربه بجيش كبير . وهزمه هزائم طاحنة . وكانت زنوبيا فى أثناء غيبة زوجها تقاسى مرارة الوحشة والخوف . وانتهز الأعداء تلك الفرصة فأغاروا على تدمر ، ولكن الأميرة قاومت ببسالة حتى عاد زوجها منتصرا .

ولكن أذينة تغير بعد عودته ، وأقبل على صبية فارسية جلبها معه ، وأعرض عن زوجته المحبوبة ، فأثر ذلك فى نفسها أثرا عظيما، حتى عالجت نفسها بترويضها على حكم العقل وأنكرت كل العواطف . وكانت تتعلم الفلسفة على معلم فيلسوف إسمه لونجين .

ودعت الحوادث أذينة إلى الخروج للحرب مرة أخرى ، فبقيت زنوبيا وحدها تظن أنها نسيت حب أذينة . إلا أن قلبها كان ينازعها إليه يرغمها . ولكنها انصرفت إلى خدمة تدمر ، وجعلت كل وقتها منصرفا إلى النظر فى مصالحها . ولكن حدث على حين غفله حادث تافه ، أدى إلى حركة فى المدينه قتل فيها قائد حاميتها المسيحى الباسل حسان ، زوج وصيفتها المسيحية لميس ، التى كانت تحبها كابنة لها . . .  . . .  . . .  . . .  . . .  . . . ]

استمعت زنوبيا إلى رسلها وهم يحدثونها حديث ما جرى فى تدمر فى المساء : ثورة مندلعة وفتنة جامحة ، تدمر وتفتك ، والضحيان الكاهن يقود الجموع ويهدم الكنائس ومعه جمع كثيف من جنود الحيرة يصول فى الطرق ، وقد اختلط به أعوان من أهل المدينة . والحامية لا تقدر على شئ من الدفاع .

وكانت وهى تسمع ذلك الحديث مأخوذة كأنها تشهد منظرا فى حلم أو تسمع قصة من خلق الخيال . أهكذا تتغير تدمر بين صباح ومساء ؟

أهؤلاء هم أهل تدمر الذين كانوا فى الأصيل يحبونها ويظهرون لها الولاء ؟ .

أيدعونها الملكة الصابئة وينادون لها بالويل والهلاك ؟ لقد كانت إذا تسير على الجمر ، وتطأ فوق شفير جرف لا قرار له . ثم حملت جثة حسان إلى البهو ، وأقبلت لميس باكية تئن مع أنفاسها فى صمت ويأس . وأ كبت على حبيبها القتيل تسوى عليه غطاءه فى رفق وحنان وهى تنشج فى البكاء ، فلم تملك الملكة عينيها ، وأرسلت دمعها مفحمة .

وكان لونجين واقفا فى ركن اليهود واضعا يده مقبوضة تحت لحيته ينظر إلى ما حوله من ظاهر ومن داخل ، وهو كئيب ، ورأى الملكة قد غرقت فى جزعها فلم تتحرك لتدبر الأمر الذى طلع عليها فجأة فأذهلها . فتقدم نحوها وناداها فى صوت حزين :

- مولاتى ! فنظرت إليه الملكة ثائرة حائرة ولم تجب . فقال لها : - ترفقى بنفسك فالأمر فى حاجة إلى تدبيرك . فقالت زنوبيا وهى تحرك رأسها فى بأس : - وماذا بقى للتدبير يا لونجين ؟ فقال لونجين فى هدوء :

- لقد وقفت يامولاتى من قبل فى مواقف أشد خطرا ثم انتصرت .

فقالت الملكة فى فتور :       - كان ذلك يالونجين ، ولم أجرب بعد الحياة . إن قلبى يالونجين ثقيل .

ثم سارت خارجة من البهو ، وقصدت نحو فناء

القصر ولونجين يسير فى أثرها خاشعا . ومشت حينا فى تؤدة فى منافذ الحديقة وقالت بعد صمت طويل وهى تملأ صدرها من الهواء :

- أحس الأرض ضيقة يا صديقى . وأشعر ببرد اليأس يدب إلى قلبى . وسمعت عند ذلك ضجة حملها الهواء من أطراف المدينة مع هباته ، وهى تقترب وتعلو وتزيد وضوحا . ورأت عند ذلك حركة فى حراس القصر ، وسمعت نداءهم إذ يتنادون ، فأسرعت ذاهبة نحو الباب الأعظم ، وما كادت تبلغه حتى رأت خيلا مسرعة تقبل نحوه ، وتدخل منه مندفعة ، ومن ورائها ضجة مفزعة من صليل السلاح ، ووقع حوافر الخيول . فانحازت إلى جانب خوف أن يحطمها التيار القوى المتزاحم عند الباب . ووقفت تنظر فى هلع إلى حامية المدينة ، وهي تتدفق إلى القصر محطمة تدخل فلولا فى جماعات متفرقة لم تخل إحداها من جريح ؛ أو صريع محمول . لقد مزقت تدمر مكيدة بارعة دكت أساسها فجأة بتدبير محكم جرى فى ستر الخفاء . وعرف سابور أخيرا كيف يهتدى إلى مقاتل عدوه الذى أذله . وترادفت الرسل على القصر تحمل إليه أن جنود ملك الحيرة نجوس خلال المدينة تقتفى أثر الحامية المهزومة ، وتفتك بالناس فى قسوة العدو المحنق الذى جاء للانتقام . فأقفلت أبواب القصر قبل أن تدخل إليه الفلول الأخيرة من الحامية المندحرة ، خوف أن يقتحمها العدو ويقضى على البقية التى بقيت فيه من كرامة تدمر .

لم تكن تدمر ثائرة ، ولكنها كانت تعانى مكيدة حرب طاحنة ، وكان الكاهن الضحيان فيها طليعة الخيانة يمهد لحيوش الأعداء ، وعادت زنوبيا فى يأس ذاهبة نحو القصر لا تدرى من هول المفاجأة فى أى وجه تسير .

ونظر لونجين إليها وهى مطرقة فى سيرها ، ورأى اليأس المرتسم على وجهها ، وأحس أول مرة أن ملكة تدمر قد أذهلها الذعر ، وملك عليها عقلها . وكأنه أراد أن يزيل ذلك اليأس عنها فقال لها فى هدوء :

- تشجعى يامليكة تدمر . تشجعى يا ابنة كليوباتره . لقد وقعت فى مواقف أشد من هذا خطرا وهولا .       فنظرت إليه وقد امتزج على وجهها الحنق واليأس وقالت :       - ابنة كليوبتره ! إنك تذكرنى بالخاتم الذى أعددته لمثل هذا اليوم .

ونظرت عند ذلك إلى خاتم ذهبى فى إصبعها ، ثم هزت رأسها فى جزع وقالت وهى تصعد درج القصر فاترة :      - ولكنى لا أقوى . أواه ! إننى لا أقوى . كانت كليوبتره إلهة يالونجين . أما أنافانى لا أقوى أن أصافح الموت وأستقبله باسمة .

ودخلت إلى البهو فارتمت على أريكة وهب خائرة ، وقالت تخاطب لونجين :       - لم يبق إلا أن نصبر على الدفاع يالونجين ، نصبر أياما أو أسابيع ، ثم نسلم أنفسنا لنكون عبيدا لعبد سابور ، أواه ، ليتنى أستطيع أن أصافح الموت يالونجين .      ونظرت عند ذلك إلى خاتمها فى فتور ، وهزت رأسها ، ثم وضعت رأسها بين كفيها .      فقال لونجين فى عطف حزين :

- سندافع حتى يعود الملك يا مولاتى . لن يبطئ أذينة عن تدمر متى بلغته الأنباء . فرفعت الملكة رأسها وقالت وهي تغص بريقها : - من مبلغ أذينة ما نحن فيه ؟ وهزت رأسها ثانية ، وعادت إلي إطرافها وهي تقول : - سوف تحمل إليه أخبارنا بعد أن يكون العدو قد مزقنا وحطمنا .

ثم رفعت رأسها فجأة وقالت تخاطب لوتجين فى لهفة :      - لونجين ! إننى لا أستطيع أن أبقى ههنا ساكنة ، ومدت يدها إليه كأنها تتوسل .     فاقترب لونجين منها وقال :     - وإلى أين يامولاتى ؟

فقالت وهى تهتز فى عنف:      - أذهب من هنا، أهيم على وجهى فى الصحراء، أقصد إليه حيث يكون، أذهب إلى أذينة لألتجىء إليه، فانني أشعر بالخوف يغمرنى . أشعر بالخوف يجتاحنى .      وقامت عند ذلك فى ذعر وهى تمد يدها نحو معلمها فى توسل .

فأسرع الفيلسوف فخطف يدها في لهفة وقبلها، ثم أرسلها ونظر إليها كأنه يستغفر من جرأته وقال:      - إن دمى فداءك يا مولاتى .      فقالت وهى تشير إلى ظهر القصر :      - من هنا نستطيع أن نخرج من المدينة . ولن يشعر أحد بغيابنا إذا خرجنا الساعة .      فنظر إليها الرجل مبهوتا وقال فى تردد :

- ولكن...     فقالت وكأنها لم تسمع مراجعته :     - تستطيع الهجائن أن تحملنا إلى حمص فى مساء الغد. إنها هجائن مختارة، تقيم هناك فى آخر السرب المنحوت فى الصخور، قد أعدت لمثل هذا اليوم يا لونجين . أتستطع الركوب؟      فقال لونجين فى حماسة :

- مرينى بما شئت يا مولاتى . سأجد معك القوة والقدرة . ولكن .

فأشارت إليه بالصمت، ثم أخذت بيده وخرجت من البهو مسرعة حتى بلغت ظهر القصر ، وعمدت إلى ركن مهجور هناك به كومة من الحجارة ، فأقبلت عليها وجعلت تزحزحها ؛ وأقبل معها لونجين يساعدها، حتى زالت وظهر وراءها باب من الحجر الثقيل فى جانب منه يد طويلة من الحديد ، فحركت زنوبيا اليد ، فدار الباب على نفسه وانفتح ، وبدا من ورائه مدخل سرب خفى ، فدخلت فيه الملكة وأخذت بيد معلمها تقوده ، وسارت

تتحسس الطريق حتى بلغت نهاية السرب، فلاح ضوء القمر الخافت .

وخرجا بعد قليل فإذا بهما على ربوة عالية والفضاء الفسيح يمتد تحتهما يخيم عليه السكون .

فسارت زنوبيا تهبط من الصخر فى حذر ، وتبعها الفيلسوف فى دهشة من أن تكون هذه الربوة الوعرة مدخلا إلى القصر المنيف . وبعد جهد جهيد نزلا إلى الوادى المجاور ، فسارت فيه الملكة حتى دخلت فى شعب ضيق منه ، وعرجت على بناء طلع عليهما كأنه من مساكن الجان فى عالم مجهول .

وكان لونجين غارقا فى عجبه يسائل نفسه أهو فى حلم أم أنه حقا يشارك الملكة فى سر غريب.      وطرقت زنوبيا باب البناء فأجاب بعد حين من داخله صوت. فنطقت بلفظين فانفتح الباب ووقف فيه شيخ بدوى فى سلاحه ، فحيته الملكة ساكنة وقالت له : - أعد يا سعدان ثلاث هجائن، وكن ثالثنا إلى سفر قريب

فحيا الشيخ فى خشوع، وذهب بغير أن ينطق كلمة . ودخلت الملكة مع لونجين إلى مجلس خشن ، فجلست صامتة حتى عاد الشيخ يقود هجائنه ، ثم سار الركب الضئيل .

وكانت الملكة صامتة وهواء الليل البليل يهب على جبينها فيخمد فيه الحر الذى ألهبة الجهد واضطراب الشجون . وانطلقت الهجان فوق القدافد كأنها تسبح فوق الهواء، وكان القمر قد غاب ولفت الليل ظلمة لا تتنفس فيها إلا أشعة النجوم الحالمة، وأقبلت الهواجس تزدحم على زنوبيا وتضطرب فى صدرها الكسيف ؛ فهؤلاء بنوها وبناتها قد غادرتهم فى القصر لا تدرى كيف يطلع عليهم الصباح . لقد أذهلها الفزع فانطلقت مع دفعته ولم تقف لتفكر فى شئ . أتكون قد زلت فى الاسراع وأهملت ما كان ينبغى لها أن تحرص عليه من البقاء إلى جانب الصبية تواسيهم إذا اشتد عليهم الكرب ، وتقاسمهم

القضاء إذا ما حم القضاء ؟ ولكن ذلك الملك الذى كان بين يديها وديعة ، أكان ينبغى لها أن تبقى فيه لتراه ينهار من تحت أقدامها ؟ لا بل لقد أحسنت، فلن يمضى إلا صباح ومساء حتى تقبل على زوجها وتقضى إليه بما كان ثم تعود معه منصورة لتنكل بهؤلاء الذين روعوها وكادوا لها فى غيبته . إنها بلاشك راجعة إلى القصر قبل أن يقدر هؤلاء الخونة على أن ينالوا شيئا من أبوابه وأبراجه .

وسيعود أذينة معها ولن يبقى فى تدمر خوف إذا عاد . نعم سيعود أذينة معها . فهو زوجها الذى لا يزال يملأ قلبها ، وإن خيل إليها أنها قد نسيته وطوت ذكرياته فى أعماق الأمس الغابر. هو أذينة صاحبها وبطلها الذى أحبته وعبدته كما يعبد الناس الإله. أف لهذه الغيرة التى تفسد قلب المرأة وتنسيها كل حبها وتزيغ حكمها ! أمن أجل هذه الأسيرة التى عاد بها أذينة من حرب فارس تثور وتمتلئ غيظا وحنقا ؟ أف لهذه الذكرى ؛ أتفقد أذينة من أجل شهناز ؟ ما أقبح ذلك الاسم ؛ وما كان أشأم طلعة هذه الجارية ! إنه أخرجها معه عندما خرج إلى حربه فى الشام لتخدمه وتؤنسه، وتركها هى فى تدمر لتكون ربة الملك وسيدة القصر. ما كان أشد ظلمه فى هذه القسمة إذ لم يترك لها إلا القصر والملك ! ولكنها ستعود إليه وتطلب عفوه وحمايته . وحسبها عقابا أنها تضرب فى كبد الصحراء فى الليل هاربة إليه بعد أن تركها فى تدمر عزيزة قوية . لقد عرفت أنها لا تقدر على شىء بغير أذينة، وأن يدها الضعيفة لم تقدر على أن تمسك ذلك الملك ، فانفرط من بين أصابعها الناعمة وتسرب كما تتسرب الرمال . بقيت زنوبيا فى هذه الهواجس الحانقة حتى طلع الصباح ، وعلت الشمس فى كبد السماء وأفاضت على الأرض حرورها .

فمالت بصاحبيها إلى ظل صخرة فى أحد الشعاب ، وقاسمتهما زادا حمله سعدان معه فى سفره معلقا على رحله .

ثم بللت شفتيها من ركوة ماء وناولت لونجين منها جرعة ، واستأنفت السير ، وعادت إلى نجوى هواجسها . ومضى النهار ومالت الشمس للغروب ، وبدت السحب على الأفق مزبرجة فى إطار زاهر اللون عبقرى ، ولاحت من دونها رؤوس أبنية شاهقة قد خلع الغروب عليها ظلالا ساحرة ، فأشارت زنوبيا إلى معلمها قائلة فى فتور :

- تأمل حمص أيها السيد الحكيم . هكذا تبدو الآمال الخالية من بعيد . لو أنصف الناس ما التمسوا الحقيقة ، ولقنعوا بالخيال الخادع .

فالتفت لونجين إلى المنظر الباهر الذى طلع أمام عينيه وتمتم قائلا : - عفوا يا مولاتى . ما غرر بهذا العالم سوى الخيال . لقد وجدت الحقيقة ودائما أبهى منه وأروع ! ثم نظر إلى وجه الملكة الشاحب ، وبقى صامتا يناجى صورتها التي ظلت ماثلة فى خياله فى أثناء ذلك السفر الطويل :

وأقبل الليل قبل أن يبلغ الركب أسوار حمص ؛ فكان لابد لهم أن يقضوا الليلة فى فضاء الصحراء . وأقبل سعدان ولونجين يقيمان للملكة خباة ؛ ثم سار الشيخ البدوى بالهجان حتى بعد، وأناخها عند سفح كثيب ، ورقد إلى جوارها ، وذهب فى سبات عميق .

وكانت زنوبيا متعبة من أثر السفر ، وما عانته فيه من جهد واضطراب ، ولكن الهموم لم تدع لها إقبالا على النوم ، ولا تفكيرا فى الطعام ؟ فجلست تحدث لونجين وتفضى إليه بهواجسها التى لم تجد فرصة فى أثناء السير للافضاء بها .

وحاول لونجين أن يسرى عنها ويبعث فيها الأمل من ترقب لقاء زوجها ، فقال باسما :

- ليس بينك وبين الملك إلا أن يطلع الصباح . سيقبل إليك إذا علم بمكانك كما يقبل النسر المتلهف إلى وكره فى رؤوس الصخور الوعرة .

فقالت زنوبيا فى زفرة حارة :    - أذينة ! أذينة ! حدث عن أذينة وإن كان فى حديثك ما يدمى قلبى الجاحد الثائر    وانتفض لونجين عند سماع قول الملكة، وعلا وجهه احمرار شديد وفتح عينيه ناظرا نظرة اعتذار وأسف

فتبسمت الملكة ابتسامة مرة وقالت ناظرة إليه عاطفة :     - لا بأس عليك فيما تقول يا لونجين ، حدثنى عن أذينة وإن تألمت من وقع حديثك ، فلست أجد فى ألمى إلا راحة وسلاما . حدثنى عن أذينة فقد ظلمته وأنكرته ، وأغلقت قلبى دونه فى غيبته ، وكنت فى كل ذلك جاحدة ظالمة . لم أفض إليك بشىء مما كان فى نفسى ، فقد كانت الثورة تهز قلبى فى أعمق أغواره ، وكانت كبريائى تقف دون الكشف عنها . لم أكشف عن ثورة ذلك القلب الظالم لأحد ، حتى إليك أنت أيها الصديق الكريم .     ثم أطرقت ووضعت يديها على عينيها ، وتركت دموعها تسيل .

فقال لونجين فى صوت خافت :    - مولاتى ! ترفقى بنفسك من هذا الوهم الكئيب.    فقالت زنوبيا وهى تجفف عينيها :    - بل هو الحق يطالعنى الساعة بعد أن غاب عنى دهرا.

- إنك لا تعلم يا لونجين بسر هذا القلب الثائر الذى لا يزال يشرد بى . أف من ذلك القلب ثم أف .    فقال لونجين عاطفا :       - إنك تحملين على نفسك يا مولاتى . فقالت زنوبيا مسرعة :

- ما كان أشد غرارتى يا لونجين . قد وهبنى أذينة كل ما يستطيع أن يهب الرجل إلى امرأة. أتذكر يا لونجين إذ قلت إن الرجل إذا أحب وهب لمن يحب قلبه وسخر له قسوته وبذل له فنه ؟ . قد وهبنى أذينة قلبه الباسل

وسيفه الباتر وكرمه الغمر، وسخر لى قسوته ودفعته وعنف سطوته . وهبنى كل ما يملك فى الحياة ومن الحياة ؛ ولكنى لم أفكر إلا فى نفسى ، وداخلتنى غيرة المرأة العمياء فى عبثة من عبثاته فنسيت كل إحسانه ، وكل حبه، وكل كرمه . نسيت حمايته وبسالته ووقاءه ، ولم أكن إلا امرأة كسائر هؤلاء النساء . لم تحدثنى هذه النفس الجاحدة بالعفو ، وذهبت مع الكبرياء حتى أنكرته ، ولم أدر أننى أفرط فى أغلى ما أملك فى الحياة . وعادت عند ذلك فوضعت رأسها على يديها واستخرطت فى البكاء . فقال لونجين وفى صوته رنة اللوم :

حسبك يا مولاتى ، وكفكفى هذه الدموع . سيطلع الصباح وستلقين زوجك الباسل ، وستعوين معه إلى تدمر منصورة . وتجدين كل من تحبين فى عافية . وكأن كلمات لونجين أدخلت بعض السلام إلى قلب الملكة المضطرب ، فتنفست وجففت عينيها وقامت خارجة من خبائها وقد وضعت عباءة فوق كتفيها وسارت فى الصحراء تملأ صدرها من هواء الليل ، وتتأمل النجوم اللامعة تتحدث حديث الأبد ، وسار لونجين إلى جانبها صامتا فالتفتت الملكة إليه وقالت : - إنك لا تعرف الوحشة يا صديقي الأجل . إنك تشبه الآلهة .

فابتسم لونجين وقال وهو يتنفس : - ليس بإله من له نفس يتردد . فقالت الملكة : - الآلهة وحدها لا تعرف هموم الإنسانية فقال لونجين فى حزن : - لا يحس رهبة الظلام من ولد أعمى . فالتفتت إليه الملكة منزعجة وقالت :

- كلمات حزينة يا صديقى .     وكان القمر قد أطل محمرا فوق الأفق الشرقى ، يملأ الجو بنور حزين ، فومضت لمعة على بعد فى ضوئه الفاتر ،

فوقفت فى مكانها تخترق الفضاء الأغبش بعينيها الصافيتين ، ثم قالت وهى تمسك بيد لونجين :      - أما ترى ؟      فقال لونجين مترددا :      - هى جماعة مقبلة من حمص . أترين أن نميل عن طريقهم ؟

فقالت الملكة:      - هذه حمص وما نحن إلا فى الطريق إلى تدمر . لن يكونوا إلا أصدقاء .      وسارت نحو الركب القادم مسرعة وهى تقول :      - وأى خوف نخشى بعد ما نحن فيه ؟

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية