الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 108الرجوع إلى "الثقافة"

قصة عربية :, زنوبيا

Share

فى تاريخ العرب حلقات ذهبية مجيدة ، تدل على ما كان لهم قبل الإسلام من حضارة واتصال بالعالم . ومن هذه الحلقات تاريخ مدينة تدمر الحق امتدت دولتها حتى صارت أعظم قوة فى الصرف ، فى وقت من الأوقات ، وذلك فى عصر الملكة (زنوبيا) . وقد ورد فى تاريخ أدب العرب ذكر قصة الزباء ، ولكنها لا تنم عما كان لتدمر من عظمة . وقد دلت أبحاث كاتب هذه القصة على أن الزباء كانت فى عصر سابق لعصر زنوبيا ، ولعلها كانت جدة لها .

كانت المدينة لا تزال هادئة ساكنة لا يسمع فيها إلا نفس النسيم الوديع إذ يهب بين ضعف النخيل الباسقة . وكانت النجوم ترنو إلى الطرق الخالية واتية كأنها تهوم للنوم بعد طول السهر ؛ وانبلج الفجر من الأفق الشرقى متباطئا كما تفتح فتاة منعمة عينيها فى استرخاء وفتور ، وهى مترددة فى التيقظ . إذ لا تجد حاجة لها تقلقها من فراشها الوثير . وكان القمر قد غاب فى الأفق الغربى منذ حين ، فسكتت الكلاب ، وأغمضت جفونها ، وقد اطمأنت إلى السكون العميق .

وكانت أسوار المدينة - أسوار تدمر - عالية منيعة وأبوابها العالية الضخمة تحرس الناس من عاديات الصحارى ، فلم يكن لها من حاجة إلى كثير من الجند للسهر على الدفاع عنها ؛ ولهذا لم يكن فوق الأسوار إلا أفراد من حملة المشاعل يدورون بين حين وحين فوقها ثم يعودون إلى أبراجهم آمنين . فلما بدأ خيط الفجر الأول اطفأوا النيران ومالوا على جنوبهم يخطفون سنة من النوم قبل أن تشرق الشمس ، إذ كان كل شئ فى تدمر ينم عن الدعة والاطمئنان والسلام .

ولكن ما كاد الحراس يستقرون فى مضاجعهم حتى سمعوا صحة أيقظتهم فزعين . فقاموا يتنادون فى ذعر واضطراب وأسرعوا إلى نوافد الأبراج ينظرون أنى جاءت

إليهم أصوات تلك الضجة ، وكان الفجر قد تكشف وبدا نوره الرفيق ينتشر ويتسع ، فرأى الحراس ركبا مقبلا يتقدمة فرسان يركضون وهم ينفخون فى الأبواق نفخا متداركا ، حتى إذا اقترب الركب من الأبواب سمعوا أصوات النداء ، فإذا هى أصوات أصحاب لهم خرجوا بالأمس إلى الصحراء فى صحبة الأمير العظيم أذينة صاحب تدمر وقائد جيوش الشرق وسيد الأرض من جانب الفرات إلى حدود مصر . وكان قد خرج بالأمس منذ الصباح على عزم أن يقضى فى الصيد أياما أو أسبوعا كعادته ، وخرجت معه امرأته سيدة تدمر وشريكته فى الأمر وصاحبته فى حله وترحاله ( زنوبيا ) .

ولم يكن عند الحراس علم أن سيدهم يعود فى ذلك الصباح ، فراعهم أنهم رأوا موكبه مقبلا ، وأسرعوا نحو الباب الأعظم لاستقباله وهم يتساءلون عما عاد به قبل أن يبلغ أربه من صيد السباع والضوارى ، كما اعتاد فى كل مرة يخرج فيها للنزهة مع صاحبته !

وفتح الباب الكبير بعد شئ من الكد ؛ فقد كان مصراعاه الحديديان ، وما وراءهما من دعامات ، وأقفال وقضبان تحتاج إلى كثير من السواعد القوية كيما تنزاح عن مواضعها ، فلم يقدر الحراس القلائل على فتحه إلا وقد صار الأمير وزوجته على المدخل ينتظران فى قلق .

وكان الأمير راكبا على فرس ، وإلى جانبيه فارسان يستدانه على درعين قد وضعنا خلفه ، ومال عليهما قليلا فى فتور ، وهو يكاد يكون مغمض العينين .

وسارت الأميرة خلفه ، وقد بدا على وجهها القلق والحزن ، وهى تنظر نحوه فى إشفاق تنطق به عيناها السوداوان . وانحنى الحراس للركب حتى دخل الأميران وسار وراءهما الاتباع . وأسرع الحراس يتبعون الركب ، وأخذوا يسألون إخوانهم عما أصاب سيدهم فعاد به إلى تدمر فى مثل تلك الحال . ثم أشرقت الشمس ، وصحا أصحاب القوافل الذين قضوا ليلتهم خارج الأسوار ، وكانت الأخبار قد تسربت إليهم أن أذبنة عاد من صيده قبل أن يصيب منه شيئا ، وأنه رجع ضعيفا بسنده أصحابه ، وأخذ كل منهم يشارك فى إيراد خبر أو إلتماس علة ، ولهذا كانت أسواق تدمر فى ذلك اليوم مضطربة يعلوها جو من الغموض والخشية والوجوم .

ولكن لم يطل أمد ذلك الاضطراب فى المدينة ، فما هو إلا ان انتصف النهار حتى سمعت الأبواق من ناحية قصر الأمير مؤذنة بخروجه ذاهبا إلى المعبد العظيم - معبد الشمس - فوقف الناس على جانبى الطريق الأعظم ليملأوا أعينهم منه ، وليطمئنوا على أنه لم يصبه أذى .

وكان الطريق الفسيح يمتد من الجنوب الشرقى إلى الشمال الغربى مسافة تقرب من ميل ، وحوله على الجانبين صفان من الأعمدة الوردية اللون على رأس كل منها تمثال أو رمز مصور أو لوح قد نقشت عليه شرائح المعاملات . واتصلت على حافتى الطريق وراء هذه الأعمدة متاجر السلع وقصور الآعيان ومنازل عمال الحكم .

وسار الموكب ، فانطلقت فى الطليعة كوكبة من فرسان عليهم المغافر الصفراء ، والدروع الحديدية السوداء ، وهم فى سلاح تام من سيوف ورماح وأقواس .

وكانت جيادهم العربية تسير بهم واثبة خفيفة مرحة كأنها ترقص بهم فى خيلاء . . . وأقبل الملك فى وسطهم على فرسه الأدهم الذى لم يكن فى بلاد العرب مثله فى سرعة جريه ولا فى جمال منظره . وكان يسير على عادته عالى الرأس أسمر اللون فى حمرة تشبه لون الخمر ، وكانت عيناه السوداوان تلمعان وهو يلتفت باسما بين حين وحين إلى الشعب المزدحم يهتز إذ يسمع هتافه ودعاءه وإعجابه ، وكان رأسه معصوبا بمنديل من الحرير الأحمر ويمناه مقبوضة إلى صدره بحمالة من الكتان الأبيض وقد أمسك بعنان فرسه بيسراه ، وقد بدت على معصمه الجواهر تتلألأ فى ضوء الشمس ، من سوار ذهبى عريض يبدو من كم ردائه الأرجوانى . وكان الناتج الذهبى فوق رأسه وعليه حلية بديعة من صنع مصر ، نقشت جوانبه بأشكال من زهر اليشنين ورأس النخيل . فكان مظهره ينم عن مكانه الجديد الذى حل فيه منذ سنين - أمير الشرق من جانب الفرات إلى حدود مصر .

وسارت زنوبيا إلى جانبه على فرس أبيض ، تلبس حلة من الحرير الأبيض ، وعلى رأسها تاج صغير من الذهب المحلى بالجوهر ، ويبدو فى مقدمته رأس الأفعى التى اعتاد ملوك مصر أن يجعلوها فى تيجانهم ؛ وكانت تفخر بأنها جمعت إلى دمها العربى وراثة مجد جدتها كليوبترا ملكة مصر ، وكان شعرها الأسود الفاحم يتدلى لامعا من تحت التاج . كانما هو حاشية من الحرير الدمشقى ، فكان الناظر إليها كأنه ينظر إل تمثال بديع الصنع للآلهة إيزيس فى معبد الشمس . وكان وجهها الدقيق الأسمر يطفح بشرا وزهوا ، لولا سحابة من القلق تمر به كلما نظرت إلى ناحية زوجها البطل ، ولكنها لا تلبث أن تزول تحت ابتسامة عذبة كلما سمعت هتاف الشعب المتزاحم على جانبى الطريق .

وسار الموكب متجها إلى المعبد حتى إذا بلغه نزل أذينة عن فرسه ومد يسراه إلى الملكة ليساعدها على النزول

وهو يبسم لها ، فردت له الابتسامة ثم وثبت إلى الأرض خفيفة ، وسارت إلى جانبه بين صفين من الحراس والفرسان ، وسار وراءهما الأتباع والأمراء حتى دخلوا المعبد لتأدية الصلاة لإله الشمس فى المعبد الكبير ، شكرا له على حمايته فى الليلة السابقة من الأسد القاتل الذى عدا عليه فى أثناء صيده وكاد يمزق أعضاءه .

لم يشأ أذينة أن يمر عليه ذلك اليوم وهو محتجب فى قصره ، فقد كان يعرف أن أهل تدمر قد سمعوا بعودته من الصيد تسنده جنوده ، وعرف أن قصته سوف تنتشر بينهم وتذهب فيها الظنون مذاهبها ، فأراد أن يظهر لهم ليعرفوا أنه لم يصبه أذى من ذلك الأسد الفاتك الذى كاد يذهب بحياته لولا شجاعته ولولا ذكاء امرأته زنوبيا ، وإخلاص أصحابه الذين كانوا معه فى الصيد . فإنه خرج بالأمس كعادته إلى الصيد وخرجت معه امرأته ، لأنها كانت تحب أن تصحبه فى تلك الرحلات الشاقة ، وكان يحلو له أن يتجه إلى آجام الأسود ومساكن السباع من الوحش لينازلها ، إذ كان يرى صيد الظباء والوغول وأمثالها من الأوابد دون ما ينبغى لمثله أن يتعرض له . وكانت الليلة مقمرة ، فرأى عند غروب الشمس آثار أسد ، فثارت رغبته فى اقتفائه على ضوء القمر ؛ ولم تشأ امرأته أن تقاوم رغبته ، لأنها كانت تعرف أنه إذا ثارت نفسه إلى شئ لم يستطع أحد أن يمنعه منه ؛ ولكنها كانت تحس قلقا شديدا من أن يتعرض زوجها لذلك الصيد الخطر فى ضوء القمر الخافت . وكانت وهى تسير قريبا منه يخيل إليها أن أشباحا من السباع تتراقص حولهما وتتواثب أمامهما ؛ ولذلك كانت تسير حذرة مترقبة ، وتحاول أن تكتم مخاوفها فى صدرها خوف أن ينقص شئ من قدرها فى قلب زوجها البطل الحبيب الذى لا يعرف الخوف ؛ وطال بهم السير فى أثر الأسد حتى أحسوا التعب يدب فى أجسامهم ، فأراد أذينة إشفاقا على زوجه أن يميل للراحة عند كتيب

من رمال ناعمة صفراء كالذهب . فسبق أصحابه قليلا لكى يختار مكانا للجلوس ، وكان فى ذيل الكثيب أجمة ملتفة الأغصان فلمحت زنوبيا بعينها المترقبة حركة خفيفة فى شجيرات على حافة الأجمة ، فانتقضت مذعورة وصاحت على الجند مشيرة إلى الأجمة ، وسمع أذينة صبحتها فالتفت نحوها فى فزع يحسب أن قد أصابها أذى . فوجدها تشير نحو الأجمة ، وهى تصرخ وقد وضعت يديها على خدها ووقفت مرناعة ذاهلة . فأسرع مشرفا رمحه واتجه نحو الأجمة ، فى حين أسرع الجنود وراءه وأشرعوا رماحهم ، وما كادوا يبلغون سيدهم حتى كان أسد عظيم قد خرج من بين الأشجار ووثب عليه ورماه على الأرض وقذف رمحه من يده . فجرى الجنود نحو الأسد يصرخون ، فلما رآهم يقبلون نحوه ترك الرجل الصريع بعد أن مزق جلد رأسه وحطم عظم يده اليمنى ، واتجه إليهم وهو يزمجر ويضرب الأرض بذيله غاضبا ، فتردد الجنود قليلا ثم هجموا عليه فوضعوا فيه رماحهم فترامى الأسد إلى الوراء من قوة الصدمات ، ولكنه هز نفسه ولا تزال أسنة الرماح فى صدره ووثب على أحدهم فجدله وأفرغ فيه غضبه فحطم رأسه ومزق أعضاءه ، ثم ارتمى إلى جانبه صريعا . تلفف عليه الجنود بأسيافهم ، وعادوا ينظرون ماذا أصاب صاحبهم فوجدوه قد مات ؛ فأسرعوا نحو أذينة فرأوا الأميرة عنده مكبة عليه تلمس أعضاءه ، وتنظر فى وجهه وهى تناديه بصوت خنقته العبرات ، فتحرك أذينة فى فتور ونظر إلى وجهها الذى قلبه الارتياع الشديد وتبسم لها ، وهم يريد القيام وهى تساعده . ولكنه صرخ من الألم الذى أحسه فى ذراعه اليمنى وعاد فرقد إلى جانب الكثيب ضائرا . فأخذت تمزق ما معها من المناديل والعصائب ، وعصبت رأسه وربطت ذراعه . وساعدها الجنود على ذلك ، ثم حملوا سيدهم بقلوب واجمة وركبوا عائدين إلى تدمر يسندونه على درعين كما وصفناه إذ يدخل من باب المدينة .

رنت جوانب معبد الشمس بأناشيد الكهنة عليهم المسوح السوداء ، وتقدم الأمير وزوجه نحو المذبح فقربا القرابين وركنا إلى جانبه يصليان لإله الشمس ولإله يمل على حمايتهما وبركتهما .

وانتهت الصلاة بعد حين وذهب الموكب خارجا ، فمال أذينة إلى مجامر البخور فألقى فيها حقنة من المر واللبان والأعواد العطرية ، ووقف قليلا يستروح رائحتها ، وكان إلى جانب زنوبيا معلمها الرومى (لونجين) فمالت إليه وهمست فى أذنه كلمة ، ثم نظرت إلى رجل حسن الهيئة فى لباس غريب . كان واقفا فى آخر الجمع .

فتبسم المعلم وقال لها :     - لو رآه أتباعه هنا لانفضوا من حوله . هذا المنافق !     فقالت له الأميرة هامسة :     - صه ! إنه يسمعك فى هذا السكون ، أما تعرف أنه صديق الأمير ؟ .        فقال (لونجين) ، وقد خفض صوته :       - هو يزعم لأصحابه أنه لا يعرف غير المسيح ،       فقالت زنوبيا فى لهجة اللوم :       - ألا تحب أن يشاركنا اليوم فى هذا الفرح أيها السيد الحكيم ؟ فهز الرجل رأسه وقال :          - إننى لا أكره أن يكون معنا حيث نكون ، ولكنى لا أستطيع أن أفهم كيف يذهب بعد ذلك إلى هؤلاء الأتباع الأغبياء ويصفنا عندهم بأننا أنجاس !      فنظرت زنوبيا إليه نظرة لوم ، ولكنها تبسمت وقات له :     - سنرى الليلة ماذا يكون من دفاعك أيها الصديق عندما تجلسان للمناظرة . قد كان الأمير يريد أن يسمع مناظرتكما بعد عودته فلتكن إذا الليلة . فإنها تذهب عنه الضجر وتروح عن نفسه وتنسيه آلامه .

وكان أذينة قد تحرك عند ذلك ، فذهبت زنوبيا إلى

جانبه ، واتجها نحو باب المعبد ، وسار الموكب فى آثارهما ، ولكن الشيخ الذى كانت الاميرة تحدث معلمها عنه تأخر وسار وحده . فنظر أذينة حوله ، فلما لم يجده قريبا التفت فى الجمع يبحث عنه حتى رآه فناداه :

- تقدم أيها السيد الكريم . تقدم أيها الأب (بولص) السمسطائى .

فنطرت العيون نحو الرجل وهو يتقدم نحو الأمير الواقف فى انتظاره ، فجعله أذينة عن يساره واستأنف السير إلى الباب وهو يحدثه ؛ ومضى (لونجين) الرومى سائرا وراء الأميرة يختلس النظرات إلى الأسقف المسيحى فى كراهة ظاهرة . وكان وجهه يزداد ظلمة كلما رأى الأميرة تشترك مع زوجها ومعه فى الحديث .

اشترك في نشرتنا البريدية