رفع القائد عينيه المنطفئتين وجال بهما في الغرفة الساكنة كأنه يحاول أن يتشبث بالحياة ، ولكنه في الحقيقة لم يكن يشعر بالأشياء التي حوله ، فقد كان يستعرض ماضيه في تلك اللحظة الدقيقة الحاسمة . ما أقسى عبر الحياة لقد قذفت به أمواجها المتلاطمة إلى هذه القرية البعيدة من مقاطعة اللورين ، بعيدا عن مبادئ المجد والسؤدد ، ليموت هناك منعزلا وحيدا كما لو كان لم يحدث شيء من ذلك التاريخ الحافل الطويل
وتذكر كيف ظل يطرق أبواب المجد منذ صباه دون جدوى ، ثم كيف انتقل إلي أدغال الشرق الأقصى ، ثم إلى جريرة مدغشقر إلى أن رسا به المطاف على حدود الجزائر الغربية ؛ وهناك طرق أبواب المجد مرة أخرى فإذا بها تفتح على مصراعيها . مراكش ! في هذه البلاد تمكن من أن يشد يديه على مقاليد الدهر وأزمة التاريخ ؛ لقد كان هذا الاسم بمثابة العصا السحرية ، ما كادت تلمس حياته حتى انقلبت إلي لمعان وبريق . وتذكر كيف أحب هذه البلاد من أعماق نفسه لأنه وجد فيها ما لم تجده في أي مكان آخر عاش فيه من قبل .
وما زال القائد الشيخ يتنقل من حادث إلى حادث منذ بدأ الرحف إلى أن اصطدم بمعركة بنى سناش ، تلك المعركة التي كانت تقض مضجعه كلما تذكرها إنه يعرف
أنه ارتكب أخطاء كثيرة وكبيرة في حياته ، أما حادث معركة بنى سناش فإنه يفوق ذلك كله
ولم يكن الحضور يعرفون ما يدور بخلد القائد المحتضر ، ولكنهم شاهدوا وجهه يربد ورأسه يتحرك كمن ضاقت به الأنفاس ، ورأوه يجول بعينين ضارعتين متوسلتين في أنحاء الغرفة كأنه يحاول أن يتخلص من عذاب أليم يمزق جسمه الواهي الضعيف ، فأسرع إليه أحدهم بالدواء المسكن ولكن ذلك لم يجد فتيلا ، وبدأت أنات خافية تصدر عن ذلك الهيكل المتهدم الملقى على فراش الموت .
ولم يكن أحد يعرف أن روح القائد هي التي كانت تئن ؛ فقد تذكر الحادث الذي وقع بعد تلك الحركة ، الحادث الذي مازال شبحه يقتفي أثره منذ ذلك الحين ، وها هو ذا الشبح ، شبح الحادث الفظيع يلوح امام عينيه بذلك الوجه الكالح الحقود .
ذلك الوجه الكالح الحقود الذي برز له منذ زالت عنه السلطة ورجع إلى عزلته بمقاطعة اللورين ، ولقد ظل الشبح يعيش معه في منفاه ليضاعف ألم المأساة الى انتهت إليها حياته بعد المجد والسلطة والبريق .
حدث ذلك بعد المعركة التي دارت بينه وبين قبيلة بني سناش في الشرق ، تلك المعركة التي عصفت فيها المدافع بسيوف هذه القبيلة الباسلة ، وجلس بعدها القائد الظافر في خباء القيادة ، فخورا بالنصر مزهوا بالمجد الذي بدأ يبسم له ، يستشف مستقبله المجيد البراق حلف دخان المدافع وعجاج المعارك .
إنه يذكر كيف دخل عليه في تلك اللحظة أحد رجاله لينبئه بوصول رسالة من والدة الضابط جاك روز الذي لقي حتفه في المعركة . فأطرق القائد ساهما وقد تأثر لمصرع ذلك الضابط الباسل الذي كان مزهوا بفرنسيته ، متشبعا بروح المغامرة والاعتداد بالنفس ، لقد كان جاك
خير مثال لما يجب أن يتصف به الضباط في جيش فرنسا الإفريقي
ثم رفع رأسه إلي الرجل وسأله : وماذا تريد الأم المسكينة ؟
إنها تريد سيف ابنها - أين الرسالة ؟ إنه يذكر جيدا من تلك الرسالة هذه العبارات : كان لي في ابني أيها القائد العظيم أمل كبير . عاش مصمما على أن يقدم لفرنسا عملا جليلا ، ولكنه مات دون ذلك ، - سقى بدمه أرض الإمبراطورية لتحفل بالثمار ، وإنني لفخورة بذلك وراضية ، ولكن لي رجاء هو أن ترسل إلى بسيفه لتجد فيه أمه الثكلى عزاء وسلوة ، وما أحسبك إلا فاعلا .
ووجد نفسه يقول للرجل : ابحثوا عن السيف وأتوني به .
طال البحث والتنقيب ولكنهم لم يعثروا من سيف الضابط إلا على المقبض وجزء من النصل صغير . وكان القائد عنيدا ولا بد من تنفيذ أوامره بالحرف ، لقد طلب السيف ، وهذا يعني السيف كله ، وهو لا يستطيع أن يظهر أمام الأم بمظهر العاجز عن الاستجابة لرجائها ، ولذلك أصر على أن يؤتى ببقيته . ومرت الأيام دون أن يعثر على النصل فأمر القائد بالبحث عنه في قبيلة بني سناش حيث لقي الضابط حتفه ، بيد أن بقية السيف لم توجد أيضا عندئذ استشاط غضبا ، وأمر بإحضار رجال القبيلة الذين حضروا الوقعة التي قتل فيها الضابط روز ، فأحضروا .
إنه يري نفسه يستعرض رجال القبيلة وهو يصيح فيهم متوعدا . قال لهم : تعرفون الضابط جاك روز الذي سفكتم دمه ، إنني أريد بقية سيفه فأين هو ؟
ولم يجبه أحد ، فصاح وقد شعر بأن هذا يجرح كبرياءه أجيبوا لابد من الحصول علي بقية السيف ولو أدى ذلك إلي أن أحصدكم حصدا
ولم يرد عليه أحد فاستأنف : طالما قلت فيكم إن أوامري يجب أن تطاع ، إنني أعرفكم وأعرف أنكم تخفون عني ما أريد إلى ببقية السيف
وكان من بين القوم رجل ضعيف هو الذي كان يعرف مكان بقية النصل ، لم يستطع أن يتحمل كل هذا الوعيد وخاف أن تتكرر مأساة المدافع ، وحسب أن القوم لا يعرفون ، وأنه إذا دل القائد على مكان النصل أنقذ ذويه من هذا الجبروت وظل سدى ينتظر أن يتكلم غيره ، ولذلك استجمع قواه وقال : " أنا أعرف أين توجد بقية السيف " ؛ فالتفت إليه الناس مذهولين
وتقدم إليه القائد أثناء الصمت الذي أعقب ذلك وفي عينيه بريق الانتصار ليقول :
- وأين هو ؟ . فى صدر أحد رجالنا . - احذر أن تكون عابثا ، أين النصل ؟ . - أغمد الضابط روز سيفه في صدر أحد رجالنا أثناء المعركة وقد قتله فانكسر السيف في صدره ودفناه.
وأراد أن يتأكد فسأله : وكيف كان ذلك قال الرجل : داهمتنا فصيلة من رجالكم ولم يكن هناك مجال لاستعمال البنادق فاشتبكنا في المركب بسيوفنا ، وبينما كان أحد رجالنا يعدو عثر في صخرة وأصيب في رأسه بعد أن تدحرج ثم فقد الوعي وظل ملقى على الأرض ، فأبصر به جاك.
قل الضابط جاك - فأبصر به الضابط جاك فاستل سيفه ثم أغمده صدره ، وما زال يعالج تحطيم النصل في الصدر إلي أن سكن من ذلك .
- ولماذا فعل هذا ؟ . ليثبت شجاعته
- إخرس أيها المفترى والآن أين السيف ؟ إنني أريد بقية هذا السيف .
بقيته في صدر القتيل . - أريد بقية هذا السيف - والقتيل مدفون . - أريد بقية هذا السيف . - لا أستطيع - أريد بقية هذا السيف ، والأمر موجه إليكم جميعا ، لا بد أن تأتوني بها ، وسوف أمهلهكم إلى الغد في مثل هذا الوقت .
كانت مسحة التحدى واضحة في لهجة القائد ، وكان القوم حديثى عهد بالحديد والنار ، ولذلك لم يكن لهم يد من أن يذعنوا ، وكان على الرجل الذي تكلم أن يتحمل مسؤولية هذا العمل الشنيع ، حفر القبر واستلال بقية الفصل ثم حمله إلي القائد . هكذا اتفق القوم بعد أن خلوا إلى نفوسهم
وجلس القائد في الوقت المحدد إلى المنضدة الصغيرة ينتظر قدوم الرجل بالنصل ، ولم يخب ظنه فقد أدخل إليه بعد برهة ، ولكنه كان يرتعش وفي عينيه رعب صارخ . دخل الخباء ، وكأنه لا يعقل شيئا ، ثم تقدم إلى المنضدة ووضع عليها بقية النصل وهو يقول مرعوبا كأنه يخاطب نفسه : " سمعت أنينا منبعثا من القبر أول ما بدأت أحفر ، وكان يزداد ويزداد إلي أن وصلت إلي الجثة ، وكان أول بادرني منها الوجه ، وكانت عيناه جاحظتين ، واسنانه بارزة وعضلات وجهه متقلصة ، يا لها من نظرات صاعقة كانت عيناه تحدقان في مثبتتين لا تطرفان ، وكانت نظر مهما الميتة تطفح بازدراء مخيف . مددت يدي إلى النصل وبينها انا أجذبه زوى ما بين حاجبيه متألما آه يارب لقد أتيت عملا شنيعا قال ذلك ثم انسحب ليهيم على وجهه في الخلاء
وهنا انطلقت من الجسم الواهى الهرم ، جسم الجندي القديم ، أنة مؤلمة ؟ فتحدث الناس عن إحضار الطبيب عله يخفف آلامه ، ولكن الشيخ لم يكن يسمع من كلامهم شيئا ، بل كان يقضى اللحظات الأخيرة من حياته مع أشباح وخيالات تبعث الرعب في النفوس .
ورأي فجأة نصلا رهيبا بنبعث في فضاء الغرفة ، وأبصره بقترب من صدره ويقترب ، فأرعبه ذلك ، ولكنا لم يكن يملك بقية من قوة تساعده على الصراخ . كان النصل معلقا في الهواء ، كأن شخصا خفيا يحمله ، وكان يقترب ويقترب في بطء يخطف اللب ، وقد قيدت أيدي الموت الفاسية جسم القائد الصريع ، فانطلقت منه أنات موجعة ، ولكن النصل ظل يقترب ويقترب إلي أن استقر علي الصدر ، وهنا فتح الشيخ عينية ليرى وجها مفزعا يشرف عليه من عل كانت عيناه جاحظتين ، وأسنانه بارزة وعضلات وجهة متقلصة ، يا لها من نظرات صاعقة كانت عيناه تحدقان فى مثبتتين لا تطرفان ونظرتهما تطفح بإزدراء مخيف إنه الوجه الذي حدثه عنه رجل بنى سناش وفي اللحظة عينها أحس بالنصل يخترق صدره ، فإذا يرتعش ويحاول أن يصرخ دون جدوى ، وبدأ يقول بصوت متقطع خافت : " آه ابعدوا عني هذا الوجه ، لقد انبعث من القبر . إنه ينتقم منى. إن سيفه . . فى صدرى ، هذا . . هذا فظيع . . آه " ثم استمرت شفتاه الذابلتان تتحركان دون أن يسمع له صوت من شدة الضعف والوهن
كان يسمع صوت النصل وهو يدخل ويخرج في صدره إذ كان احتكاكه بالعظام يحدث صوتا مقيتا يبعث على التقزز والاشمئزاز وكانت العينان البشعتان تزدادان اتساعا وعضلات الوجه تزداد حدة ، وأدركته رائحة الموت الكريهة والوجه بقترب منه ، وكاد لبه يطير عندما أبصره ينحنى عليه وبعض شفتيه الزرقاوين على أذنه ليهمس همسا شنيعا :
كنت يا رجل الحرب القديم تفتك بالضعاف وترتكب ما تشاء في سبيل إرضاء كبريائك ، فقد أرسلتني السماء لآخذك إلي مصيرك بعد الحياة ، إن ابشع جرائم الإنسان هي التي تحضر لتأخذ صاحبها إلي عالم الجزاء عندما يشرف على الهلاك ، ألم تمثل بغيري وجثتي لكي تسلى بذلك أما قتلنى ابنها غدرا . . تعال معى إلى عالم لا يوجد فيه سيد ولا مسود ألست تسمع . . إصغ . . هذه أفاعى الحقد والكراهية تستقبلك بموسيقى من الفحيح الرهيب .
وهمس الشيخ وهو يتضور : الرحمة ! آه الرحمة فابتسم ذلك الوجه البشع ابتسامة كريهة وهو يقول : هذا ما كان يطلبه منك الملايين فلم تجب لهم صوتا ، أليس العطش إلي الرحمة أليما ؟ . تعال قم معى . . وهنا امتدت يد معروفة ، باردة ، طويلة الأصابع إلى تلابيب رجل الحرب القديم . .
رأى الحضور القائد يلفظ انفاسه ، وكانوا متأثر لما لاقاه من عذاب وهو يعالج سكرات الموت ، فأحنوا رءوسهم إجلالا لوفاة الرجل العظيم الذي طبقت شهرته الآفاق وسارت بذكر عظمته الركبان .

