الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة مراكشية :، عائشة

Share

تطاير الخبر الرهيب فى كل الأرجاء ، ولم تعد هناك قرية بعيدة إلا وقد وصلها أن الجيوش الغازية قد اكتسحت مدن مراكش كلها ، وأن القتال قد حمى وطيسه فى شوارعها بين شعب أعزل برىء وجيش مسلح غاشم ؛ فدبت الحمية بين رجال البوادى الذين لم يعرفوا غير الحرية منذ فجر التاريخ وتنافروا للقتال ، وأجمعوا أمرهم على أن يدافعوا عن بلادهم إلى النفس الأخير ؛ فسالت بهم أودية جبال الأطلس ، وسلاحهم من الإيمان أضعاف سلاحهم من الحديد .

كانت القرية التى حدثت فيها قصتنا تقع فى واد مطمئن آمن ، عاشت فى رغد العيش منذ مئات السنين ، وكان الأمر شورى بين رجالها ، لا ينفذ حاكم السلطان إلا ما يبرمون ، وكانت أراضيها خصبة ذات ظلال ومراع وحقول . وكان كل شىء فى هذا الوادى يعبر عن البشر والرضى والاطمئنان ، فلم يكن أحد يلتفت إلى هذا الحصن القديم القائم خلفها فوق إحدى الروابى ، لأن القرية لم تهاجم منذ عشرات السنين ، وكان الجنود الشبان الذين يقومون بالحراسة فى هذا الحصن يعتبرون انفسهم قائمين بوظيفة شرفية أكثر منها عسكرية .

أما شيخ القبيلة أو حاكمها فرجل قد شارف الخمسين ، تكمن وراء أسارير وجهه البشوش روح العدالة والغضب للحق ، وقد كرس حياته كلها فى سبيل مصالح قريته ، فآتت جهوده ثمارا دانية القطوف . كان الشيخ يعيش وحده ، إذ لم يتزوج بعد وفاة قرينته الأولى . وكانت ابنته أقرب الناس إليه فى القرية ، وهي فتاة فى السابعة عشرة من عمرها اسمها عائشة ، فى عينيها بريق ، وفى لفتاتها دلال ، وفى محياها سحر يخلب الأبصار . ولما تمت الخطبة بين

عائشة وأحد شبان القرية المغاوير لم يعد هناك شىء يشغل الحاكم عن رعيته حتى فى أوقات الفراغ .

وفجأة سقط الخير المرعب على القرية كما يسقط الحجر الثقيل على صفحة الماء الصافى فإذا هو متطاير مضطرب . وجاست عائشة فى المنزل مساء تنتظر عودة أبيها من مجلس القرية الذى طال اجتماعة ، وهى تفكر : وأخيرا الحرب ! لابد أن يدفعونا إلى الحرب فتحل بنا الكارثة ، وتسقى أراضينابالدماء ، فيقتل رجالنا ، ونؤسر نحن النساء ونساق راسفات فى قيود المهانة والذل إلى معسكرات العدو ؛ وبدأت ترى أحلامها المتفتحة البراقة تضمحل واحدة تلو الأخرى ، كأنها الفقاقيع . ولما تقدم الليل قليلا أقبل أبوها وخطيبها وعلى وجهيهما مسحة من الصرامة والجد .

ماذا ؟ لقد تلقى النجلس الأمر بالدفاع إلى النهاية ، ووافق على ذلك ، فعلى النساء أن يعتصمن بالحصن ، وعلى الرجال أن يمنعوا العدو من الوصول إلى القرية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . وان يمر يوم أو يومان حتى يصل العدو إلى القرية .

لم يكن الوقت وقت تحسر أو مناقشة أو استفهام ، وإنما كان وقت تنفيذ ، وقد قضت القرية ليلة مضطربة كلها استعداد . فلما انبثق الصباح اعتصم النساء بالحصن ، وانطلق الرجال ليستقبلوا الغزاة .

ساد القرية صمت عميق فى أول النهار ، ثم بعد ذلك بدأ النساء يتحدثن فى شىء من الاضطراب . وأصواتهن تعبر عن مزيج من الغضب والتحسر ، ثم ساد بينهن الصمت . ماذا ؟ طلقة نارية ثقيلة ، كأنها الرعد البعيد . واستمر الصمت . ثم طلقة أخرى . ثم طلقات البنادق . لقد بدأ القتال ولكن أليس صوت هذه الحرب غريبا ؟ طلقة واحدة مدوية تغرق فى لججها جلجلة البنادق الضعيفة !

ثم لم يزل الرعد يشتد ويقترب حتى بدأ النساء يبصرن الرجال بنسحبون إلى القرية من جديد ، وبدأ اللهيب والرعد يأخذان القرية من كل مكان

رجع من بقى من الرجال ؛ وعلي رأسهم الشيخ إلى القرية ، ولكنهم أبوا أن يعتصموا بالحصن لئلا يصاب النساء ، واشتد الصراع بين الفريقين ، وبدأ قتال البنادق ، وسادت الفوضى بين النساء ، فشرعن ينزلن من الحصن ليلحقن بوالد صريع أو زوج يتخبط فى دمائه . وظل القتال سجالا عند مدخل القرية بقية النهار ، فلما أسدل الليل ستارة لجأ الفريقان إلى الاستراحة ودفن القتلى والاستعداد للغد . .

ولم تكد شمس الغد تبزغ حتى اشتد القتال من جديد . وكان قاسيا من مريرا ، وظل طول النهار قاسيا مريرا ، فلم يستطع أحد الفريقين زحزحة الفريق الثانى عن مكانه . ولكن مع ذلك كان القتلى يكثرون ، وكان كل قتيل من العدو يحل فى مكانه خلف له . أما قتيل القرية فيبقى مكانه شاغرا ، وهكذا بدأ رجالها يقلون ، ثم يزدادون قلة ، إلى أن بدأت القرية الأبية تحتحضر ، وتراكمت جثث النساء على جثث الرجال ، وأخيرا خمدت أنفاسها ، فاستأنف الجيش الغازى زحفه ، تاركا ثلة صغيرة لاحتلال القرية الهامدة ، قوامها خمسة وعشرون من الجنود .

اصطف هؤلاء الجنود فى صباح اليوم التالى وسار قائدهم فى مقدمتهم ... وقد رفع العلم الفرنسى ليدخل القرية المنتهية دخول الظافرين ... وبدأت الموسيقى تعزف ... وبدأ الفتح ... وساروا سيرة عسكرية حماسية وهم ينشدون أغنية الظفر إلى أن وصلوا مدخل القرية . . . وبدأوا يدخلون . . .

ولكن كان لا يزال هناك فى القرية شخص حى بين هذه الأنقاض البشرية ! وهو يشرف على هذا المنظر من

الحصن . وما كاد القائد الحامل للعلم يقترب من المدخل ، حتى لاحت فوهة بندقية من إحدى الكوات مصوبة إليه . وفجأة قطعت النشيد الحماسى طلقة حادة ، أصابت قلب حامل العلم أعقبتها ثلاث طلقات ، لكل طلقةفريسة . وكانت هذه الطلقات الأربع حادة ، وصارمة وقاتلة ، كما لوكان قد صوبها إليهم قدر محتوم .

إن عائشة فى الحصن ! ولقد رأت بعينيها المرعوبتين أباها يمزقه الرصاص ، وحبيبها يعصف به الموت ، وأقرباءها ذوى القرية يتساقطون رجالا ونساء دون الحرية والاستقلال ، فمزق الألم أحشاءها حتى قتل فيها الخوف والعطف والتردد ، وتنبهت فيها غرائز الفتك والانتقام والافتراس ، تنبهت فيها وهي تعوى كأنها الذئاب الجائعة .

ورد الجنود على هذه الطلقات بوابل من الرصاص ، بعد أن ظنوا انهم قد وقعوا فى فخ من مكائد الحرب ؛ ولكنهم كانوا قد أمروا باحتلال القرية الخاوية فلا محيد لهم عن احتلالها . وبدأوا يزحفون من جديد ، ولكن دون علم ولا نشيد . بدأوا يزحفون فى حذر وبطء كما لو كانوا يطأون أراضى ملغومة .

كانت نظرات عائشة متركزة من الكوة فى مدخل القرية ، حتى إن أهدابها الطويلة لم تكن تطرف ، وخصلات شعرها الوكف المتموج فوق خدها الأيمن لم يكن يتحرك ، ولم تسكن هى نفسها تشعر مطلقا بما يحيط بها من دماء وأشلاء وأطلال ، وإنما كان كل وجودها متركزا ومنحصرا فى مدخل القرية .

ولاح الجنود من جديد ، وكادت تطلق النار عليهم ولكنها تريثت إلى أن توسطوا الساحة ولم يعد فى استطاعتهم أن يهربوا أو أن يحتموا بشىء ، وكادوا يؤمنون بأن احتلال القرية أصبح مسألة خطوات ، وإذا بالفوهة تصوب إليهم من جديد ، وإذا هم يتساقطون تحت الرصاص كأنهم ذباب ، فقتلت منهم حينما أقبلوا ، وحينما ذعروا ، وحينما فروا ،

وفي جوفها قلب يتجرع النقمة ويلتذ بمرارتها .

ثم بعد ساعة أبصرت اثنين منهم يدلفان نحو الحصى عن شمالها ، ثم التفتت فإذا بها ترى اثنين آخرين يدلفان عن يمينها ، ففهمت أن أحد الجانبين كان يريد أن يشغلها عن الآخر ، ليتمكن أحدهما فى النهاية من اقتحام الحصن عليها . ولكنها فى لمحة البصر أردت الأربعة مرة واحدة . ولم تكن لتخطىء من تطلق عليه الرصاص منهم ، لا لأنها كانت تحكم إطلاق النار ، ولكن لأن نفسها كانت متركزة فى عينها وعينيها متركزتان فى قلوبهم . . وهكذا لم يبق منهم فى النهاية إلا واحد .

وقد قضيا بقية اليوم ، وطول اليوم التالى ، يتبادلان الرصاص دون أن ينال أحدهما من الاخر ، إلى أن نفد صبر الجندى وخارت قواه ، فقرر الانسحاب لكى يدبر مكيدة مروعة لمن فى الحصن . وافتقدته عائشة ، وخيل إليها أنها رأته ينسحب ، فصعدت إلى سطح الحصن ، وأبصرته فعلا يكاد يختفى عن نظرها وهو يتحامل على نفسه من شدة التعب . فلم تتردد لحظة ، وإنما أسرعت نازلة إلى ساحة القرية متأبطة بندقيتها ومشت بين جثث القتلى وهى لا تستطيع أن تخفض بصرها من شدة الانفعال ، ووجدت خارج القرية جوادا من مخلفات العدو فقفزت على ظهره وانطلقت فى إثر الجندى المنسحب من المعركة بأقوى ما تستطيع ، صائحة مدوية كأنها ناصفة من عواصف الحرية .

لم تعد عائشة إلى القرية أبدا ، وإنما انطلقت فى الحبال والغابات . واختفت عن الأنظار ، فلم يرها بعد ذلك احد ، ولكن الناس كانوا يعرفون أنها ما تزال حية لأنهم كانوا يسمعون من آن لآخر طلقات بندقيتها ، وبعثرون على صرعاها ، من ذوي القبعات ، فى منعطفات الطرق ومكامن الغابات .

واستفاض الحديث عنها فى كل مكان إلى أن استحالت إلى فكرة فى ضمير الشعب . وكان الرعاة والمسافرون بزعمون أنهم يبصرونها تمرق بين أشجار الغابة فوق ظهر جوادها ، حتى إنه لما وصل الناس خبر مقتلها لم يصدق ذلك منهم أحد ، وما يزال رواد غابات مراكش يزعمون أنهم يبصرونها ممتطية صهوة الجواد ، كما كانت يوم فارقت قريتها المغربية وبدأ ينتشر عنها خبر غريب ، إذ بدا الناس يفهمون أنها أخذت بثأر أبيها وخطيبها وقريتها ، ولكن عائشة لن تموت إلى أن تأخذ ثأر حريتها ، وللحرية راية ضخمة سوف ترفعها عائشة فوق قمة كل جبل من جبال الأطلس الخالدة .

لقد ألقت اليوم عائشة بندقيتها جانبا ، ولم تعد تسكن الغابة كما كانت من قبل ، وإنما أصبحت تسكن الضمائر . وعندما يهدأ الليل وتلمع النجوم ويسبح العالم فى صمت حالم ، يسمع همساتها ملايين من المرا كشيين ، وهي تنشد نشيد الحرية فى ضمائرهم .

اشترك في نشرتنا البريدية