عاشت الفتاة كاوديت في جو مرا كشي عشر سنوات ، وإنها لتحتفظ باطيب الذكريات لذلك الشخص الذي التحقت بخدمته في باريس وهي في السادسة عشرة من عمرها ؛ وكانت فتاة مهيضة الجناح ، فرق ليتمها وعاملها معاملة ابنته : وهو الشخص الذي حرمته الحياة نعمة الأبوة وساق القدر إلي بابه هذه الفتاة .
ولما انتهت مهمته التجارية في تلك المدينة العتيدة وأصبح على أهبة العودة إلي بلاده تغلبت عليه عاطفته فعرض عليها ان تصحبه لتعيش معه ومع زوجته في منزلهما الجميل ، فاستعظمت هي أن تفارق بلادها لتعيش بين قوم لا تعرف عنهم شيئا ، ثم لاحت لها قساوة الحياة وما هي مهددة به من الشقاء إذا رفضت ، وقضت ليلتها تفكر وتتخيل دون ان تنام ، وفي الصباح قدمت إليه لتقول له وفي صوتها نبرة البكاء ؛ إنها لا تستطيع ؛ وودعت الرجل وزوجته في منظر مؤثر ، ولكنهما لم يكادا يغيبان عن الإنظار حتى احست بالوحدة تطبق عليها من جديد ،
ولاح لها شبح الندم يهددها بإفتقاد اثرها في الحياة ، وبدت لها الفرصة الذهبية تصبح بها وتستعجلها ، فلم تعرف كيف قادتها رجلاها إلي محطة القطار حيث وجدت الرجل وزوجته وكأنهما كانا ينتظرانها ، فاغرورقت عيناها بدموع الفرح وعانقتهما . لقد عزمت ، وهي لا تعرف ماذا ستكون نتيجة عزمها ولكنها تشعر من اعماق نفسها بأنها لم تخطئ الصواب .
وبرهنت لها الأيام بعد ذلك على انها لم تخطئ الصواب ، فقد لقيت بعض الصعوبة في الانتقال من حياة إلى حياة ،
وقلقت لذلك بعض القلق ، ولكنها بدأت تعتاد عالمها الجديد رويدا رويدا إلي أن ألفته ثم أعجبت به . وأخيرا فهمت ان الإنسان إنسان في كل مكان ، وان هذه الفروق المزيفة التي تفصل بين الأمم والشعوب إن هي إلا خزعبلات يهذي بها المورخون والرحالون ، بل إن حياة المرا كشيين خالية من الرياء والتصنع بشكل لم نتخيله من قبل . إنها لتشرف علي الحديقة للغناء من نافذة غرقتها ، ثم ترجع ببصرها إلى الوراء وتتصور طريق الوحل والظلام الذي اوشكت الأيام أن تنحدر بها فيه ، فتشعر بموجة من الحمد تغمر نفسها ، ويزداد حبها لذلك الرجل الذي انقذ حياتها ،
دون أن يكون له دافع إلى ذلك سوى العاطفة الرقيقة والشعور النبيل . لم تعد الحياة قاسية كالحة الوجه كما كانت ، اليست رحيمة وهي التي قادت إليها هذا الرجل من وراء البحار لينقذ حياتها
ولكنها بالرغم من ذلك لم تسكن بعيدة كل البعد عن الجو الذي كانت تعيش فيه ، فقد وجدت جوانب من الحياة الأوربية في بعض الأحياء ، فرادت المسارح واختلفت إلي دور الصور المتحركة ، واستطاعت ان تظل على اتصال بما يشبه الجو الذي كانت تعيش فيه .
أحاطها الرجل بكل ما تتمني فتاة في سنها أن تحاط به ، وعاملها معاملة ابنته فعرفت الحرير والدعة والنعمة ، وسرت دعاء الشباب في جسمها تتدفق وهي في سن العشرين : شعرها التموج الفاحم ، أهدابها الوطفاء ذات الظلال ، قدها المشوق الرخص ، مشيتها المتكسرة الراقصة ، وجهها المشرق الضاحك ، صدرها الناضح المتمر . . لم يعد هناك ما يدل على أنها عرفت الشقاء في حياتها .
وتفتحت اكمام الخير في نفسها عن ورودة فاتحة ، فكانت فتاة مستقيمة بريئة ، ولم تعد تتخيل تلك الصور البشعة الشوهاء ، التي كانت تقض مضجعها ؛ وقد كانت
فتنة للشبان الفرنسيين الذين عرفوها أو تقابلوا بها ، ولكنها لم تسمح لنفسها بمجرد التفكير في هواجس الشباب ، وانقادت مع الحياة في سهولة ويسر كما ينقاد الشراع الجميل لتيار هادئ وديع
بيد أن الحب ليس غريبا عن النفوس الخيرة ، فقد تبينت كارديت ان الفتي هنري يحبها ، ولم تستسلم له أبدا ، بل حاولت ان تقاومه ، ولكن اوتار الحب في نفسها بدأت تحدث الحانا جميلة خلابة ، فتبادلات معه الحديث مرة واعجبت بأدبه ورقته ، ثم تقابلا مصادفة مرة اخري ، ثم لم يكن يد من ميعاد .
كان هنري يحبها ويقدرها ، وكانت كلوديت تبادله هذا التقدر والحب ؛ وقد كشفت له عن حياتها وكشف لها عن حياته ، وما هي إلا اسابيع حتى انقلب ذلك الحب إلي نوع من الوله ، واقتنع الاثنان بأن كل واحد منهما قد خلق للآخر
سعدا مدة من الزمان ، وبلغ خبرهما الرجل المرا كشي الذي تبنى كلوديت ، فلما علم أن هنري يخطبها وافق على ذلك ، فإن كلوديت كانت قد بلغت سن الزواج ، وعند ما تمت الخطبة ازدادت الحياة نضارة وجمالا امامها ؛ كانا سعيدين بالحب وبالتوفيق الذي أصاباه ، وكانا يشعران بأن الحياة تفتح لهما ذراعيها كما تفتح الأم الرؤوم ذراعيها لاستقبال طفلها المحبوب .
اصبحت حياتهما احلاما وخيالات ، وكانت نفساهما تزدادان رقة وصفاء ، وبانت للورود والازهار والطيور والأعشاب والأشجار وكل ما في الحياة ، معان جديدة استيقظا على الحب فإذا بروح جديدة تتغلغل في كل الأرجاء وتوحي بالابتهاج والانشراح
وأمهلتهما الحياة سنة من الزمان ، وكانت الخطبة
على وشك ان تنقلب إلي زواج ، فإذا بوحوش الحرب تنطلق من عقالها لتحطم الامال والاحلام ونسوق الشباب المتفتح اليافع إلي ميادين القتال ومن بينها احلام كلودبت وهنري .
بكت الفتاة وهي تودع خطيبها الذاهب وشيعته بدموعها وهو يغيب عن نظرانها الشاردة في الأبعاد ، لترجع إلي الحياة وحيدة تجر ذيول الخيبة والحسرة والتوجس ، فماذا تضمر لها اليام في المستقبل ؟ اتنهار تلك الاحلام وتعصف بها اعاصير الحرب وزوابعها ، أم يرجع إليها هنري مرة اخري ؟ .
لقد انقلبت أحاديثهما الطويلة إلي رسائل تدبج علي الورق ويسعى بها البريد بينهما ، واخيرا رجع إليها هنري بعد مدة طويلة ليقضي معها شهرا من الزمان ثم يعود إلى ميدان القتال ؛ ولكن العاصفة اطبقت على فرنسا فجأة ، فترنحت ثم تداعت ثم هوت إلي الأرض صريعة تتخبط في الدماء وإذا فلن يعود هيري إلي الميدان ، بل سوف يظل جندبا في مراكش ، إلي أن تنتهي الأقدار من كتابة هذا الفصل المهول من تاريخ البشرية .
كان يلقاها من ان لاخر حينما يقبل إلي المدينة ، خفف عنها ذلك الالم المرير الذي خلفه في نفسها سقوط بلادها فرنسا ، ثم كتب لذلك الالم ان يتلاشي حينما بدأت كفة الحرب ترجح مرة اخري ، وبدأت الجيوش الفرنسية ترجع قليلا قليلا إلى صفوف القتال .
عادت الحياة تبتسم مرة اخرى لكلوديت ، فلم تعد تخشى على حبيبها ما دامت قضية فرنسا في الميزان . . وأبلي الجندي هنري بلاء حسنا في ميدان تونس ، فرقي إلي رتبة ضابط ، وقد ازداد جمالا في عينى كلوديت وهو يرتدي تلك البدلة الأنيقة
هل تريد الحياة أن تبتسم لها مرة أخري كلا ، فقد
استيقظت ذات صباح على صيحات مدوية في الشارع ، فلما تساءلت عن الخبر ، قيل لها إن الشعب يتظاهر لاجل الحصول على حقوقه ، إنه يريد الحرية والأستقلال ، واستمر الأمر على ذلك أياما متوالية والمدينة مضطرية هائجة . ولكن فجأة امر الفرنسيون باحتلالها والقضاء على الحركة بحد السلاح
ترددت كلوديت في الحكم على الحركة ، ثم بدأت تتبين الحقيقة شيئا فشيئا ؛ ثم ذعرت وهي مارة في الشارع إذ ابصرت هنري في لباس الميدان وهو مدجج بالسلاح يلقي الاوامر هنا وهناك نعم ، هنري يأمر بإطلاق الرصاص على الأبرياء العزل ، وهبهم على خطأ ، هب أن حب الحرية إثم من الأثام ، فهل يقابل بالقتل والتشريد والقسوة ؟ .
وسعت إليه : " هنري ! ماذا تفعل ؟ " فابتسم لها ورجاعا أن تعود لئلا تصاب بأذي ، وهو يعدها بأن يقابلها في أول فرصة سامحة ، فرجعت وهي ترتجف ، لقد خيل إليها أن تلك المعاني السامية التي كانت تقرأها في وجهه قد غارت جميعا وحلت محلها سحنة كالحة تتوثب لسفك الدماء ، وتضطرم حقدا وضغينة
وسألته أول ما جاء : " هنري ! كيف تأمر بإطلاق النار على الأهالي ؟ " فابتسم وهو يقول : " لأنهم يعملون ضد فرنسا " .
- ولكنهم يطلبون الحرية التي تطلبها فرنسا . - من الذي علمك هذه اللغة الجديدة ؟ لا تنسى ان فرنسا فوق الجميع يا كلوديت
- هنري . كيف تسمح لنفسك أن تتكلم هكذا ؟ كنت أعرفك إنسانا رحيما .
فاحمر وجهه بدافع مزيج من الغضب والكبرياء وهو يقول : نحن حماتهم ويجب علينا ان نربيهم حتى لا يلفظوا الحرية مرة أخري .
- هنري ، هذا مروع ! اننى لا أصدق ما أسمع ، ألا تؤمن بأن هؤلاء أناس مثلنا يجب أن يتمتعوا بما نتمتع به ؟.
فتضاحك : تسمين هؤلاء ، هكذا ؟ هذه الحيوانات ! - أرجو يا هنري ألا نقول هذا ، إنني أحبك لأنك إنسان ، فارحمني ولا تتكلم هكذا
- إن مستقبلي يتوقف على هذا ، لقد أصبحت لي أطماع في الجيش ، أريد أن أترقي .
- هل تريد ان تترقي بواسطة قتل هؤلاء الأرباء ؟ - ليسوا أبرباء ، إنهم يتصفون برذيلة العمل ضد فرنسا
- لا تقل ضد فرنسا ، ولكن قل إنهم يحبون الحرية .
حيوانات تريد الحرية !
رابها تماديه واستخفافه ، فصاحت به : إنني لا اسمح لك بأن تسميهم حيوانات . فأنا اعيش معهم وأحبهم وهم يبادلونني هذا الحب ، فحكمك عليهم حكم علي أنا .
- إن المسألة بسيطة ياكلوديت ، لا تستدعي كل هذه المناقشة
- لا تقل بسيطة ، فلست استطيع ان اتصورك تحمل عاطفة ضد أناس أحبهم
فقال لها وقد بدا يتضجر : يظهر ان إقامتك بينهم قد أنستك فرنسا
فلذعتها كلماته وصاحت في غضب : (( أنا لم أنس فرنسا يا هنري ))
إذا فلماذا تحبينهم ؟ . - واعجبا ! هل في حبهم نسيان لفرنسا ؟ . - أنا أعتقد ذلك . - هنري يا حبيبى أرجوك ، قل إنك هازل ، إن
عالما من العاني السامية ينهار أمامي الآن ، متى كان أبناء فرنسا جزارين ؟ .
- لا تقول جزارين ، نحن حماة فرنسا ؟ وتشعب الحديث ، فتوسلت إليه ، وبكت ، وحاولت أن تصرفه ، ولكنه ازداد تشبثا بكلماته ، وأخيرا بدأت تفهم ان هنري الوديع الرحيم قد تغير لطول إقامته في معسكرات مراكش الفرنسية
كانت تمر بنفس المكان كل يوم وتقف بعيدا لترى هنري الضابط يوقف ويعتقل ويأمر بإطلاق النار ، وكانت تبكي وتنتحب لأن حبيبها قد انقلب إلي وحش ضار سفاك ، واضطربت أعصابها ، ورابها أن يكون أبناء جنسها سببا في تشريد شعب أحسن إليها أحد أبنائه
وألحت عليه ، وطاردته في كل مكان يدعوها وتوسلاتها ، وبدات تشعر بانه يتضايق بها ، وان عواطفه نحوها قد بدات تتغير ، إنه يبتعد شيئا فشيئا عن كل ما يتصل بالآدمية وذات يوم وثبت إليه أول ما قابلته وشدته من سترته ترجوه وتستعطفه ، فصاح بها في حدة : كفي يا كلودبت كفي قال لها ذلك وهو يدفعها .
فردت عليه بين اسنانها وهي تبتعد عنه شيئا فشيئا كما لو كانت تبتلعها سحابة : إذا فالوداع يا هنرى الوداع ساختفي عنك إلي الآبد لأنك لم تعد تنتسب إلي عالمي . لقد أصبحت شخصا اخر ؛ لو ابصرتك أمك لأنكرتك يا هنرى الوداع الوداع ، اذهب انت إلي صفوف الطغاة . أما انا فذاهبة إلى صفوف الأبرياء ، أجل سوف اسير معهم هاتفة في الشوارع ، وسوف أموت معهم ، وأحاول أن امسح عن فرنسا ما الحقتم بها من عار . وإذا واجهتني في الصفوف فاستمر في الأمر بإطلاق النار وامزج دمي بدمائهم . الوداع يا هنري الوداع .
واختفت عن نظره وهو يرنو في الفراغ كالمشدوه
اشترك صحفيان سويديان في قافلة بحرية كانت مكلفة يرفع سفينة كانت قد اغرقت عند تربينداد منذ عامين حاملة قدرا عظيما من الذهب ، ولم يكن غرضهما الاشتراك في عمليات رفع السفينة وإنما تصويرها تحت الماء ، فنزل احدهما بآلته السيماتوغرافية الصورة ، وفي الثاني على سطح الماء ممسكا بحبل متصل بزميله ليتلق إشاراته ، وما هي إلى دقائق حتى جذب الحبل دليلا على استغاثه المصور تحت الماء ،
فسارع العمال واخذوا يجذبون الصحفى المستغيث ، ولم تمض ثوان حتي أحسوا أن شيئا ثقيلا قد انفصل عن الحبل ، وأعقب ذلك طفو جهاز التنفس الخاص بالصحفى المصور ، فسارع زميله بالغوص لإنقاذه ولكنه لم يوفق . وذهبت كل الجهود التي بدأت عبثا فلم يعثر عليه ، وإنما عثر على آلة تصويره فاستخرجت . وعند ما فتحت و حمض الفيلم الذي كان فيها تبين للناس أن آلة التصوير الآوتوماتيكية قد صورت صراع الصحفي مع حوت ضخم من نوع الشارك .
هاجمه أثناء عمله ، فاتجه الصحفى عندما هوجم نحوه وآلة التصوير مثبتة في صدره فسجلت عليها ادوار الصراع بين الإنسان والوحش تصويرا رهيبا ، ومن الغريب ان الحوت حينما تمكن من الرجل سقطت الآلة المصورة إلي قاع الماء وأخذت عدستها تسجل آخر لحظات صاحبها والحوت يلتهمه رويدا رويدا
