الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 215الرجوع إلى "الثقافة"

قصة مرعبة

Share

حدثني صديق مهنته الصعود في المناطيد  لقاء ما يجمعه من النظارة من أجر . قال :

- إن أعجب ما حدث لي هو أنني اتفقت ذات يوم مع رجل اسمه " مافور " ليصعد معي في المنطاد من حديقة " فركسهول " لقاء أجر معلوم ، فلما حان الموعد أقعد الخوف الرجل حتى أيقنت أنه لن يحضر ، وتململ المتفرجون ونفد صبرهم ، فعزمت على أن أرتقي المنطاد وحدي . وفيما أنا أهم بقطع آخر حبل يصلني بالأرض ، إذ دافع رجل من النظارة من حوله من الناس ويمم صوبي ، ثم عرض أن يصعد معي ليساعدني بدل " مافور " ، وأصر الرجل على

قوله وألح ، فلم أر بداً من أخذه معي بعد أن أخذت عليه عهداً بأن يمتثل لأمري في كل ما أطلبه منه . فقبل وقفز بنشاط وسرعة إلي السلة معي .

ارتقي المنطاد وعلا قمم الشجر ، ونظرت إلي رفيقي فإذا به هادئ ساكن متمالك النفس ، على غير ما كنت أرتقب من إنسان يصعد في الهواء لأول مرة . والحقيقة أني كنت أوقن أن صعود المنطاد الفجائي ، وصياح المتفرجين وتصفيقهم وتهليلهم ، ثم مخاطر الرحلة الحقيقي منها والوهمي  ,كنت أوقن أن كل هذا يؤثر بعض الأثر في أعصاب رجل حديث الخبرة بالهواء . ولكن الرجل جلس رابع الجأش ، كما لو كان في مقعد في إحدي غرف منزله . فسألته مراراً إن كانت قد سبقت له خيرة بالطيران ، فأنكر وأقسم إن هذه كانت أول مرة طار فيها .

ومن غريب أمره أنني كنت كلما رميت بأثقال المنطاد لنعلو به في السماء زاد هرجه وابتهاجه ، بل إنه كان

يشجعني أحيانا على التخلص من الأثقال قبل أن يحين الوقت لرميها .

وحملتنا الريح شمالا بشرق ، وكان اليوم مشرقا صافيا , فنظرنا إلي الأرض نمتع أنظارنا بجمالها من الهواء ، وأخذت أبين لرفيقي ما علا المنطاد فوقه من أحياء العاصمة وضواحيها .

واستمع رفيقي لحديثي بلذة وهدوء ، فشرحت له مجرى سير المنطاد وكيف أن الريح تدفعنا في اتجاه " هو كستون " فما إن ذكرت اسم ذلك الحي ، حتى بدت على وجهه علامات القلق والأنرعاج ، فسكت شارد الفكر برهة ثم سألني في لهفة قائلا :

- أمن المتيسر أن يرانا الناس من الأرض ونحن على هذا الارتفاع ؟

وأكدت له استحالة ذلك ، ولكنه تمادي في قلقه وانزعاجه ، وردد السؤال لنفسه ، وأجاب علية بصوت خافت !

- أجل ، إنهم لا يروننا ! أرجو كل الرجاء أن أحداً لايراني ؟

ثم أخذ يرجوني بين كل جملة وجملة أن ألقي بما تبقى في المنطاد من أثقال .

وبدا لي عندئذ أن رغبته في اصطحابي كانت نزوة عارضة ندم عليها ، وأنه كان يخاف أن أحداً من أفراد أسرته قد يعلم برحلته ؟ واستنتجت أن أهله لابد مقيمون في هوكستون . فسألته عن ذلك وأقرني علي سؤالي ، ثم توسل إلي توسلا بلغ حدة العنف ، ملحاً أن ألقي بما تبقى في المنطاد من أكياس الرمل .

وأبنت له تعذر إجابة مطلبه ، وأبديت أننا بلغنا علواً لا نؤمن بعده مغبة الارتفاع ؛ ثم ذكرت أن الريح تيمم بنا إلي البحر . ولكن رفيقي أصم أذنه ، وتجاهل

حديثي وتفسيري ، بل وأصر على أن نعلو بالمنطاد فوق ما علونا . فلما أبيت أن ألقي بالأثقال الباقية وقف الرجل وسط السلة وخلع سترته وقميصه ، وحل عقدة رباط رقبته وألقي بذلك كله في الهواء مهللا :

- هورا ... هورا ، لقد خف بنا الثقل ، إنها تعلو فلا بد من المزيد !

ثم إنه ألقي بقبعته بعد ذلك ، وجلس يفك رباط حذائه .

وصرخت به مؤنبا :

- إنك تهذي أيها الأحمق ، فإن إنساناً على الأرض لا يمكن أن يرانا حتى ولا خلال مجهر .

وأجاب هو :

- إنك تخدع نفسك بهذه الترهات ، إن لمراقبي مايلز حدة عيون البواشق .

قلت في ذهول :

- مراقبي   ماذا ؟ .

قال :

- مراقبي مستشفى المجاذيب في مايلز ، ألا تعرفها ؟ ووضح اللغز المرعب في ذهبني ، وأدركت أنني معلق في سلة تبعد عن الأرض فوق الميل مع رجل مجنون !! واستولي الرعب علي حواسي زمناً سلبني فيه كل فكر وإرادة ، وزادت من هول الموقف صور مخيفة مرت بعد ذلك بمخيلتي ، فتصورت ما يمكن أن يحدث كنتيجة لنزوات رجل فاقد الرشد ، وتصورت عراكا داميا بيننا يهوي بنا من السلة إلي موت محقق . وبين هذه الصور المرعبة كنت استمع لرفيقي المجنون وهو يصيح :-

- إلي أعلي - إلي أعلي ! لابد من المزيد -

وكنت أراه وهو يخلع ملابسه ويلقي بها في الهواء

حتى لم يبق عليه منها شئ

وألهمني الله الصمت فجلست مرتعد الفرائص خشية ان تبدو مني كلمة أو إشارة لاتحمد عقباها ، فسمعته في صمتي يقول :

- ما زال أمامنا عشرة آلاف ميل نقطعها .

رأيت جسده العاري ووجهه المربد يتجه نحوي وهو يتمتم لنفسه :

- إنها لا تعلو فلابد من المزيد ! لابد أن يلقي أحدنا بالآخر إلي الأرض .

والحق أنه لو أنني كنت وقعت بين قوم من الهمج ، أو بين وحوش في غابة منعزلة عن بني آدم ، لما كنت أشعر بما شعرت به عندئذ من رعب ؛ فقد رأيت المعتوه يهرول في السلة ملقيا إلي الأرض بأكياس الرمل ، وبكل ما له ثقل ذات اليمين وذات الشمال . وارتفع بنا المنطاد إلي علو مخيف شاهق ما كنت أتصوره ، دع عنك تحققه .

وضؤلت الأرض تحتي ، واخترق بنا المنطاد السحب فعلوناها ، واختفت الأرض عن أعيننا فأيقنت ان صلتنا بالأرض قد انقطعت إلي الأبد .

ورغم كل هذا فقد عاد المعتوه يتململ ويحث السلة على الصعود . ثم إنه نظر إلي فجأة وقال :

- ألك زوج وأولاد ؟

فدفعتني سليقة حب الحياة إلي الكذب ، وأجبته إنني متزوج ، وإنه تعالى رزقني من فضله أربعة عشر طفلا صغاراً لا عائل لهم في الدنيا سواي .

فأجاب المعتوه بنظرة وضحكة شيطانيتين جمد لهما الدم في عروقي . ثم زمجر :

- أما أنا فعندي ثلثمائة زوجة ، وخمسة آلاف طفل لولا حملك الثقيل لكنت ألعب بينهم الآن في منزلي !

ولشغفي الغريزي في أن أطيل حياتي سألته :

- وأين تقطن أسرتك ؟

فأجاب المعتوه :

- في القمر ، وبمشيئة الله سوف أبلغهم بمجرد أن أتخلص من وزنك الثقيل .

ولم أسمع بعد ذلك ولم أر شيئاً ، ولكنني شعرت بأظافره منشبة في عنقي .

اشترك في نشرتنا البريدية