من كان يري الشاب سعد الدين وهو طالب بكلية . . كان يري قطعة ناضرة من الغبطة والأمل واللطف ، ونموذجا صحيحا للجد والذكاء ، والإيمان بالمستقبل
لم يكن " سعد " في عيش خافض دائما ، بل لعله في بيته كان من أقل الطلاب راحة وأضألهم مظهرا . لقد كان يسكن بيتا متواضعا في حارة ضيقة في بندر الجيزة ، وكان يؤذيه ان تختلس " أم صالح " مالكة البيت بعض العسل والفطائر المدهونة التي تأتيه من البلد ، وان تضيع حينا بعد حين قطعا من ثيابه أو تزعم ضياعها ، وان يظل في بيتها برغمه لعجزه عن استئجار مسكن آخر في حارة أرقي . وكان يشق عليه ألا يتمكن من اقتناء كل كتاب يروقه ، ويطلع في دور الخيالة على كل رواية نافعة يتحدث عنها المتحدثون ، وإلا تكون له محفظة جلدية فاخرة يتأبطها في ردهات الكلية وقاعاتها كزملائه وزميلاته ، ولكن نفس سعد كانت - على هذا كله - مشرقة الجوانب دائما ، فالبشر يسطع أبدا في وجهه ، والنكتة الحلوة دائما على لسانه ، والبسمة العذبة في ثغره ، والسماحة الخالصة في عينيه . لقد كانت آمال " سعد " أقوي من آلامه ، وقناعته كانت أكبر من رغباته .
كان سعد " يعتقد ان عهد الطلب كليل السري ، فيه النصب ومعاناة الظلام ، وفي اعقابه الراحة المرجاة والصبح المبين
ولقد كان الريف خلع علي " سعد " ما يخلع على بنيه من البراءة والبساطة والتدين ، فلما غدا " سعد " شابا جامعيا لم يعر كغيره من هذه الحال ، فقلبه هو هو
قبض من المحبة والرحمة للناس ، وعينيه لا تري منهم إلا الجميل السار ، فالبسمة لا يمكن ان تكون إلا بسمة ، والكلمة الطيبة هي بنت القلب الطبيب ، والدنيا أزهار ولا شوك ، والزمان نفسه يتمثل له إنسانا خيرا لا يمكن أن يضل عنده المستقيم أو يخيب لديه العامل . .
كان " سعد " في نادي اتحاد الكلية عصر أحد الأيام ، في رهط من إخوانه المبرزين في الدراسة ، يتحدثون طورا عن الكتب والأسانيد والامتحانات ، وطورا يفيضون في سرد امانيهم الوثيقة وأمآلهم المزخرفة ، وطورا يسبحون في عالم المثل الأعلى التي يخلقها لهم وساوس الأحلام ، فلا يبدو من نبراتهم المرحة وصفحاتهم الآلقة الضاحكة إلا مظاهر المستشرفين إلي غاياتهم ، الناظرين إلي مستقبلهم نظرة الإيمان والغبطة والإرتياح
كان فجر هؤلاء الشبان الطامحين وشيك الإسفار ، فقريبا سيغشون الامتحان النهائي ، الذي بلغوا في الاستعداد له غاية الجهد ونهاية الجلد . لم يتحرجوا بطول في المناهج ، ولم ينخلذوا عن غاية صعبة رسمها الاساتذة وماذا بعدا الامتحان المضمون النتيجة إلا ان ترن البلاد بأسمائهم في الناجحين بامتياز ، فتأتيهم الوظائف المحترمة منقادة ! !
- في هذه الساعة اللذيذة التي كانت فيها ارواحهم تضوء بالفرح والثقة ، وخيالاتهم تطير كل مطار ، دخل عليهم " وحيد شوكت " الطالب المعروف بسياراته الفخمة ومظهره الشامخ والذي تروي عن مباذله الروايات . .
دخل عليهم فما إن سمع بعض أقوالهم عما يبذلون للامتحان من جهود ، حتى قال في لهجة واثقة مترفعة : " كل هذا للامتحان ؟ ! تريدون أن تكونوا الأوائل ! لا على فبحسي مجرد النجاح لأريكم اين أكون واين تكونون !
قول لم تقبله أذهان الشبان إلا في بطء وعلي كره ،
ولكنه علي الاغلب هز عقولهم وقلوبهم هزا ، وهوي بهم في عنف من عالمم المنير إلي دنيا الناس ، فلقد أجاب أحدهم والانكسار والحفيظة باديان في لغته ؛ " معقول البركة في الوالد " ، وما لبث الباقون أن أيدوه وقد تعقدت في الحال علي أساريرهم آلام ، وأقبل بعضهم على بعض يتهامسون عن مركز أبي وحيد وجاهه ، غير شخص واحد شذ عنهم هو " سعد " فقد رفض الفكرة أصلا ، وبقي في علياء أماله ، يضحك من امر اللاهي وبأس العاملين ، ويسأل في اسلوب مرح : " يا أولادي ) اسمعتم أن راجلا سبق طيارا ؟ ! "
وانفرط عقدهم بعد ذلك ، ومل صدورهم انفعالات ومل أدمغتهم أفكار .
كان " سعد الدين " وهو يشتري البترول مساء ذلك اليوم لمصباحه وموقده ، وحين كان يعد عشاءه ، وحين كان يعالج النوم بعد مجهود دام إلي السحر . . . كان يفكر في كيف ينخدع شاب ناضج كوحيد شوكت المتخلف طوال سنين دراسته ، ويظن أنه سيسبق الكادحين من أقرانه لجرد كون البركة في أبيه . كيف يثر حق المجدين إنسان ؟ إن المنطق الذي درسوء سنين ليقضي بغير هذا ، فمن الجريء الظلوم الذي يكسر قواعد هذا المنطق ؟ هذا " سعد " بالذات يقضي الليل والنهار غارقا في علومه ، وإن له في الكلية مجهودا يبهر الأساتذة بلة الطلاب ، وهو حيث حل مثابة للأقران يراجعونه فيما بينهم عليهم من المسائل ، فهل يضحي يوما هو أو امثاله خلف صفوف أفراد يقضون العمر غارقين في الملاهي شرقين بالمتع ؟ . . تلك أفكار ما أبعدها عنده في الخطأ ( وما أشد سذاجة ) إخوانه حين استمعوا لقول " وحيد وشغلوا به . . وما قول " وحيد " إلا نزعات شيطان
ونام آخر الأمر مطمئنا يزخر صدره بفيوض الآمال .
وطلعت الصحف يوما بأسماء الناجحين ، فإذا بسعد كما أمل وأمل الناس أول الناجحين بامتياز . الآن تؤتي الشجرة التي طال تعهدها أكلها الطيب ، فلتطلب الدواوين سعدا ، فهو حري أن ينفعها بكفايته الشبوبة وبعلمه الواسع وتهيأ " سعد " لليوم الموعود الذي فيه تباهي به الدواوين ويباهي بها ، ولبث في قريته يستجم ليتابع الخطي ويحقق الآمال ، ويتترقب في سكينة الخطاب المنتظر ، ولم لا يأتيه هذا الخطاب و " التعيين " لابد يجري بترتيب عادل ونظام مقدور ، ولكن أياما مرت ولم يأت هذا الخطاب ، فكتب إلي الدواوين ينبهها إلى أولويته ، ولكن شيئا لم يأت فثاب إلي العاصمة مستغربا من هذا الإبطاء فما راعه إلا أن رأي " التعيينات " قد تمت وليس له فيها اسمه يا عجبا ! وفي ) المعينين ( * وحيد شوكت " ! وعلى الأبواب الفريق الذي لم يعين خاشعة أبصارهم من الذل . ضالة خطواتهم من الحيرة .
كانت مفاجأة مروعة اضطرب لها قلب سعد بالوجد والكمد ، وامتلأت عندها نفسه الرقيقة باللوعة الحراقة ، واستحالت أضواء الحياة في عينيه إلي ظلمات .
وقال سعد لهذا ولذاك إنه أول الناجحين ، وتحدث في اسي عما بذل من صحته وشبابه وأعصابه ، ولكنه لم يسمع جوايا
ووقف على الأبواب مع الواقفين !
وانكفأ " سعد " إلي بيت " أم صالح " يستأنف فيه حياته ، ولكن بقلب غير قلبه ، وبنفس غير نفسه فلقد أغطش الظلم حياته ، وقصت الخيبة من حوافي آماله .
ويذكر سعد ما قضى في مكتبة الكلية من اوقات كان يظلم فيها نفسه وبدنه ، ويذكر الصبر الجميل الذي التزمه مدة حياته المدرسية المرهقة ، ويذكر كيف كان ايامها ملء الكلية قلوبيا وعيونا بعزمته وجده واستعداده ،
فيثني على نفسه يقول لها والحسرة تقطع رباط قلبه : " ربما كان انفع من هذا كله أن يكون أبي مثل شوكت باشا أبي " وحيد " بل ربما كان انفع أن اكون محسوبا علي مثله
ويفكر " سعد ( في سلوك طريق للعيش غير طريق الديوان " ، فلا يجد من ثقافته على عمقها ، ولا في ماله وهو في حكم العدم ما يهيء له عيشا . . يا ويلتا وكلما قصد إلي رؤساء الدواوين يردد لهم شكاته العادلة من إيثار مؤخرة الناجحين عليه ، قالوا له في لهجة ناهرة : " اشتغل يا بني في العمل الحر وهل تسع الوظائف كل الشباب ؟ نعم لا تسع . ولكن ليتها لا تسع أيضا المتخلفين في العلم والأخلاق ! هكذا كان يقول سعد لنفسه .
ودفعته الحاجة إلي نشدان عمل اهلى ، فكان في قصة خفاقه وعوزه ما اغري به المستغلين ، فعرضوا عليه خمس المرتب المفروض لامثاله في الديوان ، نظير عمل يقتضي من الجهد أضعاف ما يبذل هؤلاء . .
وعز على "سعد " أن يكون صيد العاجز وطعمة الجشع ، وان تكون الحياة حديدا عليه ، بينما هي شيء للآخرين واهي المجس . فآثر التريث ، وطمع في مجيء الحق . .
ويقضي سعد نهاره في السعي من ديوان إلي ديوان يلقي شواظ الغضب من هذا الكاتب ، وبارد العبارات من هذا الرئيس ، ويقاسي من عنت السعاة والحجاب ما يملؤه هوانا ، ويستمع من كذب أكثرهم ، ويري من عيونهم ما يشق على نفسه ، وما يكاد يقلب رأيه في الحياة قلبا .
وعند الأصيل ، كان سعد ينطلق إلي ارياض المدينة ، وفي صحبته صديق مظلوم هو الآخر ، يشكوان إلي الله أن لهما حاجة تمر بها الأيام وهي كما هي ، وينعيان علي الأخلاق ويذكران في أسي مرير ماضيهما بآماله المرسلات ، فإذا مر بهما سرب من الطير ، نظر إليه " سعد " ليرى الطائر الوحيد الذي قضى عليه الحظ أن يتخلف ، والذي يقتفي السرب ولكنه لا يلحقه ينظر " سعد " إلي هذا الطائر نظرات
المنكوب إلي قريبه المنكوب ، وكأنما يتمثل فيه مأساته !
ويعود هو وصاحبه وفي قلبيهما لهفات ، وفي عينيهما عبرات
بدت الحياة لسعد عريانه مفضوحة تبعث على الاشمئزاز والنفور بدا أن طرح الكرامة أجدي علي المرء من الاستمساك بها . بدا أن الزلفى لكبير أجدي من الزلفي للضمير ولكن سعدا لا يستطيع فكاكا من خلقه ومبادئه . ولكن سعدا وقد عرف الطريق القصيد إلي المورد المنشود لا يطيق الخطو إليه ، ويقف حيران !
إن مظهر " سعيد " ما يرح مظهر الطالب الفقير ، ولقد كان الأمل قبلا يسيغ له المتاعب التي كان يتجرعها ، فأما اليوم فالآلام آلام . .
والقربة التي كانت ترقبه موظفا ذا شأن استيأست الآن من مستقبله ، ولم يعد الساهرون في بيت العمدة أو دكان الشيخ سالم بقال القرية وإمام مسجدها يذكرونه ذكراهم لابن فلان الذي أضحي مهندسا للزراعة يحرر محاضر المخالفات ، ويأخذ شبان القرية عمالا في الوزارة ، أو ابن فلان الذي أصبح مساعد نيابة يحبس الناس ويفتش بيوتهم ويلبس الوسام الرهيب ...... أو فلان أو فلان ممن سموا إلى كراسي الحكومة المرجوة المخشية ...والطيبون الأوفياء من أهل القرية يلقون " سعدا " فيرددون أنغام الألم له والإشفاق عليه ، فتكون لرحمتهم في نفسه مرارة .
والسيدة التي كانت تنصب له الشباك ليكون زوجا لابنتها عقب تخرجه ، عاد حبل رجائها باليا حين لم تجده في ديوان فتبخر عطفها ، وزالت محبتها ، وانصرفت عنه إلى شاب محدود بدا في الأفق ! .
يا ويح لسعد ؟ ولقد كان يرجو لأمه السعادة بعد تخرجه فلما تخرج لم تزدد أمه إلا هما ، ولم تقر عينها ، ولكن عذبها السهر والدمع
ولقد كان يأمل أن تكون له مكتبة تتفق وشغفه العلمي فضربت بطالته بينه وبين أمله .
لقد غدت نفس سعد ميدانا تختصم فيه نزعته الأبية ورغبته الحارة في نسي الحياة . ولكن سعدا الشاب كان لا بد أن يعيش ، فأزمع أمرا . .
لقد كان الموظفون يسألونه دائما كلما سألهم عن موضوعه : " واسطتك من " ولقد لمح في سجل الطلبات خانة عنوانها " اسم الموصي " وفيها تكتب أسماء كبيرة ، وما من أحد من رفاقه الذين عينوا إلا وله واسطة . . لقد هاله هذا العبث الفاضح ، ولكنه رآه عبثا تقرر كأنه الجد الذي لا مندوحة عنه . . ففي صبح أحد الأيام ، كان " سعد " في طريقه إلى بيت " زيد باشا " الذي قيل إنه أكرم الناس على الوزير ، يرد حياضا طالما عف عنها
نعم ! وقد وطن النفس علي أن يقول للباشا ما يقول الناس ، وان يذل في حضرته كما يذلون . . لقد سلك من قبل الطريق التي بسها الحق والإباء والشرف ، فكان ذلك سبب شقائه ، فليقهر اليوم نفسه ، فليعذبها ، فليطمن وجدانه ، فليطمس على ضمير ، ثم ليمن في القسوة ، وليكتم صيحات هذا الضمير الملحة . إنه يحس الموت يرنق عليه ، ولكن ليتجلد . وليقبل على الطريق التي تدنيه من الغاية .
ووقف يحترق ويتململ في انتظار " الباشا . . وبدا " الباشا " بعد لحظات اطول من الدهر ، وبجانبه فتاة لا تنفك تضحك ضحكات ناعمة وتتحرك حركات وقحة ، وفهم سعد من همس الناس انها زوجة موظف بريد الترقية ، فهي تزور الباشا كل يوم مستشفعة به ، فغمرت " سعد " ريح عاصف من الروع والاشمئزاز والأسف .
ونظر إلي الناس وهم يقبلون يد الباشا في مسكنة ، ويرفعون مطالبهم إليه في ملق وضراعة ، وبألفاظ فيها الدموع والعواطف الزائفة ، والدموع والعواطف الحق .
و الباشا ( يجب متثاقلا علي كلامهم الكثير المتصدع يقول مقتضب متعال ، فأحس " سعد " من كل ما حوله بالمثاليات تهدم كبيوت أصابتها القنابل إصابات مباشرة . ورأي - ونفسه توشك أن تذهب حسرات - أن الفضائل التي لقنها في المدارس شئ بعيد جدا عما تلقن الحياة الناس ، وهم بأن يفر بخلقه لولا أن الأمل في نجاح السعي لم يفلته
واقترب دوره ، فأصلح هندامه كما رأي الناس يفعلون ، وأعد الألفاظ التي سيقولها ، ولكن ما بال رجليه لا تطيعانه ؟ ما باله واهنا كالمريض الذي لزم الفراش سنين ؟ واستطاع ان يدنو من الباشا ، ولكنه لم يعرف كيف يتكلم ، فوقف هنيهة لا بلفظ من قول ، والباشا مستيح عنه ضائق صدره . .
ويستحضر سعد الألفاظ التي سبق أن أعدها ، ولكنه خرس . لقد شعر أن ألفاظ الذلة والاستخذاء ككلمات الكفر لا يمكن أن ينطق بها لسانه . لقد عز عليه أن يطمس ماضيه العزيز كله ، وأن ينقلب امرا ملقا وضيعا يحمد الكبار بما ليس فيهم ، ويقول لأحدهم . يا سيدي ؟ وما هو بسيده ، ويكشف لهم عن أدوائه المستورة وسره المكتوم . . لم تعنه نظرات الباشا المستفسرة بدهشة على النطق ، لقد تذكر ما بعد الاستعلاء على أساليب الناس من شقاء يصبه ويصبب آلمه ، لم ينخدع عن شيء قط ، ولكن ضميره أبي واستعصم ، واستبشع ان تصفعة الدنيا مهما تكن ذات جمال ودل . لقد رأي أنها ستجرح كرامته جراحا ثقيلة لا يغني فيها مال ولا منزلة . لقد هاله الثمن الباهظ الذي سيدفعه من ذخر قال لم يفرط في ذرة منه . لقد انتهي " سعد " حالا إلي رأي حاسم في أمره هو ان يشق الصخر في ظل الكرامة ، ولا يقبل عيشا لين المهاد في ظل الرياء والنفاق . . لقد عزم على أن يعمل في أي شئ ، ولو كان التراب ، بنفس عزمته القديمة التي
لا تتحسب للصعاب ، ليخلق من الفقر غني ، ومن الشقاء دعة ، ومن الضيق فسحة وأملا ، فان كان التراب وضيعا فسيرفع هو من شأنه إن " سعدا " الآن يستشعر قوة ) كبر من الدنيا بأسرها ، وإنه ليلوم نفسه على ما فكر في ورود المشرع المسموم .
وسأله الباشا : " ماذا تريد ؟ أسرع . . فوقتي ثمين . فأجاب " سعد " وقد انحلت عقدة لسانه : " لا شئ ! "
ونزل توا غير مبصر شيئا ، ولا سامع شيئا ، سوى ضميره الذي كان يبتسم له مشجعا شاكرا فخورا ، وسوي اصوات من أعماقه خفية حلوة الرنين تناديه : " أنت الكاسب "
المنصورة
