كان ظهور حمدى فجأة في أفق حياة سنية إعصاراً مدمراً قلب كل شيء وجعلها تضيق بحياتها وتسأل نفسها فيم إصرارها على العزوية وفيم تحاشيها للرجال . وأخذت تستعرض صور حياتها التي تجردت من كل ما يبعث في النفس البهجة ، وأطياف ماض كان حافلاً بالأسى والحزن .
إنها عندما ولدت ووطأت قدماها الصغيرتان شاطىء الحياة أقلعت سفينة الموت تحمل أمها بين الراحلين ، والذين حضروا ساعة الميلاد ورأوا أضواء الحياة ترقص فى عينى الطفلة البريئة وظلال الموت تجتم على وجنتى الأم الشهيدة ، أحسوا في بكاء الطفلة رثاء لأمها وندبا الحظ وضع عليه اليتم ميسمه .
غير أن السماء لم تكن قد أرادت بسنية بتها كاملا ، فقد أيقت لها أباها المطوف وجعلت من شقيقتها الكبرى (إنعام) ملاكا حارساً عملاً بنور الحنان لياليها ويجمل يزهر العطف أيامها وينسيها ما استطاع مهارة اليتم وشقوة الحرمان . وكانت إنعام تحس وهى ترعى شقيقتها الطفلة زهو الأمومة المبكرة وسعادة الوفاء بالجميل نحو أمنها التي كانت دنيا من الشباب والحسن والعطف فلم يبق منها إلا صورة معلقة على جدار ، وقبر نائى المزار، وذكرى ما تزال تقدو في خيالها وتروح .
وتوالت مواكب الايام ومرت على البيت الصغير وسنية سادرة فى غى الطفولة وإنعام حالمة أحلام الشباب ، وأبوها منصرف إلى عمله الذي يستغرق سحابة أيامه وصدر لياليه
. وأخذت الطفلة تنمو وتترعرع وبدأت الغشاوة تنجاب عن عينيها وعرفت أن إنمام ليست أمها بل شقيقة وافرة الحنو . على أن ذلك لم يقلل من حبها البنوى لها ، بل لعله زاد عنفاً واتسع أفقاً ، وأصبح نوعاً من العبادة الصامتة وعرفان بالجميل وأخذ
يطغى عليها الشعور بالرغبة في خدمتها وتوفير الراحة لها .
إن سنية الآن عذراء وافرة الأنوثة قد لمس الحب قلبها لأول مرة ، وإنها لتستعرض حياتها الجرداء التي ولت هباء لم يورق فيها الحب من قبل ، وتذكر أنها كانت في الثانية عشرة من عمرها حين تقلات الدار عقود الزهرور فرقت عليها الأعلام وتوافد الناس وعزفت الموسيقى معلنة أن حياة إنعام قد ارتبطت بحياة رجل كان غريباً فأضحى أقرب إليها من كل قريب . ثم هي تذكر أنها كانت في الثالثة عشرة من عمرها حين اتشحت الدار بالسواد وتواقد الناس وتعالت الأصوات بالندب والبكاء معلنة أن الأب الحزين قد لحق بالزوجة الراحلة .
ومنذ ذلك الحين أقامت سنية بصورة مستمرة في بيت إنعام وأخذت عيناها تتفتحان على أمور كثيرة غريبة . رأت سامى زوج أختها قد أشهر الحرب على زوجه وساقه إلى ذلك طمعه في الميراث الضخم الذى خلفه أبوها وأطمعه فيها ضعفها وقلة حيلتها وانفرادها ، فما كان لها من الأقارب الاعم يقيم في السودان . وكانت إنعام مضطرة إلى مداراته وإعطائه ما يطلب ، وأسرف في شرب الخمر وساءت أخلاقه وزاد طلبه للمال ، والمال كماء البحر كلما شرب منه الإنسان زاد عطشه وكانت الزوجة البائة تسرف في البكاء والتفكير إسرافها في منحه المال ، وكانت تشحب وتزداد تحولاً بالرغم من تأكيد الطبيب بأن ضعفها يضر بالجنين الذي كان يتحرك في أحشائها .
وعلى صدر سنية كانت تنهدات إنعام ترامى فى يأس مريز فتجد لها فى ذلك المصدر الشفوق صدى وبلسما ؛ ولطالما مر الليل أوائله وأواخره على الشقيقتين كبراهما تقول بشجوها وتبكي، والصغرى تحاول أن تمسح بيد العزاء أحزاناً قاسية حتى إذا أجهدها ذلك فيشت أخذت تبكي فعانقها أختها وتعانق اللمع فوق خدود لم تخلق للدموع .
وكانت إتمام تزداد محولا ، وسنية تزداد بغضا لساى وللرجال على وجه العموم، وساعد على ذلك أنها لم تكن قد خبرت من الرجال إلا أباها ، وكان على حنانه كثير الانصراف إلى عمله ، وإلا هذا الرجل النذل الذى استغل ضعف أمرأتين فأقبل يسرقهما كلما طاب له أن يسرق ، وساء ظنها في الرجال ، ولم تكن هى الملومة على أية حال .
وتتابعت أمواج الذكريات على خيال سنية وهي ساهدة تفكر وتذكرت كيف أبي القدر إلا أن يكرر المأساة في هذه الأسرة للمرة الثانية في تاريخها القصير ، فعندما أنجبت إنعام ضيفاً جديداً في ذلك المنزل ، غادرته هي على الأعناق ، وكان هذا المولود فتاة هی عدالات
تولى الأستاذ عبدالمجيد القليني المحامي الكهل الشهير، شؤون الوكالة عن سنية وإدارة أملاكها، وكان رجلا أمينا، وزاد من عطفه عليها عرقانه بحالتها وصداقته القديمة الوطيدة لوالدها. وتفرغت هى إلى تربية عدالات والقيام بذلك الواجب المقدس محو أختها والوفاء بذلك الدين القديم
إن التاريخ قد أعاد نفسه سريعاً والحنان الذي شربته سنية من يدى إنعام قد عادت تسقيه إلى ابنة إنعام ، وأضحت لها هذه الطفلة الجميلة بمثابة الكأس والخمر والحلم والنور الذي أقلت من يد الحزن وكف القدر لكي تعيش على ضوئه ذكريات تلك الشقيقة الراحلة .
وكأن الطفلة كانت قد سرقت من أمها وهى تموت كل جمالها : شعرها الكنتائى وعينيها العسولتين ، وذكاءها الوقاد وروحها الخفيفة ونظراتها الحالمة ، وغدت سنية تشرب هذا الحسن في كأس القبل وتخال أنها تقبل الإبنة والأم معاً :
والشقة التي كانت تسكنها في أحد البيوت التي تملكها قد غدت صومعة أقامتها لتعبد فيها ذكريات إنعام ولتحرق لابنتها حياتها بخوراً وتقضى العمر في هذه العبادة
والبسمة البريئة على ثغر عدالات والنظرة الشاكرة في عينيها واللثغة الساحرة فى شفتيها كانت العزاء الوحيد المحسناء الزاهدة في متع الحياة .
وكان الأستاذ عبد المجيد المحامى الذي يحضر ليعطيها نصيبها من إيراد الأملاك ، وسامى زوج أختها الذي نسى زوجه وتزوج من أخرى والذى يحضر ليرى ابنته حيناً ولكى يقترض منها لنقود أحياناً ولم يفكر في رد ما اقترض ولن يفكر في ذلك على التحقيق هذان كانا الرجلين الوحيدين اللذين تطأ أقدامهما هذه الصومعة .
وظل نهر الأيام يجرى وعلى صفحته تسبح سنية وعدالات ، وكانت الأخيرة تتفتح كالزهرة وتنمو كالغصن النضير وسنية تظلمها وتحنو عليها كالسرحة الذكية وتتعجل الأيام كى تراها
عروساً ذات يعل وأما لأولاد . وحين بلغت عدالات السادسة عشرة ، وانقطعت عن الدراسة أضحت الثياب الأنيقة والعطور الغالية من نسيبها ، ولطالما تمنت على خالتها أن تشاركها استعمال العطور أو أن تجاريها في أناقة الملبس فكانت تبتسم لها وتقول : « لقد كبرت يابنيتي العزيزة » فتضحك عدالات وتقول : « حقاً ، لقد نسبت إنك هرمت وبلغت الثلاثين )
كان بين سكان : العمارة » التي تسكنها سنية مهندس أعزب يدعى حمدى ، يقيم مع أمه المجوز وخادم ، ولم تكن سنية قد رأته لأنها كانت قليلة الفضول قليلة الزيارة لجيرانها.
وذات مساء سمع رنين الجرس في مسكن سنية وفتحت الخادم الباب فوجدت حمدى أمامها يطلب مقابلة « الهانم ، باعتبار هيا المالكة ليشكو إليها سوء أدب البواب في معاملة والدته المريضة ، وترددت سنية هل تسمح له بالدخول أم لا ؟ ووجدت من الأذوق أن تستقبله فانه حارها وهو فيها تمام رخنى الخلق
ووطأت قدما هذا الرجل الغريب بيت الأنثى الزاهدة وراب سنية أمامها شاباً طويل القامة قوى الجسم فتان الطالعة. النظرات يناهز الخامسة والثلاثين ويبدو عليه عدم الا كراش بشيء ما . ومدت يدها تصافحه فضغطها في كفه الثلة كما يصافح رجلا ، وجلس قبل أن تسأله أن يجلس و خلع طريونه ووضعه على مقعد بجانبه فتهدلت خصلة من شعره الفاحم السبط فوق جبينه الأسمر المريض ، ووضع ساقا فوق أخرى وأشمل سيجارة ونفث دخانها عقدا في الهواء وبدأ يتكلم ، وأخذت سنية تصفى لكاناته ثم تعلقت نظراتها بشفتيه الممتلئتين الحمراوين تلتقيان وتنفرجان وهو يتكلم ولم تعد تنصت إلى الألفاظ أو تتفهمها ولكنها غرقت في بحار من التيه عميقة وكانت ألفاظه تنساب كأصابع رفيقة تمزق عن ذاكرتها ستار الإهمال والكبت وتعرض عليها أحلام الشباب وتعيد إليها الشعور بتفاهة حياتها وحاجتها إلى الحياة الحافلة المليئة بحنان امرأة وعطف رجل .
وشعرت بالخجل واحمر خداها وخشيت أن يكون قد اطلع على تجرى أفكارها ولكنه كان ما يزال يتكلم وينفت الدخان من أنفه الجميل وفمه المثلى" بعد أن يكون قد ملا به صدره المريض وأحست أنها رأته قبل ذلك ، من سنين عديدة بل من أجيال عديدة ، إن صوته ليس غريباً عنها ، وهذه الملامح طالما رسمتها يد
المشى على لوح خيالها . وعادت تنظر إلى شفتيه تنفرجان وتلتقيان وخيل إليها أسهما في كل انفراجة والتقاء إنما تبيان القبلة أو تفرغان من قبلة . وكبحت جراح نفسها وأنصت إلى كلامه وسمعته يسألها هل يرضيها ما فعله البواب ، ولم تكن قد فهمت شيئاً مما قال ، ولكنها وعدته بأنها ستنزل به العقاب ؛ ونين قائماً وهو يعتذر من إزعاجه إياها ، ولكنها أكدت له العكس ورجته أن يبلغ تحياتها وأسمها وتمنياتها إلى والدته . في تلك الليلة لم تنم ، بل عادت بذاكرتها إلى حياتها كلها الفارغة من المتع وظلت تستعيد منظر الشفتين الممتلثتين والعينين اللامعتين الواثنتي النظرة . إن عينيه تلقيان بذور الهناءة في حقل عمرها الأجرد ، وشفتيه ترسمان بحركتهما السريعة خطوط حياة راقصة سعيدة تتمناها . لماذا ولدت ولماذا تعيش ؟ لقد طالما حيرها هذا السؤال فكانت تجيب بأنها تعيش لمد الات. أما الآن فقد اهتدت إلى الجواب الصحيح. لقد قرأته في عينيه وسمعته في رنين ألفاظه ، إنها خلقت له وإن حياتها وجدت لكى ترتبط بحياته
واندفعت إلى خاطرها صور كثيرة ، إن نظراته إليها كانت أكثر من مجرد نظرات ، كان فيها توسل وأمر، وطاعة وعصيان، ومنى وأمل، وفيها دليل هوى ونجوى غرام . وسألت نفسها هل يتزوجها ، وضغطت قلبها أصابع الفرح حين طاف به هذا السؤال وأجابتها نفسها : ولم لا ؟ لعله لم يحضر إلا لبراك ، وقد اتخذ من قصة البواب ذريعة لذلك. تذكرى نظراته وابتسامته وضغطه يده على يدك وعادت تتساءل ل وهل أرضى به ، فأجابتها نفسها لانعم، أتظلين عانا طول العمر ؟ أم هل تظنين أن كل الرجال أدنياء كاي زوج إنعام . أما تتوفين إلى رؤية أطفال لك علا ون بيتك بهجة . ولكن أهذا هو الحب من أول نظرة ، فوجمت نفسها قليلا وأجابت « نعم . بل كلا . هذا ليس حبا . إنه اللهفة التي تغمر الظمآن إذا أشرف على النبع الفرات ، والنشوة التى تعمر قلب الضارب في الصحراء إذا اهتدى إلى الواحة ، والراحة التي تفيض على الساهد إذا أوشك البكرى أن يغمض جفنيه . « وعدالات ما يكون شعورها إذا تزوجت ؟ " وللمرة الأولى تغيرت نظرتها إلى عدالات . لماذا تحطم هي حياتها لكى تسعد عدالات ؟ إن إتمام لم تظل عاناً وهي تربيها ، فلماذا تبقى هي عانساً من أجل ابنة إنعام ؟ يكفى عدالات مارأت من حنان ، ويكفيها أنها ستظل لها كما كانت دائما ولكنها لن تحرم نفسها ليشبع الآخرون ، ولن
تكون الشمعة التي تحترق وعلى نورها تنصب العناكب شباكها وفى نارها تموت الفراشات الراقصة . وأغمضت عينيها ونامت ورأت نفسها في المنام ترف إلى حمدي.
وتكررت زيارات محمدی تصحبه والدته ، فنجلس الجميع عدالات يمرون ويتحدثون . وأخذت سنية تبالغ في التأنق وامتلأت ثقة بنفسها فتوردت وجنتاها وزاد نشاطها والتماع عينيها الجميلتين وطفقت تلقى على حمدى نظراتها الحنون وتوسد نظراته إليها أجفاناً ذابلة يقظة . وكانت تتلقى ضغطة يده على كفها كأنها تأكيد لعيدهما وميثاق أبدى .
وفى ذات أصيل جاءت أم حمدى بمفردها وحيت وقالت : إن دى يسره أن يصاهر أسرتها الكريمة . فتوردت وجتنا سنية و خفق قلبها وكادت تثب من الفرحة الكبرى التي غمرت كيانها وواصلت أم حمدى الحديث قائلة ( وهو لذلك يطلب يد عدالات» . ووجمت سنية وأصابها تبلد غريب ، ولأول مرة أحست أن عدالات الطفلة النادرة قد أصبحت مزاحمة خطيرة . وعجبت من نفسها كيف قابلت النبأ بهدوء وكيف ودعت الضيفة في ثبات ووعدتها وعداً جميلا بعد أن تخاطب أبا عدالات في الأمر . وعادت إلى غرفتها وسبحت فى يأس مرير . إنها تمنت أن تعيش بين يديه فكيف قرمنها إلى طفلتها الصغيرة ؟ أتكون عدالات زوجة أفضل منها وهى الفتاة الطائشة الرعناء وكبحت جماج غيرتها العنيفة أن شقيقتها إنعام قد أطلت من وراء الغيب تسألها الرفق بابنتها وتنهدت سنية وملا وأمها عزم جديد
لقد تمنيت أن أرى أولاده منى ، وقد استجاب الله نصف الأمنية . إن أبناءه من عدالات سيكونون أبنائى ، وسأشرف على زينهم كما أشرفت على تربية أمهم »
ما الذي تغير في حياتي ؟ سأعيش بقربه ، وسأراء دائماً ، وسأحنو عليه حنوى على عدالات . إن الحجر الصغير الذي ألق في نهر حياتي الهادى، قد انداحت له الدوائر ، ولكن سطحه سرعان ما عاد إلى هدوئه وسيظل يجرى في الصحراء التي قدر له أن يجرى فيها حتى المتسب ) لقد عشت شباب زاهدة ، وكثيرات غيرى قد فرون من مثل هذا الألم إلى الدير، فإلا أصبح راهبة بلادير ؟ » ( إسكندرية )

