كان قطار الليل يشق طريقه المظلم إلي الصعيد وكانت هذه المرة الأولى التي يستقل فيها الدكتور فؤاد هذا القطار في طريقه إلي مقر عمله الجديد لقد عاش طول حياته في العاصمة ، وكان طبيبا بإحدي مستشفياتها ، وأخيرا . . وبعد نزاع حاد مع رئيسه ، نقل إلي إحدي المستشفيات الصغيرة بأعالي الصعيد .
وكان يمكنه أن يستقبل ويكتفي بإيراد عيادته التي تدر عليه الكثير . . وقد فكر في ذلك حتي أضناه الفكر ، فليس من السهل على رجل ألف حياة العاصمة ان يجد نفسه فجأة في جو لم يألفه ، وحياة خشنة جافة هزيلة لم يعتدها
لكن تيارا أقوي كان يدفعه في اتجاه آخر : لم يكن قد أفاق بعد من صدمة هائلة أذهلته عن كل شئ وانسته كل الاعتبارات ؛ كان يود أن يهرب من المكان الذي كان مسرحا لماساته الدامية لانه يذكره بها ويتكأ جراحة كلما قاربت الالتئام لقد فكر وفكر ، وأخيرا فضل أن يهرب من أشباح الماضي التي كانت تلاحقه في عناد ، وتعذب قلبه ، وتغمره في ليل أبدي لا فجر له
ولم يكن الدكتور فؤاد من أولئك الأطباء الذين تركز كل حياتهم في مهنتهم فيحشون ادمغتهم بالمعلومات الطبية التي يطبقونها تطبيقا أعمى ، بينما يشاركون في الوقت نفسه رجل الشارع في ثقافته وأخلاقه وكل غرائزه كان الدكتور فؤاد شخصية ممتازة ، رقيق العاطفة مرهف الأعصاب ، ولوعا بالأدب والموسيقي ، ظامئا إلي الحياة الدسمة الغنية بمختلف العواطف والإحساسات
وبعد سنوات طويلة من الحنين والانتظار ظن أنه قد عثر علي ضالته وحقق امله ، فاندفع وراء الخيال وراح ينسج
الأحلام ، ويكيف حياته كلها تكييفا جديدا ، على هدي الكوكب الجديد الذي غمر حياته بالنور .
وبعد عامين كاملين عرف أنه مخدوع . . وان الشيطان كان يسرق القربان الذي يتقرب به إلي " كيوبيد " في في معبد الحب ، واستحالت حياته إلى بحر من الدموع ، وكره العاصمة الكبيرة والحياة فيها . ولما فوجئ بخبر نقله لم يحزن كما يفعل الموظفون ، بل تلق الخبر بفتور ، وحمل كتبه وموسيقاه ليهرب من الحياة البراقه الزائقة ، وليخلو إلي نفسه عليه يستطيع ان يلهمها العزاء والسلوان . إنه سيحقق حلما جميلا طالما تمني تحقيقه ؛ حياة الطبيعه الساذجة الجميلة ، والمساحات الشاسعة الخضراء التي قرأ كثيرا عن سحرها وجمالها ، وما توحيه إلي النفس من صفاء ، والناس السذج البسطاء الذين لم يتعلموا شرور المدن الكبيرة وأثامها . إن حياة المدن تفرض نفسها علي الإنسان وتستعبده وتخنق فيه حياة العاطفة والروح . . وحياة العاطفة والروح هي كل ما ينشده الطبيب الحزين . إنه يأمل أن يجد في صدر الطبيعة ما لم يعثر عليه في صدر المرأة ،
وتمكن فؤاد من أن يروض نفسه على حياة الريف ويستسيغها ، ووجد في بساطة الحياة فيه الراحة التي يجدها الملاح بعد عاصفة هوجاء هددته بالفناء ! كان في الصباح . يؤدي عمله الرسمي في هدوء ، وفي الأمسية يخرج للرياضة بين المزارع الخضراء ، وعنده بعد ذلك كتبه وموسيقاه . ولكنه كان شديد الانقباض عن الناس زاهدا في الحديث معهم وحتي في رؤيتهم . .
لقد وجد فؤاد العزاء . الذي يعيش مثله بين المرضى ويري الإنسانية تتألم وتتعذب بهذا القدر ، ويشاهد كل يوم شبح الموت يلهو بالأرواح ، لا بد أن يتعلم كيف يزن مسرات الحياء وفواجعها ، ويميز صحيحها من باطلها .
إن أوجاع الحياة تعلمه تفاهة الحياة التي نجهد أنفسنا في سبيلها حتى الجنون ؟ ننفي السنين تلو السنين في المتاعب والدموع . حتى يحل الخريف وتذبل اوراق العمر ، عندئد نبحث عن ثمرة جهودنا وعنائنا فلا نجد شيئا وتهب علينا ريح باردة تهمس في أذاننا ان الكل باطل . حينئذ ، وحينئذ فقط ، ندرك . ونشيح بوجوهنا عن الحياة تلك هي الفلسفة الحزينة التي استخلصها فؤاد من استعراضه لأوصاب الناس وأمراضهم . .
ومرت شهور وهو منهمك في عمله وبقايا همومه وأفكاره القائمة التي كان يطاردها فتغيب عنه حينا ثم تعاوده في عنف وقسوة .
وفي صباح أحد الأيام كان جالسا كعادته إلي مكتبه يطالع صحف الصباح
وفجأة دخلت امرأة ، وكان من عادته أن يطلب من أولئك الذين يقتحمون عليه خلوته أن ينتظروا بفناء المستشفى حتى يحين موعد العمل ، ولكنه نظر إليها ، وسكت ، ثم سألها في صوت وادع عما تطلب ، بينما كانت عيناه تلتهانما التهاما
كانت ترتدي ملاءة حريرية تحتها جلباب باهت اللون وفي إحدي يديها قارورة فارغة ، وفي الأخري "تذكره أمراض باطنية .
وأسبت جفونها واصطبغ وجهها بلون الدم ، وتلعثمت ، ودعاها برفق ان تقترب . . وخبره عن مرضها ، وتناول فيها التذكرة وقرأ البيانات المدوية عليها فعرف أن اسمها " نعيمة " وعمرها سبعة عشر عاما
واقتربت ، وأخذت تقص عليه أعراض مرضها بصوت ناعم حالم . بينما كان هو يتأملها في نشوة سعيدة كأنه يتأمل أثرا فنيا خالدا ! كان في مشيتها فتور ثمل كان رأسها قد حمل اكثر مما يتسع من الأحلام ، وفي عينيها ذلك الحنين الذائب الذي تشعه عيون الفتيات عند ما تطرق قلوبهن تلك الإحساسات الخلوة الأسرة التي لا يدركن
كنهها ! وكانت نظرائها كطيور تائهة تبحث عن وكرها في عيون اليف يقتنص الاحلام الهائمة في السماء ويريقها في أذنها بصوته الحلو الرقيق .
كانت تشكو ورما بسيطا في أصابعها وساقيها . وتناول يدها في كفه وأخذ بتأملها ، واهتزت يده اهتزازا خفيفا وهو يضغط على أصابعها ليعرف طبيعة الورم ، ثم فحصها فحصا دقيقا ، وطلب منها أن تمتنع عن تناول بعض المأكولات ، وزودها بنصائح وأعطاها ما يلزمها من دواء وبعضا من " الجيلسيرين في زجاجة من عنده ، وانصرفت
اين كان هذا الكنز مختفيا ؟ لقد مضي عليه ما يقرب عن خمسة أشهر في هذا المستشفى ، ولكنه لم يرها إلا اليوم ! لم تحضر قبل الآن ؟ لقد جاءت ثم ذهبت كانها الحلم السعيد في هدأة الليل ! ما أسعد تلك اللحظات التي قصاها وهو يتأمل هذا الوجه السماوي الجميل ! كان جمالها من نوع نبيل يوحي بالعبادة اكثر مما يوحي بالحب ، وعيناها عسليتان يشعان وداعة وطهرا ، وبشرتها عمرية يعلوها تاج كثيف من الشعر الذهبى ، وكانت نحيفة وهو يكره الجسم المكتز الذي يوحي دائما بالرغبات . . كما انها أطول من رأي من فتيات القريه
ثم ابتسم وهو يقول لنفسه : " الآنها جميلة تهتم بها أكثر من بقية المرضي ؟ قد تكون الدميمة المشوهة الخلقة أكثر احتياجا إلي العطف والرعاية " ولكنه هرب من الإجابة عن سؤاله ، واشعل سيجارا وأخذ يغني بصوت خافت ؛ ويرد لو أمكنه أن يرقص أيضا
وفي الأسبوع التالي عادت نعيمة مرة أخري ، وكانت هذه المرة اكثر اعتناء بهندامها وتصفيف شعرها . وترددت كثيرا قبل ان تتقدم نحوه . أما هو فكان يرقب خجلها وترددها في سرور .
وأخيرا جمعت شجاعتها وذهبت إليه . ولاحظ وهو يحدثها أن أسنانها أكثر بياضا مما كانت عند ما رآها في الأسبوع الماضي . وأخذ يلقي عليها عشرات الأسئلة حتى
تطول وقفتها أمامه ، ثم فحصها مرة اخري وأعطاها دواء جديدا وزودها بعشرات النصائح .
وبدأت تألفه ، واعتادت التردد على المستشفي مرة كل أسبوع على الأقل ، وكانت تلتمس مختلف المعاذير للذهاب إلي المستشفى . . وكان هو ينتظر حضورها في نوع من القلق . وسرعان ما تعرف بأبيها ووثق صلاته به وغمره كل عطفه ، الآمر الذي اثار دهشة الرجل وجعله يتساءل عما يرمي إليه الطبيب من وراء كل هذا الاحتفاء !
وأحس فؤاد أن جراحه القديمة تبرأ بسرعة . . ما أسعده بهذه الطفلة البريئة الساذجة ! إنه لا يطلب أكثر من أن يراها لترد إليه من جديد إيمانه بالحياة ، وتزح عن قلبه الظلام المتراكم الكثيف . لقد عمرها بكل ما في قلبه الأبيض من حنان . . ذلك الحنان الذي كان بعده لعدم عثوره على من يغدقه عليه ! ولاشك في ان هذه القروية الساذجة ، الطاهرة القلب أجدر الناس به .
وعند ما يمنح الطبيب قلبه للمريض تلهم العناية الإلهية يده وتحدث المعجزات
وكانت نعيمة تبدو أكثر نضرة وشبابا في كل مرة تذهب فيها إلي المستشفى . وكان هو يتأمل احمرار خديها في فرح وهي تتقدم نحوه والخجل يكاد يقيد قدميها بالأرض . آه ! لو كان شاعرا لنظم أروع قصائده في هذه اللحظة التي راها فيها وهي مقبلة عليه في خطوات موسيقية هادئة
إن الغيوم الداكنة المتراكمة في سماء روحه تتبدد تحت أشعة بسماتها الصافية ، ونظراتها الحلوة تطرد من رأسه كل الأفكار السوداء التي قضي أشهرا وهو يجهد في إقناع نفسه بها ، وتعلمه من جديد نفاسة الحياة وجمالها .
وعاد يأنس بالناس وينبسط معهم ويجد في حديثهم الساذح التافه كثيرا من الغبطة والسرور .
وفي إحدي المرات لمح علي صدرها " قلبا " صغيرا من الفضة ، فسألها أن تعطيه له فنزعته من صدرها وقدمته إليه . . ونزع هو من أصبعه خاتما ذهبيا وقدمه إليها . .
وترددت كثيرا قبل أن تأخذه منه . وفي مرة اخري طلب منها صورها فاعترفت له في كثير من الخجل أنها لم تقف طول حياتها امام آلة التصور . وصورها بنفسه في عدة أوضاع . وسألته مرة عن عائلته ، ولماذا يعيش وحيدا ؟ لماذا لا يحضر أمه أو إحدي أخواته لتؤنسه وتسهر على راحته ؟ وابتسم وعرف انها لم تعد تقنع بهذه اللحظات العابرة التي تقضيها معه .
وكان يصله من العاصمة بين حين واخر مالا يتيسر وجوده في الريف من الفاكهة والحلوي ، فكان لا يطيب له تناول شئ منها إلا إذا اهدى بعضها لصديقته . وكان ينتهز فرصة وجود أبيها معه ويعطيه من كل ما كان يرد إليه
وسارت الأيام في طريقها والعلاقة بينهما تزداد قوة وعمقا ، ولم تجد نعيمة بخجل منه او تهيبه ؛ كانت تعترف له الآن بكل شئ وتشكو إليه ضيقها بالحياة في هذه القرية الصغيرة . إنها لا تخرج إلا للحضور إلي المستشفى ، والقدوم إلي المستشفى هو " يوم العيد " عندها . وكان يلمح أحيانا على وجهها اثار الحزن والالم فيسألها عن سبب أشجانها ، ويلمح الدموع تجول في عينيها وهي تعترف له انها كثيرا ما توصد على نفسها باب غرفتها وتظل تبكي وتبكى دون ان تدرك لذلك سببا . . وادرك هو ان قلبها يعذبها . .
وابتدأ يحاسب نفسه ويسألها عن النتيجة ! لقد نبه في قلبها الشوق ، وأشعل فيه الحب دون أن يبادلها كلمة واحدة تعبر عن عاطفته ! لقد فتنه جمالها وطيبة قلبها ، فهل يربط مصيره بمصيرها ؟ لقد سير الليالي وهو يفكر في هذا الأمر ، ولكنه اقتنع أخيرا أن بينهما من الفروق ما يجعل الحياة الدائمة معها مستحيلة ؛ إنها القروية الساذجة التي لم تتلق من العلم شيئا ، وقد تهلك عند ما ينزعها من تربتها ليزرعها في تربة أخري . . !
كان يفكر في النهاية ويتألم ؛ إنه سيحطم بيده القلب الذي بدد وحشته وانساه آلامه وهز اوتار قلبه هزات
رائعة ! لقد غمرها بحنانه لأنها الزهرة الوحيدة في تربة لا تنبت إلا الحشائش ، وأحبها كما يحب صورة جميلة أو لحنا رائعا .
ولكن ماذا يفعل ؟ إنها ليست له . هذه الجوهرة النفيسة ما زالت ) خاما ( وفي حاجة إلي كثير من الصقل والتهذيب ؛ إنه سعيد بها ، لأنه يراها لحظات كل أسبوع ، ولكن الحياة الدائمة بينهما قد تكون مثال التعاسة والشقاء وقد حاول مرات ان يفهمها حقيقة العلاقة بينهما ، ولكن عطفه عليها كان يمنعه من ان يصدمها هذه الصدمة الهائلة
كانت هذه الأفكار تصطرع في رأسه ، بينما كان أهل القرية يتهامسون بأن طبيبهم سيتزوج من نعيمة ، وخاصة بعد أن زار منزلها مرة ليعود اخاها المريض ، وشوهد جالسا مع أبيها عدة مرات . وكان فؤاد معروفا بينهم جميعا بالطيبة والرقة ودمائة الخلق ؛ فلم يجرؤ أحد علي الشك في براءة العلاقة بينه وبين نعيمة
وسارت الأيام في طريقها وهو موزع القلب بين حبه لها وإشفاقه عليها من عاقبة هذا الحب
وكان قد مضي عليه ما يقرب من عام في القرية عند ما صدر قرار نقله إلي المنصورة
وشعر بالحزن لفراقها ولكن للقدر أحكامه وسخريائه
وجاءت والدموع في عينيها وسألته : " ألن نعود ؟ " وقال لها وهو يكاد يبكى : " الله يفعل ما يشاء يانعيمة . من يدري ماذا سيحدث غدا ! ونظرت إليه نظرة حادة قلقة ، وأحس أن أجابته لم تعد إليها طمأنيتها ، ولكنه لم يجد ما يقوله وبعد أيام سافر إلي مقر عمله الجديد
كانت تفكر فيه وتجلس طويلا امام نافذتها المطلة على الطريق البعيد المؤدي إلي محطة السكة الحديد ، وتقول نفسها وهي تبتسم " سيعود من هذا الطريق ، وساراه
وأعرفه قبل أن يراه أحد "
وتقدم ابن عمها لطلب يدها فرفضت . أما حبيبها فكثيرا ماكان يفكر فيها ويشعر بالشوق اليها ولا تكاد تمر ليلة دون أن يضع صورها أمامه ، ويطيل التأمل فيها ، ويسأل نفسه من سيتروجها ليس بين أهل قريتها من هو جدير بها إلى " ثم يرفع وجهه نحو السماء ويسأل الله ان يمنحها الرجل الذي يستطيع ان يوفر لها السعادة والهناء

