نحن نذكر كل شىء . . وكيف لا نذكر ذلك وقد كانت تلك الفترة أسطع فترات حياتنا جميعا .
كنا أطفالا ، نسكن فى شارع واحد ، منازلنا متجاورة .
وكنا نقضى الوقت جميعا نلعب ونلهو فى الشارع أو فى أحد منازلنا . وكنا ذكورا جميعا إلا هى . . وهى بمفردها فقد كانت ملكتنا التى ترعانا وأهم جوهرة فى تاج حياتنا .
كنا أطفالا ، ولم تكن الفوارق الجنسية ذات معنى حينئذ ، فكانت مختلط بنا ونختلط بها ، ولكن مع ذلك كانت صلتها بنا جميعا واحدة .
ونشأنا معا جميعا ، وترعرعنا ، وما زلنا حتى الان نذكر ألعابنا ولهونا ونحن صغار . إن ذكريات تلك الفترة من حياة كل إنسان نبقى خالدة فى رأسه وفى قلبه وفى روحه ولا يمكن نسيانها أبدا .
ولم نكن نحن فقط الذين تجمعنا تلك الرابطة المقدسة رابطة الصداقة البريئة . . بل كانت عائلاتنا كذلك .
كانوا يقضون سهراتهم فى أحد المنازل ليلة وفى الثانى أخرى . . وكان سمرا لطيفا . . وكنا نجتمع بهم فى السماء ، نجرى ونلعب حتى يدركنا النصب .
وعشنا تلك الحقبة من حياتنا فى ذلك الشارع من أحد أحياء الإسكندرية الهادئة . . وأحببنا الحياة على هذا المنوال ، إذ لم تكن تقوم بيننا عداوة أو بغضاء ، اللهم بعض المشاحنات الصبيانية التى سرعان ما يزيلها ابتسامة أو لعبة جديدة .
وكان كل عام يمر فى حياتنا نتغير فيه ، تكبر أجسامنا ، وتتغذى أرواحنا ، وتعلو مداركنا عما كنا عليه فى العام الذى قبله . وقد كانت هى دائما ملكتنا وراعيتنا وتاجنا ،
فهى منذ طفولتها ذات شخصية قوية ؛ كانت تشاركنا لهونا فى تعقل ، وكانت هى التى تنصحنا بأن نفعل كذا وكذا ، وهى التى تسرع إلى أحدنا إذا ما مسه ضر أو أصابه جرح فهى التى تضمده ، وهى أول من تبكى إذا تألم أحد منا . . وهى التى تجمع قلوبنا إذا ما قامت المشاحنات بيننا . . وكانت تقول دائما :
- إنى سعيدة حين نكون كلنا مسرورين . فرحين . . إخوانا . .
وحقا لقد كنا إخوانا ، وما زلنا إخوانا . . إن تلك الرابطة المقدسة منذ الطفولة هى التى جمعت قلوبنا حتى الآن . . وستجمعها حتى نهاية أعمارنا . . فلم تتطرق إلى نفوسنا عداوة ولم تحتل افئدتنا أية بغضاء . . بل الحب والوئام والإخلاص دائما . . والفضل الأول فى ذلك إنما رجع اليها فقط .
وسرت السنوات . . وأحببناها جميعا . . أحببناها حيا خالصا . . كانت أول من نلجأ إليه حين ينغص حياتنا شىء . . وكانت همسة أولمسة منها تزيل كل كروبنا وتسعدنا . وكبرت هى كما كبرنا . . وقوى عودها كما قوينا . .
وبدأت تنمو فيها الأنوثة الحية . . فعلت وجنتاها حمرة تصبغهما كلما رفعنا أنظارنا إليها ، وامتلأ جسدها ، وبرز صدرها شيئا فشيئا . . وكانت تترك شعرها الأسود يتدلى على ظهرها فيزيدها فتنة وجمالا . .
فى تلك السن التى وصلنا إليها بدأت أبخرة جديدة تتصاعد من نفوسنا ، وشعرنا شعورا جديدا لم نكن قد جربناه من قبل فهذا شىء يتحدث فى نفوسنا ، شئء غامض كان كل منا يستمع إليه . . ولكنه لا يفقه معنى لما يقول ! وهذه قلوبنا بدأت تخفق خفقات غريبة ، ليست بخفقات الخوف أو خفقات الفرح أو خفقات الحزن . . كلا . . إنها خفقات أخرى لذيذة . . ولكنها هى
الأخرى غامضة ! وهذه دماؤنا تسرى فى عروقنا حارة . متدفقة . . قوية . . كأنها تيار النهر الجارف الذى يأتى على كل شىء فى طريقه فيكتسحه معه . . ولا تدرى فى أى مصب سيهوى به !
رفعنا أنظارنا إليها فى هذه السن . . فتخضبت وجنتاها بحمرة الشفق . . وأخفضناها فى إجلال وإكبار . . فتحدث ذلك الشىء الحامض فى نفوسنا ، وخفقت فلوبنا . . وسرت دموعنا حارة ! . وبدأنا نفهم كل شىء .
لم تعد تظهر كثيرا كما كانت من قبل . لم تعد تشاركنا اجتماعاتنا فى أغلب الأحيان كما عودتنا ذلك ، بل كانت تختفى فترات فتهفو نفوسنا إليها . . وتظهر فترة . .
فنسرع إليها وتقابلنا بابتسامتها المعهودة . ابتسامتها الطاهرة التى تعبر عن روحها وصفائها . . ابتسامتها التى تحوى الحنان والحب والعطف لنا جميعا . . ولكل منا فى درجة واحدة . لا زيادة لهذا ولا نقصان لذاك .
ولا أتحدث عما نشعر به من فراغ حين تغيب عن مجتمعنا . . أى فراغ وأى تفاهة شأن نشعر بها جميعا . . إنها النور الذى يسطع علينا فيبدد ظلمات نفوسنا . حين كانت تتكلم كنا ننصت إليها سامعين . لقد عودناها ذلك منذ طفولتنا . . لأنها ملكتنا ونحن رعاياها . . وكانت تشعر هى بذلك . . فكانت تعاملنا معاملة واحدة . . كانت ملكة ديموقراطية لا تفرق بين طبقات شعبها الأمين .
وكلما تقدمت بنا السن . . كلما ازدادت هى جمالا وزدنا لها إجلالا وإكبارا . . فغرمنا بها ، وبدأنا نشعر شعورا جديدا . أصبحنا نجد فى الاستذكار ويحاول كل منا أن يكون متفوقا على زملائه ، لاحبا فى العلم ، ولكن طمعا فى المستقبل الزاهر . . بحياة طيبة تسعده وتسعد أمله الذى يحلم به ويسعى إليه . . أمله . . بأن يكون هو الفائز بها . . بأن ينتصر . . فيستحوذ عليها لنفسه . .
ويتزوجها !
وكانت تلاحظ هى ذلك منا فشجعتنا بنظراتها وابتساماتها ولا تقول شيئا .
وأصبحنا نخشاها . كلما تحدثت إلينا شياطين نفوسنا بأن نحاول الاقتراب منها ، كما تدفعنا تلك القوة الغامضة الكامنة فى نفوسنا سرعان مانذكر تلك الحادث الذى وقع لأحدنا .
استلب الشيطان يوما عقله ، ولم يقدر على ضبط شعوره وساعدته الظروف على أن ينفرد بها يوما ، وإذ به يشرح لها هواه ويقبل يدها ويرجو أن تبادله عاطفة بعاطفة مثلها ، ولكنها نظرت إليه فى أسف وقالت :
- كيف يتسنى لى ذلك وأنتم سواء لدى . . لاأعرف كيف أختار أحدكم وأوثره عن الآخرين . . إن والدى هما اللذان سيختاران أحدكم يوما ما . . ولست أنا . . لأن شعورى نحوكم جميعا سواء .
وتركته يومئذ . . وفى اليوم التالى كنا جميعا حولها ، وإذ بها تتلو علينا ما حدث من زميلنا فيتندى جبينه عرقا ويكاد يبكى خجلا . . ولكنها قامت إليه وابتسمت فى وجهه ابتسامتها المشرقة وهى تقول :
- لا تؤاخذنى . . أنا فعلت ذلك لتكون عبرة لهم جميعا ! .
ومنذ ذلك اليوم ونحن نخشاها ونحاول ألا تجد تلك الهمسات فى نفوسنا طريقها إلى عقولنا !
وجعلنا نجاهد فى دراساتنا . . حتى يكتب الانتصار لأحدنا . . ولكن . . بينما نحن مندفعون فى هذه المعركة الطاحنة ، وفى هذا الجهاد النبيل . . إذ بها تمرض فجأة .
حين تلقينا الخبر جزعنا جميعا ، كان مرضها مرضا قاسيا . . وأسفنا لذلك . . وحاولنا أن نخفف من الأمر على نفوسنا بأن كنا نتوهم بأنها ستشفى سريعا . . وكنا
نرفع أكفنا بالدعاء إلى الله أن يرحمنا ويرحمها . ويشفيها . . لتعود إلينا . وترعانا . . وتضفى على حياتنا النور والسحر . ولكن المرض استبد بها . وقضينا ليالى مسهدة . حتى طلبنا رؤيتها وأجبنا إلى طلبنا .
ودخلنا عليها جميعا . نحن الخمسة الأصدقاء . . ووقفنا حول فراشها وكأننا نحميها من المرض ، ونقلت بصرها من أحدنا إلى الآخر حتى ميزتنا جميعا ، وسرعان ما انفرجت شفتاها الذابلتان بابتسامتها المعهودة . كانت هزيلة . . صفراء الوجه . . لا تقوى على النهوض . . ولكن ابتسامتها ما زالت مشرقة ذلك الإشراق الفاتن . وتحركت شفتاها تهمس :
- لا أدرى كيف أشكركم . وضحت دموعها على خديها . وقلنا فى صوت واحد : - نحن نرجو لك الشفاء وندعو الله أن يجاب دعاؤنا فهزت رأسها وإذا بالدموع تقع فى عيوننا جميعا. وتركناها يومئذ صامتين لا نتبادل كلمة واحدة .
وأحاطت بها قلوبنا فى مرضها ، كانت تدفع عنها أذى المرض ، ولكنها تجمعت يوما ما لتكون قوة واحدة ،
تجمعت لتخوض معركة أخرى جديدة ، وكانت ترجو أن يكتب لها النصر فيها لأنه خيل إليها فى بادىء الأمر أن ذلك العدو الجديد عدو هين . . ولكنه كان شرا وكان قوة . فهاجمها . . وتقدم فى ثبات . . وكانت قلوبنا تخر أمامه صريعة . . قلبا . . بعد قلب . . حتى الأخير . .
وإذا بالعدو ينتصر . وياله من انتصار ! كان هو الموت . . فأخذها غنيمة رابحة . . واستلبها فاستلب أرواحنا ونفوسنا !
ووقفنا صامتين يومئذ لا ندرى ماذا نقول . وتقابلت أعيننا ، وكان شعورنا واحدا . شعور الأسى والحزن . . وخيل إلينا أن الظلام قد غمر حياتنا جميعا . وأن قوة هائلة تعتصر قلوبنا فنجزع ونتألم صابرين ، ولكن عيوننا تنهمر منها الدموع مدرارا .
لقد عقدت ألسنتنا ولكنا كنا متفاهمين ، وسرنا يومئذ فى جنازتها . وحملنا نعشها على أكتافنا . . ووقفنا نودعها الوداع الأخير وجسدها يوارونه التراب . . . وخيل إلينا أن قلوبنا ما زالت تشاركها وأنها دفقت معها ولم يبق لنا شىء .
لا تسألونى عن أيامنا بعد ذلك . لقد تسرب الملل واليأس إلى قلوبنا ، وأصبحت حياتنا فارغة تافهة لا قيمة لها . فلم نعد نجاهد ونستذكر ونحاول التفوق والفوز والانتصار . أي انتصار لنا نسعى إليه ما دامت تلك القوة الجبارة قد هزمتنا وأذلتنا جميعا ، واستأثرت بها دوننا فلم تعد لنا آمال ولا أحلام !
ومرت بنا الأعوام ، وتقلبت الدنيا علينا بأحوالها ، وأجبرتنا الحياة على أن نسير فى ركابها ، واختلفت بنا المسالك ، واختلطت علينا الأمور ، وتوزعنا كل فى ناحية من النواحى ، وتطور كل منا حسب ظروفه وأحواله ؟ فمنا من تزوج ، ومنا من بقى أعزبا ، ولكن حين تجمعنا الظروف يوما ما لاندرى لماذا نشعر أنه مازال ينقصنا شىء ، شىء مهم جوهرى مكمل لأرواحنا نتفقده دون جدوى .
فإذا بأعيننا تتقابل فى أسى ، وإذا بشفاهنا تهمس بالدعاء إلى الله أن يترفق بها فى آخرتها كما ترفقت بنا
فى دنياها .
