لم أغير موضعى من ذلك المقهي الهادى عند منتصف المدينة ، فى تلك الزاوية اليمنى المعرفة على الشارع المزدحم بالعابرين كنت أستطيع دائما أن اتأمل الحياة فى صورتيها الرائعتين : الحركة والأمل ، تبدوان فى وقع كل قدم ، وعند كل عين ، وتشعان من كل وجه ، حتى تلك الوجوه المكتسية بالألم ، لم تكن تعدم ومضات الأمل فى الخلاص تشع من خلال الكآبة التى تعلو صفحتها .
ظلت كذلك عامين كاملين ، كنت فى خلالها أرى ذلك الرجل المعتوه بالملابس الزرية ووجهه المنغضن الشاحب ، وعينيه الضيقتين تومضان حريق غريب كنت أحار فى تعليل قوته . كان يمر دائما بين التاسعة والعاشرة ، ولم يخلف موعده يوما حتى أضحى مرورة أمرا عاديا بالنسبة إلى ، وأصحبت لا أعير مقدمه أى التفات .
كان يدخل من باب المدهى ويمر بين الصفوف ، ولا يعدم كل يوم شخصا يعرفه بين الجالسين فيحييه في محكمة جوفاء ، صحكه لا يبدو بينها وبين بريق عينيه الغريب أى صلة ؛ ثم يمضى مخترقا الصفوف غير عابئ بما يحيط به ، حتى يصل إلى نهاية المقهي فيفتح الباب الزجاجى ويقف على إفريز الشارع قريبا من منضدتى ساهما ثم ينظر إلى الطريق وقد اتسعت حدقتاه ، ولا يلبث أن يرسل محكمة بلهاء ، ونتمتم شفتاء كأنما يخاطب نفسه ، ثم يمضى فى طريقه .
كان ذلك بتكرر كل يوم ، فلا أذكر أنى جلست على المقهى فى يوم من الأيام بين التاسعة والعاشرة دون أن أرى هذا الرجل يكرر نفس العمل ؛ ولطالما انتبه إلى وجودى مخفض بصره ثم نظر إلي يحينى تحية غريبة لا تعدو رفع إصبعه السبابة إلي جبينه ثم خفضها متثنية فى حركة عصبية ، ولطالما أخذ جولته دون أن يعنى بأحد ، ساهما كأنما يفكر فى موضوع هام ، ثم يمضى فى طريقة ساهما كما كان ، حتى لتحبه آلة ميكانيكية تؤدى عملا محتوما لا تملك أن تحيد عنه .
كنت دائما انظر إلى هذا الرجل نظرة رئاء وعطف ، إنه واحد من هؤلاء الذين يهيمون فى الحياة محرومين من نعمة العقل ، ولا يعرف إنسان أهم السعداء أم نحن الذين نرثى لهم ونضحك من تصرفاتهم ؟
كثيرا ما أثارت فى نفسى رؤية ذلك الرجل هذا السؤال ، وكنت أظل دائما سائرا بين حكمة المجانين فى سخريتهم من العالم ,
وبلاهة العقلاء في الاحتفال به وما تكاد نزعة الرثاء لهذا الرجل تتملكي حتى تعالبنى فيها نزعة الغبطة له كمخلوق لا يحفل بالعالم ولا يعنى به , ولكنى لم أتردد طويلا بعد أن سمعت هذه القصة التى رواها لى أحد الأصدقاء ... ... ... ...
كنت آخذ مجلسى كعادتي قبيل التاسعة ، حين أقبل صديقي زكى . أحد أطباء وزارة المعارف فى الأرياف ، وكان سرورى . عظيما . فلم أكن قد رأيته مذ كنا نعمل سويا فى إحدى ضواحى القاهرة ، فكان هو طبيب المنطقة ، وكنت أنا ممثل النيابة بها وقضينا إذ ذاك أوقاتا سعيدة ، لم يكن بد أن تتذاكرها وقد التقينا الآن ... ...
وأخذنا الحديث عبر الأيام ، وعشت مع صاحب خارج تلك الجلية التى تقصرنا من الشارع ومن داخل المقهى ، ومرت ساعة كاملة لم انتبه خلالها لما حولى ، وإذا بصديني بنهض فجأة وهو يقول متهللا :
- أهلا وسهلا بالدكتور سعيد . . . ازي صحتك يا راجل ؟ والتفت بدورى لأرى ذلك الضيف المفاجئ ، فلم أجد إلا ذلك المعتوه مقبلا من داخل المقهى ومتجها نحو مكانه المعهود إلى جوار منضدتي ، بينما وقف صديقى أمامه وأخذ بيديه يهزهما بحرارة وشوق ، مرددا ألفاظ التحية والترحيب ، على حين ظل صاحبنا جامدا كأنه تمثال ، لم يبد عليه جديد إلا لمعان دمعة تترحرج عند حالة عينيه فى قلق ، كأنما تشفق أن تغادر مأواها ... ...
وطال وقوف صديقى مع الرجل ، وتتابعت أسئلته دون أن يحظى بجواب ، ومرت اللحظات ثقيلة بقبضة على نفسى ، فقد كنت أتلهف لمعرفة سر هذه الصداقة بين صديقى وذلك المعتوه وسر تسميه بالدكتور وترحيبه به مع ذلك البرود الذى بقاء . . . ومضى الرجل بعد لحظات دون أن يغير شيئا من خطته ! وقف إلي جوار المضدة ، ونظر نحو الشارع ساهما ، ثم أرسل ضحكته البلها ء، المخيفة ، وحيا زكى ثم سار مخترنا الطريق ، ولم أكد أفتح فمى بالسؤال حتى ابتدرنى زكي قائلا :
- ماذا ؟ ألا تعرف الدكتور سعيد ؟ !
وقلت مستوضحا :
- هذا المعتوه دكتور ؟!
ولم ترق زكى لهجتى ، فقال فى امتعاض :
- إنه ليس معتوها ! إنه دكتور : الدكتور سعيد كان من خيرة أطبائا الجراحين وأميرهم ، لولا ما أحاط به من ظروف لكان اليوم علما من أعلام الطب فى مصر ... إنك لتتكلم كما لو كنت تجهل ما حدث له !
وحاولت أن أذكر شيئا سمعته عن شخص بهذا الاسم ، فلم تسعفنى الذاكرة ، فقلت :
- كل ما أعلمه عن هذا الرجل أنه معتوه يحضر كل يوم لزيارة القهوة ، هذه الزيارة السريعة ، ثم يمضى فى سبيله كما رأيته ... ...
وتمهل زكى ، وبدا على وجهه التأثر وهو يميل عينيه فى المكان ، ثم قال فى صوت شاع فيه الأسى والحزن :
- أجل ! هذه القهوة ! منذ أربعة أعوام ، وفى هذا المكان حدث المأساة . إن من حقه أن يزوره لعله بذكر القاضي . . هنا ، وحول هذه المنضدة كنا نجلس ، كان إذ ذاك قد قال شهرة واسعة كمراح ماهم ولم يكن فى مصر كلها من لا يعرف الدكتور سعيد عبد الواحد بعد أن قام بمخاطرته الجريئة ، ووقف وجها لوجه أمام ستة من أعظم أطباء مصر معارضا لهم ومصرا على إجراء عملية جراحية لكريمة الثرى الكبير لإسماعيل باشا توفيق ، بينما كانوا يصرون على أن هذه العملية مخاطرة فاشلة . ولكنه مع ذلك استطاع أن يقوم بها بعد أن وضع شرفه ومستقبله كطبيب ضماننا ، وقد ساعده على تنفيذ رأيه صديقه ابن إسماعيل باشا نفسه ، إذ كان يثق به كل الثقة ، فأمكنه أن يقنع والده بالأخذ برأى الدكتور سعيد .
أجل . كانت مخاطرة حقا ، ولكنها نجحت ، فقد شفيت الفتاة ، وأصبح اسم الدكتور سعيد على كل لسان ؟ وأمر فى عام واحد إلي الصهرة ، وتوالت عليه بعد ذلك مظاهر التقدير ، فتح الدرجات العلمية فى مصر ومن الخارج ، وكانت القاهره التي تميز ما قاله من السيرة إجماع الناس على تغلب الناحية الانسانية عليه فى حياته العملية . وفى الحل كان سعيد - كما عرفاه جميعا - زهدا فى كل نقع مادى ، فلم نعرف وما السبيل إلي إقتاعه بالادخار . ولطالما كنت أتحدث إليه فى شتى الشئون ، فكانت تروعى منه دائما عبارات الزراية بالمادة ومن ييجعلوها أساسا لعملهم . ولطالما يدعى اشمئزازه من هؤلاء الذين يحرصون على ومصاهرة ذوي النفوذ أو الأثرياء طبقا في مكانتهم أو ثرونتهم ،
وكان يضرب المثل بنفسه ، فيعبر إلى أن أمينته الوحيدة أن يوفق إلى فتاة من أسرة متواضعة يستطيع أن يرتفع ويرفعها مع بمجهوده هو . ولطالما ضحك منا حين كنا نعرض عليه مصاهره أسرة كبيرة ، قائلا ببساطة :
أنتم عاوزين تجوزونى البنت ، والا الخمسمائة فدان بتاعة أبوها ؟ !
ذلك كان مجبا ، بل لا اكذب إذا قلت إنا لم نصدق أول الأمر من نقل إلينا نبأ زواجه من ابنة السيد بكعمران ، ذلك الرجل الذى يعرفه الجميع بثرائه . ونزاهته فقط ، فقد قفز إلى الثروة فى خطى بشك فيها الكثيرون ، ولم تكن نسمع أو نعلم بأى . صلة بين الدكتور سعيد وبنته .
كانت مفاجأة لنا أن نسمع بنبأ ذلك الزواج . ولقد احتجب سعيد عنا فترة من الزمن فلم يعد إلي مجلسه منا إلا بعد زواجه بأكثر من شهرين ، وحين عاد لم يكن كما نعرفه . لقد اغلب فى هذه الفترة الوجيزه من ذلك الشاب المرح الباسم القوى الثقة بنفسه وبالحياة إلى مخلوق آخر تراكمت فوقي رأسه أعمال الهموم ، فاخفض ذلك الرأس قليلا، وبدا كأنما قد تقل على كتفيه ، وحل
محل الجبين المنسرح الطلق ، جيبين ملتق ينم على اليأس والحزن ، وأصبح وجهه ستارا شفافا يتم عن قصة ألم هائل يوشك أن يرتفع عنها ذلك الستار .
لم تجرؤة فى أول الأمر أن تسأله عن شئ . كنا نلحفظ هذا الهم البادى على وجهه ، وكانت ابتسامة التى يحاول أن يخفى بها ما يبدو عليه أكثر دلالة على هذا الحزن من تجهمه ، كانت ابتسامة ابتسامة مقتضبة تثير الرثاء ، سريعة كأنما كانت لا تطبق نفسه ما تحمل من خديعة ، فتقتضيها ليعود وجهه إلى حاله من الكأبة ، ولتعود عن إلى حيرتنا فى أمره ، وإلى ذلك القلقق الذى تحسه محاولين أن تفهم شيئا عما ينغص حياته .
على أن حيرتنا لم تطل كثيرا ، فلقد بدأ سعيد يضيق بما يحمل من هم ، وأخذت ثقلت من بين شفتيه عبارات السخط على الزواج والحياة الزوجية .
كان أول الأمر يتحدث عن الزواج حديثا عاما ، وكنا تتساعى أن نثيره برغم اعتقادنا أنه إنما يشير إلى زواجه , وان كلمات التبرم والسخط ، واتنفاس الزواج ، لم تكن رأيا عاما بقدر ما كانت اصداء لنفسه ولأحاسيسه .
وجاء مساء طالت جلستنا فيه إلى منتصف الليل ، وأخذت طريق منه بعد السهرة على أن يوصلنى إلى منزلى بسيارته ، ولكننا لم نكد نمضى فى الطريق حتى اقترح أن نقوم بجولة على شاطئ النيل عند الجزيرة ، وهناك جلسنا نراقب التقاء السماء بصفحة الماء عند الأفق ، وفى هذا المكان قص على قصة زواجه ...
أدركت فى هذا المساء لم يتزوج صديقى بابنة عمران بك . لقد كان زواجا غير موفق أعلنة ظروف قاسية كان لا بد أن يخضع لها ... ...
كان أبوه مدينا لعمران بك بمبلغ ضخم ، وكان قد طال الأمد بهذا الدين ، فتراكمت أرباحه حتى زادت عن ضعفه ، وأصبح أبو سعيد مهددا بالافلاس ، وأضمحت أى مطالبة من عمران بك تكشف موقفه وتؤدى ، إلى الخراب ، إذ كانت أعماله التجاره مرتبكة إلى حد يجيد ... ...
وفى الوقت الذى كان شبح الخراب يحلق فوق الأب باسطا جناحيه كان الابن يقفز نحو الشهرة بخطى جبارة ، ويتخذ اسمه مكانه بين أطباء مصر الممتازين رغم حداثته ، وكان إلى ذلك وسيم الطلعة موقور الصحة . ولعلك تدرك أى حلم جميل يكون مثل هذا الشاب فى خيال الفتيات .
لذلك لم تتخذ المساومة وقتا طويلا . وكان زواج الدكتور سعيد عبد الواحد بأبنة عمران بك صفقة رابحة لا تقل شأنا عن أعظم صفقة عندها ذلك الثرى فى حياته المخفوقة بالشكوك . ولم تذهب ديون عمران بك عبثا ، فقد كان مصير ثروة مدينه إلى ابنته وزوجها . كانت الصفة رابحة حقا ! لقد اقترن اسم ذلك الثرى باسم نظيف لأول مرة فى حياته . وقد يهمك أن تعرف أن والد
الدكتور سعيد استفاد فعلا من هذا الزواج ، فقد استطاع أن يسترد مكانته المالية ويسرع فى سداد دينه .
إنما كانت الضحية الوحيدة التي قدمت قربانا على مذيج التاجرين الكبيرين هي سادة سعيد وهناؤه ، فلم يكن هذا الزواج موفقنا بالمرة ، ولم يكد يمضى الشهر الأول حتى بدأت مظاهر الأختلاف فى الميول والأخلاق تبدو بشكل واضح ، وزاد الأمر سوءا ما كانت تعتقده الزوجة من حرج حالة والد سعيد ، وإيمانها بأن أباها هو الذى أنقذ هذا الوالد من الدمار . ومن حقها ، ومن الوفاء لهذا الجميل ، ان يصبح سعيد لها أكثر من زوج . أن يصبح دمية لمتعتها فقط .
كان أول ما اختلف عليه الزوجان هو العمل . فالدكتور سيد كتاب يبنى مستقبله فى حاجة إلى كل دقيقة من وقته يصرفها في هذا البناء ولابد له أن يضع وقته - حتى لحظات راحته - في خدمة مهنته وواجبه أيا كانت ظروفه .
وكان ذلك لا يتفق وزوجة ثرية لا تنظر إلى شئ إلا بمنظار الثراء ،
كان فى دمها خلق ذلك الوالد الذى اثرى بغير حساب ، وفى مفاجآت تثير الريبة . وأمل أصدق وصف لها أنها كانت محدثة نعمة لم يجد سعيد لديها ما يطلب وما يطلبه شاب يعمل فى حد ونشاط . كان فى حاجة إلى ذلك الركن الهادى ، إلى عش الزوجية
كما يتخيله شاب ، ولكنه لم يجد عشا لمزوجية ، وجسد جحيا ينتظره بعد أن بدا فى الأفق شبح الخلاف . أوقدت بيدها ذلك الجحيم ، وكان عليه وحده أن يحتمل لظاء ، أما هي . لقد كانت بعيدا عنه . هناك فى حياتها الثانية التى تحياها في رحاب مالها الواسع وجاهها العريض . لو غير سعيد لوضع حدا لهذه الحياة بالطلاق . ولكن كيف ؟ ووالده ؟ أجل ! ماذا يفعل والله لو حدث الطلاق ؟
لقد قبل التضحية من أول الأمر ، وعليه أن يحتمل إلى النهاية . أمر آخر كان يرغمه على البقاء في هذا الجحيم ، إن الطلاق فى نظره لم يكن حلا ، كان يحس أنه طمنة فى مستقبله قد تسيئه ، فلم يفهم الناس أبدا أنه طلق زوجته إلا لأسباب غير الواقع ، هكذا شأنهم دائما في تعليل كل شئ . ومن يدرى أن يكون أحد هذه التعليلات أنه أدار صفقة قذرة لينفذ والده .
كان جوابه كلما حدثنى عن شقائه فى تلك الزيجية ، وكلما أشفقت عليه فالتمسست له مخراجا فى الطلاق ، أن يرفض ما أقترح بشدة ، فإذا ما خيم علينا سيكون اليأس سويا تم في لهجة حالمة : - أمر من اثنين . لا بد أن يموت أحدنا ليسعد الآخر أنا ، أو هى . ذلك هو الحل الوحيد .
ومرت بعد ذلك شهور استحال سعيد خلالها إلى كتلة من أعصاب مشتملة مهمتنا دائما أن غطب من حدة اشتعالها ، استحال بأسه إلي كره شديد لزوجته ، وتجسم ذلك الظلام الذى يخايله . المستقبل مع هذه الزوجة إلى حاجب كثيف تبلور حتى أضحى لايرى
غيركان هو الحقد على هذه الزوجة إلى أبعد حدود الحقد . فكان يودعنا وهو يؤوب إلي منزله كما يودع المحكوم عليه أصدقاءه فى طريقه إلى السجن .
ولم يجد عليه على مر الأيام شئ غير تلك الصورة القائمة لأملة الوحيد في الخلاص . أصبح لا يري سبيلا لخلاصه غير وفاتها , ولا يجد عضاضة فى أن يتمنى لها هذا المصير ، ولطالما كان يردد وهو يلمح السيارات تعبر الشارع جيئة وذهابا : - هذه السيارات ، إنها تدهم كل يوم عشرات المساكين ؟ ما لها تعمى عنها ؟ إنها تخرج كل يوم ؛ كل مساء في سينما ؟ وكأنما يستشعر اليأس من هذا الأمل البعيد ، فيتقل الى آمال اقل تواضعا وهو يردد :
- وهذه الأمراض التى تسخر من الطب وتقهره ، ألا تعرف طريقها إليها ؟ إنها تخطف آلاف الناس فتقتل آمالا ! مالها لا تحمى أملا واحدا ؟ !
كما ترجف أحيانا ونحن نسمع تلك الآمال البشعة تخرج من بين شفتى سعيد ، ذلك الشاب المرهف الاحساس الطيب القلب ، ولم يخالجنا الشك يوما أنها اصداء نفس ثائرة لا يعدو أن تنبخر . ولا يلبث أن يصقله الألم او اليأس فيركن إلى الاستسلام ، وتتخذ حياته صورة الألاف من الأشقياء بحياتهم فى كل مكان .
وذات مساء جلسنا إلى مكاننا بالمقهي وبننا سعيد ، وأخذنا تدبير الحديث حول كل ما يعنى لنا من خواطر . وأوشك سعيد أن يؤوب إلينا من خواطره السوداء ، حين حان منه التفاتة إلى عرض الطريق ، وبدا لنا كأنما لمع شيئا آثار اهتمامه ، فأدرنا ابصارنا حيث ينظر ، ولم تكن قد تبينا شيئا بعد حين انطلقت منه صيحة مدوية ارتعدنا لها ، وقال فى جنون :
- هى ! هى ! يا ساتر يارب . حاسب !
ولم يتم كلامه ، أو لعله أتمه ، ولكنه ضاع فى حنايا صرخة مفزعة هائلة ، أعقبها اصطدام ، واختلطت الأصوات ... ... حدث ذلك كله فى سرعة البرق ، فهرعنا مأخوذين لنرى ما الخير ، فوجدنا جسما آدميا ممدودا على وجهه فوق الأرض وقد جحظت عيناه . . كان جسم امرأة ، وكان تفصيل الحادث واضحا من سبل الدم الغزير المتجمع حول الرأس فى هالة حمراء رهيبة ... لقد كانت هي حقا ؟ كانت زوجته التى رآها مندفعة تجتاز الطريق ... ...
كل ما رواه التحقيق أن الحادث كان قضاء وقدرا ، فقد عبرت الشارع فى اندفاع ، على حين كانت إحدى السيارات تجتازه فحال الظلام وإسراع السيارة دون تلاقى الصدمة الرهيبة التى أودت حياتها ... ...
ظل ذلك التعليل هو التفسير لهذه الفاجعة ، وكنا ونحن نواسى سعيدا في مصابه تحس على من الأيام إحجامه من هذا الحديث وإعراضه . ولقد كنا نوشك أن ننس مع الأيام مصابه لولا أن هذا الاحجام تحول أخيرا إلى صمت عجيب ... الى ذهول
لا يدع مجالا للشك فى انصراف عقله إلى التفكير في أمر بعينه ويقلق باله . . .
ولقد كان يخالجا الشك أحيانا في أن يكون سعيد قد استراح لهذه النهاية ، ورضى عن هذا المصير لزوجته حبا لنفسه ، ولكن هذا الذهول يا أمره ؟ إنه ليس مظهرا من مظاهر الرضى ولا مظهرا من مظاهر الحزن ، إنه لم يكن يحبها للدرجة التى يذهله الحزن لفقده إياها ، ولا هو بالانسان الميت الشعور ليرضى عن هذه الميتة لها ، وإن كان قد تمناها يوما لفرط يلأسه ...
تجنبت أول الأمر أن أسأل سعيدا سر هذا الذهول ، حتى كان يوم ذهبت فيه إلى المقهى مبكرا ، فوجدته جالسا وحده ينظر إلى الشارع بنفس الوجوم الذى اعتدناه منه ... ...
وحانت الفرصة فسألته : إلى متى سيظل على هذه الحال ؟ وكأنما كان يترقب هذا السؤال ، فقد أجاب مسرعا :
- إلى الأبد طبعا . . إلي أن أموت كما قتلتها ... ... وسألته مدهوشا :
- قتلتها ؟ ولكن ما ذنيك أنت ؟ ألم تذهب ضحية حادث لا دخل لك فيه ؟
ونظر إلى فى شك وارتياب ، ثم قال :
- لا دخل لى ! أنت تعرف جيدا أنى أنا القاتل ، بل كلكم تعرفون ذلك ، كما أعرف أنا
وقلت فى انزعاج :
- أنت ؟ لقد كنت جالسا معنا . . ما الذى أصاب عقلك .
- عقلى ؟ إنه هنا فى مكانه . لا يمكن أن تبرحه هذه الحقيقة . أنا الذى دفعتها إلى هذا المصير . لقد كانت تسير فى طريقها ولم تحاول اختراق الشارع إلا تحت تأثير نظراتى الممتلئة حقدا وكراهية ... يا له من انتقام دنئ ... يا لى من نذل !!
لقد ضاعت كلماته التى أرسلها بعد ذلك سخطا على نفسه فى موجة متدافعة من النشيح ... كانت عبراته تتساقط خلالها فى غزارة وحرارة ... ...
وشعرت بحرج الموقف ، ولمحت الأنظار ترقبنا مستفسرة عن ذلك البكاء ، ولم يكن أحد من أصدقائنا قد أقبل بعد ، فأخذت بذراع سعيد وسألته أن يرافقنى .
وفي هذا المساء حاولت ما أمكنني أن أسرى عنه ، وأخفف ما ينوه به من هم فلم أفلح . كانت قد تجسدت فى رأسه عقيدة لا تتزعزع فى أنه قتل زوجته ، قتلها على الصورة التى اختارها لقد رسم لها هذا المصير فى خياله وجذبها إليه بقوة إيحاء لا يمكن مقاومتها . .
حاولت ما أمكنى أن أسفه له هذا الرأى ، وخيل إلى أخيرا أنه أوشك على الاقتناع ، وانه بسبيل نسيان هذا الحاطر الذى يلوء ضميره , ولقد أوصلته إلي منزله ، وشعرت بشئ من الراحة
وأنا أصعد درجات السلم فى منزلى ، إذ أمكنى أن أجعله يقضى ليلة بعيدا عن هواجسه وخواطره السوداء.
ولكنني استيقظت فى صباح اليوم التالى على جرس التليفون دق فى منزلى ، وإذا بأحد أصدقائى يقص على نبأ محاولة الدكتور سعيد الانتحار ، وانه ترك لأسرته رسالة ذكر فيها أنه لا يستطيع الحياة ، وشبح الجريمة يطارده فى كل مكان ، فهو وجد المسئول عن قتل زوجته وهو الذى ظل يطاردها بخواطره وقوة إحاله حتى خضعت لسلطان فكره الملح الحاقد ، واستجاب لحواسه فعبرت الشارع وتسمرت أقدامها فى منتصف الطريق , حين التقت عيناهما وأملى عليها ما يريد ، فماتت تلك الميتة الشنيعة .
... ... وسكت صديقى زكى لحظة كأنما يستعيد صورة ذلك الماضى ، ولكنى لم أمهله ، بل سألته فى غفلة :
- وماذا حدث بعد ذلك ؟
وأجابنى فى مرارة :
- حدث ما تراه الآن ... لقد أنقذ الطب سعيدا ، ورد له بعض الدين فشلت محاوله الانتحار ولم يمت ... لكنه عاش , كما رأيته الآن ... ...

