قالت: - ليتنا كنا مثلها ثم تنهدت في حسرة، فأجبتها في حيرة:
مثل من ؟ - مثل هذه الخلايا الداوية في طنين متواصل . . مثل هذه المخلوقات السعيدة . . مثل هذا النحل . .
ثم أشارت بيدها إلي خلايا النحل القائمة أمام دار مضيفنا القروي.
قلت : - أو سعيدة هي حقا ؟ : . . إنما نحن الذين نقابل بينها وبين أخيلتنا وأحلامنا فتراها هانئة سعيدة . . من يدري ؟ ! لعل طنينها بكاء، بل لعله ضحك، بل لعله غير هذا وذاك ؟ ! . . آفة الانسان أنه دائما يحاول ان يصبغ كل مظاهر الوجود بصبغة البشرية، ويصور له غروره أنه في مكنته أن يزن كل ما يمتلي به الكون بمعاييره الإنسانية ؟ ! . .
فقاطعتني قائلة: - لست أقصد هذا، ولكنى
ثم نظرت إلي وهي تخفي ابتسامة لاحت على شفتيها الدقيقتين، واستطردت قائلة:
- لكني أعجب بمهارتها في تخلصها من الذكور . . آه لو خلقنا كهذا النحل ؟:
قلت : - لكنتن أوسعتمونا لسعا وإيلاما . . لا، إني لا أحب أن أخرج على إنسانيتي ولا أرضي عنها بديلا.
وصمت برهة وعدت احاورها: - تخيلى الدنيا وقد خلت من الرجال تخيلى هذه الأرض المنبسطة الفسيحة الرحبة، وهي تغص بكن فقط ! تخيلي
قالت: - حلم ليته يتحقق.
صاح مضيفنا القروي، وهو مقبل مع جمع من اصحابه وصويحباته:
- أي حلم هذا ؟ نهضنا قائمين، فلم نكن قد شعرنا بوجود هؤلاء المتطفلين على حوارنا ؟ ! نهضت وقد اصطبغت وجنتاها بحمرة جميلة، ونهضت وأنا اقول:
- حلم الخلايا، والنحل، والشهد . . كنا نحلم ان نحلك قد استحال . .
ونظرت إلي صاحبتي فوجدتها بحدق النظر في شدة، وتعض على شفتها السفلى بطرف اسنانها الصغيرة البيضاء، كأنها تطلب مني ألا أعيد حوارنا ثانية.
فابتسمت ثم استطردت اقول: - كنا نحلم ان نحلك قد استحال . . استحال . . أجل استحال . .
فصاحوا بي جميعا في صوت واحد. - انطق ! قلت:
- قد استحال . . فصاح بي مضيفي: - قد استحال خمرا بالعين ؟ ! . لعلك أسرفت، فلعبت الخمر رأسك.
فهززت رأسي معترضا، و ضحكت وأنا أقول: قد استحال بشرا سويا، يتساقط الشهد عذبا حلوا من أفواه إنائه، ثم تثني إلي الذكور ذبحا وقتلا، ويخلو العالم إلا من . .
عبس الرجال في تجهم وهم يصبحون: - حلم مخمور:
علا صوت مضيفي من وسط هذه الضجة القائمة: - هذه الخلايا كلفتني كثيرا. فصحت به ، ونحن منطلقون شطر النحل: - يا صاحبي، رأسك كخلاياك ! قال: ماذا تعني ؟
قلت: - إنه يطن بالمال، ووسوسة الحلى والشيطان . . دنياك طنين طويل . . صخب وضجة . .
فابتسم ومضى، ولم أدر ما يرمي إليه بابتسامته الباهتة . . وقفنا على مقربة من الخلايا، وراح صاحب القروي يلقي علينا محاضرة طويلة مملة في النحل ومزياه وطباعه وطرق استثماره و . . و
فضقت ذرعا، وصحت: - لقد ملأت أذني بطنينك.
فابتسم ومضي . . ووقف بنا تجاه خلية كبيرة، وانطلق يتحدث: هذه السلالة . . سلالة ممتازة . . و .
فاقتربت منه، ونظرت لاري ذلك الصنف الذي يتحدث عنه فهمس بى:
- ألا ترى هذه النحلة الجميلة الهائمة هناك ؟ قلت مازحا:
- أجل، أم تراني أعشي مثلك لا أري ؟ فقال:
- إنها من ذلك الصنف الذي اتحدث عنه، واغرب ما في هذا النوع من النحل أنه لا يلسع.
فصحت بصاحبتي: - ها هي ذي أنثى لا تلسع. واستطرد مضيفي:
- وهي فوق ذلك لا تجمع رحيق الأزهار إلا في حمرة الشفق.
قلت: - يا لها من فنانة: ووقفت أتأملها وهي تطير لتهبط، وتهبط لتطير، وألهتني مشاهدتها عن رفاقي فانطلقوا وتركوني.
ولم أدر إلا وأنا أمد يدي إليها هامسا بها. - تعالى يا شاعرني الرائعة، أى فنانتى الساحرة . .
ففزعت النحلة وانطلقت عني بعيدا، فاحتلت عليها حتى أمسكت بها، وما كدت أفعل حتى صرخت، لا، لم تلسعني هذه الأنثى، ولكني لم ألف قبل ذلك سير هذه الحشرات المخيفة في راحة يدي، وتلفت حولي فبصرت برفيقتي واقفة على مقربة مني وهي تقهقه ضاحكة في مرح.
