الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 157الرجوع إلى "الثقافة"

قصة مصرية, خروف العيد !

Share

هذه الأسرة . . . . كانت عجبا بين الأسر

ولدان لم يخلق الله مثلهما غباء وجفوة خلق

وفتاة هي إعجاز في الدمامة ، واية في سلاطة اللسان .

وأم أجمع أهل الحي علي أن زوجها من بين خلق الله سيدخل الجنة بغير حساب ولا سؤال ، إذ يكفيه ان يقول يوم الحشر : إنه عاش معها عشرين عاما ، لتغفر ذنوبه وتمحي سيئاته.

وكان هو يرعي هذا القطيع وحده ، دون ان يشكو أو يتضجر ، صابرا ساكنا كأشد ما يكون المؤمن صبرا على البلوي ، وإيمانا بعدالة السماء

كان يعمل كانيا باحدي المصالح ، ويتقاضى مرتبا لا بأس به وكان لا يشرب مع الماء إلا تلك الالوان من مرارة العيش تسقيها له زوجته اولا ، ثم زوجته وأولاده ثانيا . ولكن مرتبه مع ذلك ظل دائما مشكلة المشاكل ، فما يكاد أول الشهر يقبل حتى يتهيأ لساعات الحساب الطويلة تنهال عليه فيها الاسئلة طورا والطلبات طورا ، ولا يكاد المساء يقبل حتى يكون اخر ما يملكة من مرتبه قد مضى بغير رجعة ، وبقيت له بعد ذلك الحسرة عليه ، وكلمات التأنيب المر من الزوجة تشكو مصيرها المظلم وحظها التمس ، ومن الاولاد يضجون بالشكوي من إهمالهم وعدم العناية بمطالبهم ، حتى الفتاة لم تكن ترضي ، فلطالما تمتمت بألفاظ تم عن التحقير لهذا

الزمان ، الذي جعلها ابنة لهذا الرجل الذي لا يتسع مرتبه لشراء ثوب جديد كل شهر ، ولئن اتسع مرتبه ذات مرة لشراء الثوب ، فهو عبرة العبر بين الأباء ، إذ يشتري لابنته ثوبا ولا يشتري معه حذاء يلائمه ، وجوربا يخفي من سيقانها ما افسدت الطبيعة .

كان برعي هذا القطيع الضال وحده بلا نصير ولا معين ، لم تكن هناك أيه بارقة أمل في ولديه ، فقد نشا لا يبشران بخير ، ولا يتم وجهاهما عن فلاح ؛ فأكبرهما ما كاد يدخل في سلك التعليم حتى انهالت على أبيه الشكوي من كل جانب ؛ فالمدرسون يضجون من غبائه وشراسته ، وزملاؤه الصغار ليس منهم من لم تترك فظاظته أثرا في وجهه أو يديه أو ساقيه ، وناظرة الروضة لا يمضي أسبوع دون أن تستدعي الوالد لتأنيبه على تقصيره في رعاية ولده والعناية به وما كان الوالد ليقصر أو يهمل أما الولد الأصغر فقد كان سر أخيه ، ما كاد يخطو إلي روضة الأطفال حتى كان أخوه قد وصل إلي الدراسة الابتدائية ، وحتي كان يقيم المدرسة ويقمدها بما يثير من مشاحنات ومشكلات ، وحتى كانت الاخت تودع باب المدرسة غير مأسوف عليها إلى غير رجعة مشيعة بخطاب يؤهلها للبقاء إلى الايد بين جدران سجن الأحداث ، لكى تقر في المنزل إلي جانب أمها هما جديدا يثقل على أكتاف الأب المسكين

ظل يرعي هذا القطيع أعواما ، ساعات الراحة من هذا العناء هي ساعات عمله بعيدا عن المنزل ، هناك كان يتناسي إلى حد ما ان له زوجة واولادا ، وينصرف إلي عمله في جد ونشاط ، لا يتيح لنفسه لحظة راحة واحدة لئلا يذكر أن زوجة وأولادا . حتى إذا أقبلت ساعة الانصراف من العمل مغني إلى المنزل ، وذهنه يرسم لشقائه المقبل صورا رهيبة مفزعة ولكن

صورة واحدة من هذه الصور لم تضارع الواقع هولا وبشاعة

كان مثلا يتخيل أنه سيدخل المنزل فيجد الزوجة صارخة معولة تشكو شجارا نشب مع الجيران ، كانت فيه البريئة المضطهدة ، ويجد ابنه الاكبر جالسا إلى جوار امه مطرودا من المدرسة لاعتدائه على زميل ، بينما يشكو الصغير ويبكى لجرح دام شج رأسه اصيب به وهو يتسلق إحدي مركبات الترام ، وعليه أن يحل هذه المشكلات ، وحده فيسوق الجيران اسري حرب إلى زوجته يلتمسون منها الغفران ، ويعيد الابن إلى المدرسة معززا مكرما يسير في ركابه الناظر والمدرسون ويهتف باسمه التلاميذ ، ويشفى جراحات الابن الأصغر فيجمله لا يحس الما ، ولا يتحسس جرحا ، فان لم يفعل فهو ليس برجل ولا رب أسرة

وكان الواقع دائما يخيب هذه الأحلام ، فلا يجد مثلا الا كارثة بسيطة ، فالام لم تتشاجر ، ولا الابن طرد ، ولا الصغير جرح . كل ما حدث ان ابنته سبت زوجة الجار سبابا يقذف بها إلي أبواب المحاكم ، فلم يطق الزوج صبرا ، ولم تحاول الام اعتذارا ، ورفع الامر إلى القضاء ، وعليه وحده أن ينتظر حكم القضاء

وكانت مشكلة المشاكل في حياته دائما تلك الفترة التي تسبق الاعياد ، فما من فرد في اسرته إلا وله مطالب فالملابس الجديدة أمر لا مفر منه لكل واحد حتى الأم ولابد من استنزال الرحمة على اجداث هؤلاء الأبطال الذين انجبوا تلك الام وتفننوا في إنجابها . ولا تنزل الرحمة إلا محمولة على اقراص الفطائر واطباق الكعك . ولا تغزر الرحمة إلا إذا غزر السمن وطاب الدقيق وحلا السكر وزاد القدر ، وليس حق منه بعرفان قدر هؤلاء الأبطال واستنزال الرحمة عليهم ، وهو الذي اختصه الله

دون عباده ينتاجهم البارع . .

فإذا كان عيد الأضحى فقد أضيفت إلي المطالب حاجة لابد منها هي خروف العيد ، ولا بد ان يشرف المنزل قبل العيد باسبوع ليملأ بصياحه ارجاء المنزل ، وليشعر من لا يشعر ان هناك خروفا طويل القرن مثقلا بالشحم واللحم ، غليظ الصوت والجثة ، وان هذا الخروف في شقة السيدة المحترمة

إنه ليحقق دائما هذه المطالب ، يحققها مهما تكلف من عناء ، ظل يحققها حتى حين تعددت ابواب الصرف وتنوعت بين تكاليف المنزل ومصروفات المدارس ، وحتى حين ارتفعت تكاليف العيش . جاء خروف العيد قبل العيد بأسبوع ، وقضي قبل العيد أيضا

خرج في الصباح وقد وعد بإحضاره ، وذهب إلي محل عمله حيث استأذن من رئيسه ، ومضي بذرع الشوارع باحثا عن الخروف .

كان ما يملكة من حطام مرتبه جنيهن ونصف جنيه هي كل ما بقي له ، وكان قد عزم على ان يشتري الخروف في حدود جنيهين ، ويدخر النصف الباقي لما يجد من مطالب ، فأعياه البحث دون ان يصل إلى غرضه : خروف سمين ثرثار بجنيهين ! تري اين يجد غرضه ؟

كلت اقدامه من السير ، وصدئت آذانه لكثرة ما سمع من سخرية البائعين وتعسفهم ، منهم من ينصحه في خبث ان يشتري زوجا من الفراخ ، ومنهم من يعنفه لاقدامه على المساومة في ثمن خروف وهو لا يملك ما يشتري به عنزة مريضة ، ومنهم من يترفق به ويشفق عليه فينصحه بالعدول عن شراء خروف والاكتفاء بأرطال يسيرة من اللحم تسد حاجة الأسرة

ارطال من اللحم ؛ وما الذي يبعث الصراخ في المنزل إن لم يشرف الخروف بجلده وصوفه ؟

لم يتردد عقله فى رفض هذا الاقتراح وشبح الزوجة امام عينيه ، لذلك مضي في بحثه ، وتكرر فشله ، واعياه السير حتي وفق أخيرا .

كانت الشمس تميل نحو الغروب حين التقي عند ناصية شارع ضيق بتاجر يسوق خرافا تكاد ترتمى مثله من الإعياء ، فداعبه الأمل ، وتحت عيناه من بينها خروفا قد استوفي ما افترض من شروط .

وتقدم إلي الرجل سائلا عن ثمنه ، وساومه الرجل في دهاء لم يحس معه صاحبنا مدى تساهله ورغبته في بيع الخروف ، فقد قبل اخيرا ان يبيعه إياه لقاء جنيهين ، واستراحت نفسه وهو يسير إلى المنزل وقد ارخي الليل اطراف اجنحته الشفافة وفي صحبته خروف العيد ، وكان سمينا يملا عين الزوجة ، ضخما يشبع بطون الاولاد ، عالى الصوت . .

سرعان ما ذكر ذلك . أهو عالي الصوت حقا ؟

يالله : لشد ما نسي ذلك ؟ كيف حدث ؟ إن الخروف لم يشرفة بعد بصوته الداوي ، كيف لم تتردد مأمانه إلي الآن ؟

ازعجته هذه الخواطر ، فنظر إلى صاحبه وهو يتيمه في انكسار وذلة ، وكان هو أشد منه انكسارا .

وسأله ان يرسل صوته فرفض ، فربت على كتفه متوسلا فاصر صاحبنا على الرفض ، فلم يكن يد من الركل ، ركله بقدمه فلم يتأوه ، واهوي عليه بالعصا فما اشتكى

تضاربت في راسه الشكوك ، تري ايكون صاحبنا أخرس لا ينطق ؟ أم ؟ أم هو صبور لا يشكو ؟

التقت العيون في نظرة خاطفة ، حملت إلي نفسه معاني كثيرة غامضة ، كان اوضحها الصبر الذي يحتمل به ذلك الحيوان الأذي . إنه يصبر مثله فلا ينطلق لسانه . كل

آيات الالم عنده دمعتان تترقرقان في عينيه ولا تسقطان ، بللورتان تشفان عن عينين مقروحتين أضناهما الآلم .

وفيم هذا الشحم واللحم إذا ؟

لشد ما استسخف هذا التساؤل وقد ارتد بصره إلي قامته هو ، إنه يفيض ايضا شحما ولحما ، إنه سمين يترجرج . جسمه كأنه قدر تفيض بسائل يغلي .

وفرغت خواطره ، وعاد إلى توسله وقد قارب المنزل . كان نوسله إذ ذاك بغير العصا ، كان توسل صديق لصديق كادت عيناه ان تفرورقا بالدمع ، فرق الضعيف للضعيف . ونطق الحروف أخيرا

أرسل صوتا مبحوحا كانه الفيح ، لا قوة فيه ولا نشاط ، فاخلع قلبه للفجيعة .

مثل هذا الجسم الضخم يرسل ذلك الأنين الضعيف ، واين الصراخ الداوي ، والصوت الجبار !

وارتدت أفكاره إلي نفسه هو اذكر أنه أيضا على ضخامته يئن في الحياة عشرين عاما ولا يملك صوتا يجلجل يبعث الرعب ويعبر عن الغضب . .

واجتمعت الاسرة على طرق الباب تستقبل الأب الظافر يجر الاسلاب ؛ وكان المنظر رائعا لم تملك معه الأم أن تخفى إعجابها بروعته ، فربتت على أكتاف الخروف في تحفظ ، وأرسلت كلمة رضا مغتصبة ، كأنما ثمن بها علي متسول .

كان شاردا يفكر في موضوع آخر أقلق باله

لم لا يرسل الخروف صوته عالية ؟ أعن مرض يشكوه هذا الاختناق في صوته ، أم هو خجل الغريب ؟

ولكنه لم يصل إلى جواب ، فآثر السلامة واستكان إلي تجاهل مخاوفه .

ومضي اليوم الأول علي الضيف العزيز ، ولم يؤنس البيت صوته

وتفاقم الحال في اليوم الثاني ، إذ أرسل صاحبنا آنة من أناته أثارت البيت وأقامت الأسرة وأقعدتها ، فأخذ الكل يوجهون اللوم إلي الاب وقد احضر خروفا عييا لا يثبت وجوده ولا يعلن عن شخصيته

وجهد الرجل أن يقنعهم أنه إنما يدخر صوته ليوم الوقفة حتى يعلو على اصوات خرفان الجيران ، وان للسمنة المفرطة اثرا في الكسل الذي بيديه من بطء في حركته وارتخاء في أعضائه .

ومضت الأيام وأقبل يوم الوقفة ، وهبت الأسرة مذعورة تسمع في الخروف يزدده الخادم في صراخ مزعج ، فانطلق الجمع كالسهم نحو سطح المنزل ، وإذا صاحبنا ممدد على الأرض جثة هامدة ، فوقفوا جامدين

ينظرون إليه في حقد وغضب نظرات يشوبها الاشمئزاز من تلك الحيفة ، ومضت لحظات قبل ان ينصرفوا بعد توديعه وداعا سيئا .

مضوا جميعا إلي السلم إلا الوالد . فقد تقدم في اسي وفجيعة ، ومد يده حتى لمستا رأس الخروف الميت ، فرقعه في بطء ونظر إلي عينيه ولا زالت الدمعتان تترقرقان في ناقيهما ، فانحدرت من عينيه دمعتان ، ولكنهما ايضا لم تسقطا ظلتا على حافتي عينيه كانهما بللورتان تشفان عن مشهد مؤلم

وهمست شفتاه وهو يضع رأسه ثانيا في رفق وحنان - لم تسرعت . أيها الصديق ؟

اشترك في نشرتنا البريدية