الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 40الرجوع إلى "الثقافة"

قصة مصرية رائعة :, طلعت حرب . . .، كيف أنشأ أولى شركات بنك مصر ؟

Share

وأخيرا ، هدأ الرجل الذى لا يهدأ ، ونزل على نصح أساته الذين طالما أشفقوا عليه من نفسه ، فركن إلى مكانه الهادئ على شاطئ النيل ، يستريح كالقائد المنتصر عند نهاية المعركة الرائعة .

ومن ناقلة القول أن يقول صاحب هذه السطور ما يقول غيره من الناس من عظمة طلعت حرب ، وما يجمل بصاحب هذه السطور ألا يقول جديدا عن رجل عرفه عن كثب ، وعاش تحت ظله ، فجاء يروى للتاريخ .

منذ قلب طلعت حرب صحيفة الأدب والقلم من كتاب حياته ، وفتح الكتاب على صفحة المال والأعمال ، جعل نصب عينيه أن يؤسس لغاية السيادة الوطنية والاقتصاد القوى أولا ، وجعل غاية الربح فى المرتبة الثانية . على أن الله قد كتب التوفيق لهذه المؤسسات فى الغايتين .

وحديث اليوم عن الغاية الأولى ، وما أنا بمحدثكم عن قصة إنشاء بنك مصر ، فما هى بالمجهولة . ولكن هناك قصة بتناقلها الناس فى مدينة من مدن الصعيد ، ويلقنها الأب لولده ، ويرويها ابن المدينة للنازل الجديد ، ويحكيها النازح لمن يهبط بينهم .

أما هذه القصة ، فهى قصة إنشاء " شركة مصر لحلج الأقطان " .

فى ذات يوم من عام ١٩٢٤ ، ائتمر ثلاثة رجال ، هم : أحمد مدحت يكن ، ومحمد طلعت حرب ، وفؤاد سلطان ، فى غرفة من دار مشرقة بشارع أبى السباع ، هى دار بنك مصر قديما .

وقال ثانيهم ، أعنى محمد طلعت حرب : الحمد لله الذى سدد خطانا فى إنشاء هذه الدار ، فأصبحت وهى لم تتجاوز سن الطفولة بعد ( وكان بنك مصر دون الرابعة من عمره ) تقف أمام أقدم المصارف الأجنبية فى مصر وجها لوجه . وللناس أن تعد هذا نجاحا . ولكى لا أرى هذا . ولا أرى أننا صنعنا إلا سفحا ممهدا يجب أن نبنى فوقه هرما تلو هرم . فلو أن ( خوفو ) مهد السفح ، ولم ينشئ الهرم إذا لأنكره التاريخ . ولكنه فعل ، وكذلك فعل خلفاؤه , بيد أن خلفاءه جعلوا يبنون الأهرام إلى جوار هرمه ، وكل جديد أصغر من سابقه . أما نحن ، ففى أعناقنا أن نبنى على سفح بنك مصر أهراما ، كل جديد منها أكبر من سابقه ، فإذا جاء خلفاؤنا ، ورثوا عنا درسا فبدأوا من حيث انتهينا ، وصنعوا أكبر مما صنعنا

وراحوا يتحاورن ويتحاجون . وبينما هم كذلك إذا برسول قادم من مدينة " مغاغة " بحمل إليهم القصة الآتية ؛

حدث حادث . . . المحالج فى القطر معدودة ، وهى جميعا فى أيدى الأجانب ،

وليس فى بلدنا _ يعنى مغاغة - غير محلج واحد يملكة أجنبى .

وقد حدث أن عينا من سراة البلد ، وهو شيخ وقور له منزلة رفيعة بين الناس ، ويملك مائتى فدان ، ذهب بمحصول قطنه إلى صاحب المخلج لحلجه ، فسوفه إلى موعد ، فلما أن وافاء فى الموعد أرجأه إلى آخر .

ماذا يفعل ؟ أيرحل بمحصوله إلى الوجه البحرى ، إذ كان هذا هو المحلج الوحيد بالصعيد ؟

هكذا تساءل الشيخ ، فكان جواب تسأله أن المحلج مشغول . فطلب موعدا لا رجعة عنه ، فقال الأجنبى صاحب المحلج : إننى هنا صاحب العمل ، ولى الحرية كلها فى تحديد موعد حلج محصولك أو عدم تحديده . وقد أرى ذلك بعد يوم ، أو أسبوع ، أو شهر ، أو سنة !

وتجادل الرجلان ، وانتهى الأمر بأن اعتدى الأجنبى على الشيخ المصرى السرى بيده ، ثم حرض عليه كلبه . فتحامل الشيخ وقام من سقطته فخرج بين الناس _ وكان اليوم يوم سوق فى المدينة - أقول خرج بين الناس ودموعه تنحدر فى شئونه . فما إن رآء القوم حتى أقبلوا عليه يستوضحونه علة بكائه . فقال أيرضيكم أن يضربنى هذا الأجنبى وأنا منكم ومن رؤوسكم ، وقد وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ؟

وثارت خواطر الناس ، وعولوا على أمر ، وراحوا يتحاورون ، ثم قرروا أن يوفدوا منهم رسولا إلى الرجل الذى يسهر السنين ويبذل حياته لتكون كبرياء مصر فى مأمن من جراح الأجانب ، محمد طلعت حرب .

دخل الرسول على المؤتمرين الثلاثة الذين ذكرنا ، يروى لهم هذه القصة . فهب طلعت حرب من مكانه للحظته ، وقصد إلى المدينة جريحة الكبرياء ، فاستقبله

أهلها استقبال الفاتح الذى جاء يعطى لمصر ما لمصر ويضمد الجرح النازف .

واحتشد حوله زراع البلدة وتجارها ، فأعلن بينهم أنه منشئ لهم محلجا فليتقدموا للاكتتاب . فراح هذا يكتتب بألف ، وذاك بنصف ألف والثالث بكذا ، والرابع بكيت ، مما هو أقل أو أكثر حتى اجتمعت ثلاثون ألفا من الجنيهات أنشئ بها فى مغاعة أول محلج لشركة مصر لحلج الأقطان .

ودارت آلات المحلج بين تهليل الكبرياء وفرحة مصر بالثأر المأخوذ .

وكانت هذه أولى شركات بنك مصر ، وكانت رأس مالها - كما أسلفنا - ثلاثين ألفا من الجنيهات ، فأصبحت اليوم ذات تسعة محالج فى عواصم القطر ، وأصبح رأس مالها مائتين وخمسين ألفا - أى ربع مليون - من الجنيهات !

وكان هذا هو الهرم الأول على سفح بنك مصر ، جاءت بعده أهرام الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى ، والطائرات والبواخر ، وغيرها ، وغيرها . أفليس كل جديد منها أكبر من سابقه ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية