يجدر هنا أن أدع المريضة تتحدث عن نفسها : -
أنا امرأة عصبية تفضى بأهوالها إلى كل من تلقاء دون أن تظفر بما تنشده من عزاء . وبت أحس أنني غدوت ثقيلة الظل وإنا لا أدع الغير يتحدثون عن أنفسهم : لأنني أملا الوقت كله بالتحدث عن نفسى وعن الأعراض التي تنتابني في غير رحمة أو هوادة ! حتى زوجي خذ يمل حديثي المعاد ، ويصر على أن ألامى مجرد أوهام لايسنسيتها العقل ! وكثيرا ما تيرم وثار كلما سمع تأوهاني وأناقى قائلا : إنه لا يفهم أن أشكو وأن أظل أشكو وكل أساريري تنطق بأنننى غاية في الصحة والعافية ، وأنام ملء عيني وأ كل بشهوة يحسدني عليها الكثيرون ! وهو بهذا السلوك يزيد حالتي سوءا ، دون أن يدري ، اعتقادا منه أن إظهار الرثاء لحالي يضرني ويبلغ في آلامي الواهمة !! وعبثا حاول في أول الأمر أن ينصحني بتصنع المرح ، وطالما ضرب صدره براحته وقال في صوت مجلجل بصدع الرأس : -
انظري إلي ! انا لست عصبيا ولا أجد ما يدفعني إلى ذلك !
وأنا بدوري لا أجد سببا لحالتي العصبية المرهقة ، ولا بد لي فيها ولا حيلة ، ولكنها كما يخيل إلي لعنة من السماء لا أستحقها ، ولا أتردد في أن أتنازل بطيب خاطر عن جميع ما أملكه لأتخلص من نبرها العاتي . بل إني لأفضل العمي علي أن أشعر بأن أعصابي المحطمة ستقضي بى يوما إلي الجنون والخيل ، لأننى أكون إذ ذاك موضع رثاء زوجي وشفقته ، يدل أن أظل كما انا موضع تبرعه وتقمته .
وكثيرا ما تصحني صديقاتى بأن أقضي إليهن بما بتقل قلبي وأكبته في قرارتي ، لأن في التنفيس عن ألامي ما يفرج كربني . وصار حتي بعضهن بأنهن عانين نفس ما أعاني ، ولم ينقدهن غير البوح بما يشجبهن لبعض الصديقات !
وخيل لي مرة أن أدعي الإغماء فيما يشبه الموت لأسمع ما يقوله زوجى إذا ذاك ، وهو يجدني ضحية لاستخفافه بحالتى ، فأستطيع أن أذكره بما قال كلما عاد إلى إظهار ضيقه وتبرعه .
وبت أرتعب من المكث في الظلام ، وأنهض من النوم في حالة سيئة ، وبين جوائحي شعور عجيب بأن أحدانا مروعة ستقع . وأظل في فراشي أشبه بالمحكوم عليه بالإعدام عند ما يقال له إنه قد نام نوما هادئا في الليلة السابقة لسوقه إلى المشنقة . إنه ربما استيقظ راضيا يتتاءب ويبتسم ، ولكنه لن يلبث أن يذكر المشنقة وعنقه المعلق فيتصبب جيبنه بالعرق وينتفض رعبا . وأنا كذلك أعمل قليلا أثناء النهار ما تستدعيه واجبات ربة البيت ، ولكني سرعان ما أحس بالخور والإعياء وإذا بأضألى ضوضاء نقض أعصابى وتعذبني أشد العذاب ؛ حتى مزاج زوجي بصوت عال كان يدفعني إلي أن أصبح متوسلة إليه أن يتركي وشأني ! وكان يطلب إلي أن ( أشد حيلى ) ولكن عبارته كانت تغيظني وتجنى ، إذ كنت أشعر برعب الفريق وضيقه عند ما يراه إنسان على الشاطئ وهو يلاطم الأمواج في بأس ويكتفى بأن يصبح به أن يشد حيلة !!
وكنت لا أقوي على الخروج والسير في الطرقات بمفردي خشية أن أصاب بدوار أو إغماء ، فكنت إذا اضطررت إلي ذلك مشيت على مهل بجانب الجدران أو الأسوار الحديدية ، لأنشبت بها إذا مادت الأرض تحت قدمى وكدت أن يغشى على ! ! وعند ما يضطرني زوجي
إلي مرافقته إلى مسرح أو دار للسينما كنت أوثر أن أجلس في مقصورة خاصة ، لأنني جلست مرة في مقعد بالقاعة وسط المقاعد الأخرى ، فخيل إلى أنني سجينة ، وأن سائر المتفرجين المحيطين في حراس عمالقة ، وأن أنفاسهم ستخنقنى !
أما الأدوية فقد تناولت منها الكثير ، وإني لأغيط النساء اللاتي يعتقدن في المقويات مادامت هذه العقيدة تريحهن . وكم أعجب عندما أذكر صديقة لى تحطمت أعصابها لأن خطيبها فصم خطوبتهما فجأة وبلا جريرة من جانبها ، فاستعانت بمقو للأعصاب تتعاطاء والدتها ، فما لبنت بعد أسبوع واحد أن استفادت صحتها وبرثت أعصابها المحطمة ! !
وقد ذهب بي زوجي في يوم إلي أحد الأطباء الذائعى الصيت ، فلما كشف علي قرر أن صحتي جيدة ، وأن كل ما يجب علي أن أقلع عن التفكير في نفسي ، ونصحني بأن أستغني شهرا عن الطاهية وأتولى بنفسي الطبخ في كل يوم .
ولما ذهبت إلي طبيب آخر ربت على كتفي حانيا ونصحني بتغيير " الهواء " وقضاء أشهر الصيف في لبنان أو اليونان ، وأعطاني خطابا لطبيب في لبنان مختص في الأمراض العصبية . وحال نشوب الحرب الحالية دون القيام بتلك الرحلة ؛ فلما فتحت خطابه وجدت فيه ما ترجمته :
" عزيزى الدكتور كنعان .
أرجو أن تكون بخير . حاملة خطابي السيدة . . . وهي عصبية لا تطاق بسبب أوهام ووساوس تتسلط على عقلها ، وترجع في الغالب إلي خمولها وحياتها المترفة . . ."
ولما لم تتحسن حالتي برمت بأصدقائى ومعارفى تيرمهم الظاهر بى ، فأخلدت إلي العزلة وانعكفت في المنزل ، ولم أعد أقرأ خطابا أو صحيفة من الصحف . وأخيرا عرضتى زوجي
على الطبيب الكبير مرة أخري ، فألح بضرورة بقائى في مصحته لمدة أسبوعين على الأقل ، ليوفر لي بيئة تتفق مع العلاج اللازم لأعصابي . ولم أر مندوحة عن الامتثال بعد ان زهدت في كل شئ . وانتقلت إلي الطابق الأرضي من مصحته .
ولم يمض يومان حتى شاهدت في الحديقة رجلا وسيدة ببكبان في جزع ، فلما سألتهما ما بهما أخبراني أن وحيدتهما البالغة من العمر ثمانية عشر عاما مصابة بالتهاب الزائدة الدودية ، وأن عملية جراحية ستجري لها في صبيحة الغد بالطابق العلوي من المستشفى ! !
أدركت أنني في مستشفى ولست في مصحة ! واشتد جزعى في الصباح الباكر عندما سمعت جلبة أقدام غير عادية على أرض الغرفة التي تعلو غرفتي مباشرة ، ولما تحريت السبب علمت أن بها ستجري العملية لنفس الفتاة . ولما دقت الساعة التاسعة عرفت أن المريضة تدخل الغرفة . وخيل إلي أننى أسمع وقع فعلها الخفيف ، ثم إغلاق الباب ، - آخر أمل لها في الهرب - خلفها . وتحرك مقعد من مكانه فعرفت أنها تصعد إلي منضدة العمليات .
وتلا ذلك صمت رهيب فأدركت أنهم كانوا يخدرونها . وتوهمت بخار ذلك البنج يخترق سقف غرفتى ، وشعرت أنني أختنق ، ورحت ألهث حتى خيل لي أن صدري يوشك أن ينفجر ، وكان الصمت قاسيا فلم أجرؤ على أن أصبح . وهممت أن أدق جرسي ، ولكن فكرة الضوضاء التي سيحدثها منعت يدي وربطتها إلى جانبي ؟ ومضيت أحلق في السقف والعرق البارد يتصبب على جبينى ، وجعلت أدلك أصابعي لئلا تكون قد فقدت كل شعور وإحساس .
وسمعت أنات مروعة تناهت إلي أذني من الغرفة التي فوقى ، ثم سمعت وقع أقدام ينبعث من جديد ، فأدركت أن العملية بدأت . واستطعت أن أتصور السكين وهي تندفع
في جسم تلك الفتاة المذكورة وقد استسلمت للقدر في . صمت مدهش ورضوخ عجيب ، ولم أدر كم بت أرمق السقف ذاهلة العقل زائغة البصر ؟! ولم أدر كم طال ذلك (القتل ) ، ولا إلى متى قضى أن تظل تلك المخلوقة المسكينة في غيبوبتها المؤلة ؟
وفجأة عاد الهرج والمرج ، وسمعت قوائم ( المنضدة ) تزحف على الأرض في سرعة ، فعرفت أن العملية قد أجريت أو أن خطأ ما قد وقع ، لأنني سمعت قدمى رجل تندفعان ها بطتين على الدرج ، ثم سمعت صوته يصبح في طلب عربة ما لبثت أن أخذت تهب أرض الشارع كأنما تسابق الريح . واخيرا عاد الرجل وأسرع يرفي الدرج راكضا إلي الطابق العلوي . وتساءلت ماذا حدث للأب والأم المنتظرين في الردهة على مضض ؟ أتراهما قتلهما الارتقاب ؟ ولماذا لم يندفعا إلى غرفة العمليات صارخين مولولين ليخطفا وحيدتهما قبل أن يمزق جسمها ؟ !
وظللت أحملق في السقف وقد نسيت نفسي وقلبى الغائص بين جنبي وأنفاسي اللاهثة ، ولرعبي ودهشتي رأيت بقعة من الدم القافى وسط سقف غرفتي الناصع البياض وأدركت أنها من دماء الفتاة ، وما زالت تكبر إلي أن غدت في حجم طبق كبير . وخيل لي أن هذه الدماء ستتساقط على رأسي ، وسرعان ما سقطت نقطة على فراشي فغمرنى العرق والبرودة ، كأنني غرقت في بحيرة أو نهر كبير في ليلة من ليالي الشتاء القارسة . وسقطت نقطة أخري كأنها حجر ، فأسرعت أخفى رأسي بين المخدات دون أن أجرؤ على الحراك ورحت أستمع لوقع النقط الثقيلة كما أستمع لتساقط قطع من الرصاص ! وشبه لي أن هذه النقط لن تثبت أن تنفذ من الغطاء إلى جسمى فتلهبه بالنيران ، وامتلأت أذناي بطنين عجيب أصمهما ، ويبدو أنني أغمى على ، لأنني لا أذكر سوي أن ممرضة دخلت غرفتي وطلبت إلي أن أغير ملابس فصحت بها :
- هل ماتت ؟
ولكنها أجابتنى في هدوء :
- كلا وستعيش بإذن الله !
- ألم يقتلها الرعب ؟
- كلا بل مضت إلي المنضدة وارتقتها باسمة مستبشرة معتذرة عن تأخرها بضع دقائق . .
وبعد أسبوع عدت إلي منزلي بعد أن شقيت وعاود أعصابى هدوئها . وكان سر شقائى أنى استصغرت شأنى وأنا أرتعدو أرتجف لأنفه الأشياء ، بينها هذه الفتاة الشجاعة الجريئة استهانت بالموت واستقبلته بإسمة مشرقة الآسارير - فارتقت ( منضدة ) العمليات مستبشرة غير حافلة ! ! ..
وسر الطبيب لبرئى ، وزاد إيمانا بقدرة الراحة علي شفاء الأعصاب ، ولم أجرؤ على أن أقضي إليه بأنني إنما شفيت بفضل الفتاة التي استقبلت الموت بثغر باسم ، وإلى بقعة الدماء التي نقدت من سقف غرفتى بمصحته .
ولم ألبث أن تعرفت بالفتاة ، ظنا مني أنني سأري أمامي " إليهة " صغيرة ، ولكنني لم أر فيها سوى شابة في مقتبل العمر ، صبيحة الوجه بالأمل والرجاء .

