قالت السيدة ( م ) تحدثني : - لهذا اليوم قدسية في نفسي وذكريات عذبة استعيدها دائما ، إنه يتحدث عن حياتنا انا وزوجي ويعود بنا إلى السنوات التي مرت من عمرينا معا ، ونحن نكافح في سبيل سعادتنا .
ولماذا أخفي عليك ، سأتحدث إليك بهذه الذكريات ففي هذا الحديث كل الهناءة لي .
كان يوم زفافنا يوافق تاريخ اليوم ، كنت لا أتعدي العشرين عاما ، يحسدني بعض زميلاتي على مسحات من الجمال اعتز بها . وكان زوجي شابا مثلي في حوالى الثامنة والعشرين يهتم بأعماله التجارية التي ورثها عن والده . كان شابا دائب النشاط ، شعلة من حركة ، يسعى نحو المجد دائما . ولما ضمني إلى صدره في ليلتنا الأولى كان يهمس في أذني ؛ إني سعيد لأنك سترفعين عن كاهلي بعض الأعباء التي تثقله ، ستشاركنني حياتي الطامحة وثورتي الدائمة . وعشنا في قبلة حارة تحوي كل معاني الإحلاص وبدأنا معا حياة جديدة . .
كان زوجي دائم الاهتمام بي ولم يتوان في أن يوفر لي كل ما اطلبه في سرعة فائقة وكنا في بسطة من العيش ، فلم أشعر بفارق بين حياتي الأولى في منزل والدي . حياة الفتاة الوحيدة المعززة المكرمة المجابة طلباتها دائما ، ووطنت نفسي على حبي الدائم لزوجي ووجدتني انغمر معه في مشروعاته التي يحدثني بها دائما . كان محبا لعمله متفانيا فيه ، دائم التطلع إلى الثروة الضخمة وكان يقول دائما : أني أفضل ذلك لأجلك ولأجل أولادنا في المستقبل . إن املي كله هو ان أوفر لنا حياة سعيدة مستقبلة إن شاء الله .
ومع ذلك لم بنسه ذلك الانغمار في أسواق تجارته حبة الدائم لي . كان يعود في المساء متعبا فباتي براسه علي صدري وياخذ يدي يقبلهما في حنان ، وادفن أنا اصابعي في شعره الأسود الغزير ، فيغمض عينيه وبهمس لو تعرفين كم أحبك . فأقبله في شغف ونقضي وقتا طويلا على هذه الحال متحدثين عن حبنا
كان ذلك الحديث بتكرر في كل الليالي ولم يكن يعرف الملل طريقه إلى نفوسنا ، بل كان حبنا دائم التجديد ، فنشعر وكأن تلك القبلة هي قبلتنا الأولى و أن تلك الليلة هي ليلتنا الأولى
وعشنا سعيدين كعصفورين حبيبين ، يعملان دائما لهنا عشهما . كنا نقيم في ( الدقي ) في ( فيلا ) جميلة ذات حديقة صغيرة غرسنا فيها بأيدينا زهورا عطرة متعددة الإلوان . وكانت تلك الحديقة هي الجنة التي تجمعنا في امسيات الصيف ، نتناول فيها عشاءنا ، والسكون محيط بنا ، والنسمات تهب رقيقة فتزيل عن نفسينا كل المتاعب . . وكم قضينا الوقت في سمر وسرور حتى وقت متأخر من الليل
آه ! إني أحلم دائما بذكري تلك الليالي ، كانت حياتنا قصيدة من السعادة والهناء ، وكنا لا نخشي من الأيام شيئا ما دام حبنا يعمر قلبينا معا .
ودارت الأيام دورتها . . الأيام التي لم نكن نفكر فيها ولم تخطر لنا على بال ، هاجمتنا فجأة فوقفنا حيالها باهتين ، ونظرت إلي زوجي فوجدت الدموع تترقرق في عينيه ، ولكنه سرعان ما مسحها ورفع رأسه يحاول أن يعود إلي حالته الأولى ، وأحسست وكان يدا باردة تعتصر قلبي ، وحاولت أن أرفع رأسي مثله . وبدأنا حياة جديدة . . لقد تقلبت أحوال السوق التجارية على زوجي فخسر
جملة صفقات متوالية وإذا به يهبط من عل . . ووجد نفسه أخيرا لا يملك سوي القليل النادر .
إن تغير الأحوال بهذه السرعة أصعب على النفس من أي شئ عداه ، حين ينام المرء موسرا ويستيقظ فقيرا يتملكه نوع من الصمت والذهول حتى إذا به لا يشعر كل ماحوله .
لقد مرت هذه الحال علينا - أنا وزوجي معا . كانت اعيننا تتقابل في دهشة ولكنها سرعان ما ترتد حتى لا تتحدث عما أصبحنا عليه . كان يلذ لنا أن نعيش بالخيال ولو لفترات قصيرة في الماضي السعيد الذي فقدناه فجأة ، فملكت الحسرة نفسينا وشغل الأسي قليبنا .
وزفر زوجي زفرة حارة خارجة من فؤاده المكلوم ، ثم قام إلى وأخد يدي بين يديه وهو يقول : كفاني اني احبك . أما المال فلقد عرفت الآن أنه ليس كل شئ في الحياة . إن الأحوال لا تدوم يا عزيزني ولنحاول ان نكافح من جديد حتى تعود سيرتنا الأولى . . اعتقدي دائما أن همتي لا يمكن ان تثبط يوما ما ، إن حبك سيضيء ، جنبات نفسي وسيشمل روحي دائما بالأمل المتجدد والكفاح الدائم . . وأرجو الله أن يعيد إلينا نعيمنا وهناءنا السابقين
فلمعت الدموع في عيني وأنا أقول وقد أخذت رأسه بين يدي : يا عزيزي دعنا نجرب الحياة في كل اطوارها . . إن هذه التجارب هي التي تصهرنا وتكوننا من جديد فنعرف كيف نتفادي هفوائنا التي أوقعت بنا في المرة لأولي ، ولكن تأكد أن حبي لك راسخ كالطود فأنت كل ما يشغل قلبي ، والتاج الذي أفخر بأن اضعه على رأسي دائما ، وما وجودي معك سوى نهاية سعادتي سواء كان على ثروة أو على فقر . وتقابلت شفاهنا في قبلات حارة وخفق قلبانا مصدقين على كلمتنا وعواطفنا . . . وبدأنا حياة جديدة . .
اضطر زوجي لأن يبيع ( الفيلا ) ويسدد بثمنها ديونه وانتقلنا إلى حي عابرين في منزل صغير مكون من طابقين شغلنا الطابق الثاني منه . كنا قد بعنا اثاث منزلنا فاشترينا اثاثا بسيطا يناسب حالتنا الجديدة وأنزوينا في تلك الشقة الصغيرة المكونه من حجرتين ضيقين . وبدا زوجي يشتري ويبيع صفقات صغيرة بما تبقى لنا من مال .
كان والداي قد توفيا قبل هذه الفترة الجديدة من حياتنا فلم يبق لي سوى زوجي ، فاندفعت في حبه دائما كما بدأنا حياتنا الزوجية من اليوم الأول .
وانقطعت عن صديقاتي وعن الناس جميعا ، كان زوجي هو المركز الذي يدور عليه اهتمامي كله . وكان يجب علي ان انقطع عنهن حتى لا لاحظ في عيونهن أي شعور من عطف أو رثاء ، أو شفقة ، وبدا لي في مستهل هذه الحياة أني لن أتعب ولن يتسرب الملل إلى نفسي . ومرت شهور على ذلك ونحن ننعم بالحب معا في ظل تلك المعيشة الى لم نعتدها . . وبذلك كنا نطرد عن حياتنا تلك الصورة البشعة للفقر . وكان يسكن الطابق الأول من المنزل عائلة يونانية ، رجل يعمل ساقيا ( جرسونا ) في احد المقاهي وزوجه وولداه الصغيران ، كنا نبادلهم التحية ليس إلا كلما تقابلت وجوهنا . وكان يبدو لي انهم قوم ذوو قلوب طيبة ، وكانت الزوجة تظهر لي كثيرا من الود ، ولكني كلما أسلفت كنت ابتعد قدر المستطاع عن الاتصال بأحد .
و يوما احتجت لأن اشتري بعض لوازمي فخرجت إلي الموسكى بعد أن انقطعت عن الخروج شهورا ، وبينما انا أتأهب لدخول أحد المحلات إذا في أفاجأ بإحدي صديقاتي تواجهني . تهلل وجهها بشرا وهي تستقبلني وشعرت انا بغصة تملأ حلقي لأني لاحظت ان عينيها وقعتا على ثوبي الرخيص ، ولمحت مع ابتسامتها المتهللة صورة من الرثاء تنطق بها عيناها ، وسألتني : أين أنت ياصديقتي ؟ . لماذا انقطعت عنا طيلة هذه المدة ؟ . اين تسكنين ؟ .
بودي لو أزورك ونعود كما كنا أولا . كيف حالك ؟ . وأمطرتني بوابل من الأسئلة المتلاحقة حتى حرت بماذا اجيب ، وحاولت اتخلص منها بكافة الطرق حتي نجحت في ذلك ، وعدت إلي المنزل لم يكن زوجي قد عاد بعد ، فأسرعت إلى فراشي واستلقيت عليه وأنا أنظر شاردة إلي سقف الحجرة . وفجأة أجهشت بالبكاء وتملكني ثورة عنيفة ، و كنت ارتجف وأنا اتشنج والدموع تنهمر من عيني مدرارا . وبينما أنا في هذه الأرمة النفسية الحادة إذا بي أجد زوجي واقفا امامي ، لقد دخل دون أن أشعر " وكانت تعلو وجهه كآبة مسرعة وأخذ يدى وهو يقول : ما بك يا عزيرني . . خبريني ؟ ولكني انفجرت في البكاء من جديد دون أن أنبس ببنت شفة ، تغلبت على ثورتي فلم أقو علي كتمانها ، وكنت أسمع زوجي وهو يهمس في صوت باك : ما بك يا عزيزني ؟ . خبريني . خبريني .
ولكن لم أكن اجيبه بكلمة واحدة ، وفجأة وجدت الشيطان امامي بجانب زوجي ، هذا يمهمس في اذني ، وذلك يهمس في الأخرى ، والغريب اني لم اسمع زوجي ولكني سمعت الشيطان ، ووجدت همساته تصل إلي الصميم من نفسي ، كان يتمثل الأسف والحزن من أجلي ، وجعل يدفعني وأنا في ذهول من امري ، يدفعي دفعا قويا . . حتي إذا بي أصرخ في وجه زوجي . . صائحة : اتركني الآن . . أبعد عني . . لقد حطمت حياتي وجعلتني أضحوكة في أعين صديقاتي . . أتركي أنا لا احتمل هذه المعيشة معك . . إن الفقر ينشب اظفاره في رقبني ، ويخيل إلي أن الدماء تسيل منها . إنك انت المسئول عن هذه الجراح التي تنتابني . إنك أنت الذي غمست الذل في روحي ولونت نفس بالسواد أبعد عني .
تلقي صيحاتي هذه في هدوء ، والالم يرتسم على وجهه ،
ولمحت الدموع تترقرق في عينيه ، وكل ما فعله أن خطأ نحو الخارج حين سمعنا طرقا متواصلا على الباب ، ففتحه ، ووجدنا أمامنا جارتنا السيدة اليونانية ، كانت الدهشة تعلو وجهها وهي تقول : ماذا ؟ . هل حدث شئ سيء . ما لكم تصيحون هكذا ؟ . وسمعت زوجي يقول :
كلا . . لم يحدث شئ . . بأن زوجتي متعبة قليلا . . نحن نشكرك كثيرا علي هذا الشعور . وأدخلها إلي ثم تركنا وانصرف من المنزل . وبقيت معي ، كانت في منتصف الحلقة الخامسة من عمرها ، هادئة الملامح ، فجلست بجانبي واخذت راحتي بين يديها وهي تقول : انهضي يا صديقتني ولا تبكي . فكفكفت دموعي ، ونظرت إليها طويلا ، ووجدتي اشعر نحوها بحب غريب . إنها الأنيس الذي يجب أن اتخذه إنها زميلة الفقر فلماذا انقطعت عنها طيلة هذه المدة التي قضيتها بالمنزل وأنا التي كنت اشعر انها تحاول بقدر المستطاع أن نتدخل في حياتي كصديقة فأتجنبها ؟ !
كان هناك فارق في عمرينا ولكني مع ذلك أنست إليها فابتسمت في وجهها وأنا أهمس : أشكرك . لقد انتهي كل شئ . . إنها بعض المتاعب التي تحدث بين زوجين . . ودعوتها لان تظل معي حتى يعود زوجي فرحبت بذلك وجلست تحدثني عن أخبارها . . كان حديثها عذبا شائقا ، وكنت الاحظ عليها القناعة التامة مما هي فيه ، كانت تشكر ربها دائما على نعمائه ، وحدثتني عن حياتها مع زوجها ، الحياة الهادئة ، يملأ الحب قلبيهما ويعملان جهدهما معا لتربية أولادهما لم تكن تشكو أو تتبرم ، بل هي فرحة سعيدة ما دامت تشعر أن حب زوجها لها لا يتأثر ودائما في ازدياد
وأعادتني كلماتها تلك إلي صوابي ، ووجدتني قد أخطأت في حق زوجي ، وانتظرت عودته بفارغ صبر حتي اعتذر له . وأصبحت أتلهف على لقائه ، وكان قلبي يخفق وأنا
أغلب الأمر على شتى وجوهه ، تري إلى اين ذهب الآن وهو متعب ؟ ووجدت ضميري يؤنبني ، فبدلا من ان اهىء له سبيل الراحة بعد عمله ، أبادره بتلك الثورة . . تري اين هو الآن ؟ وبدا الانفعال والانشغال يسلكان طريقهما إلي قلبي . . حتى عاد . .
انسحبت جارتي ، ودعتني لتناول العشاء أنا وزوجي علي مائدتها فقبلنا بعد إلحاح ، وتركني لأستقبل زوجي . نظرت إليه مستغفرة نظرة كلها اعتذار ، واخذت يده بين يدي ، وانهلت عليها بالتقبيل ، فرفع وجهي واطال النظر إلى عيني ثم ضمني إلي صدره وهو يبكي . كان اعتذاري وغفرانه صامتين !
وليلتها تناولنا المشاء على مائدة جيراننا ، كان يتكون من أشياء بسيطة ولكنها غاية في النظافة والنظام والترتيب ، واجتمعنا على المائدة ، أنا وزوجي وهي وزوجها ، ذلك الرجل الطيب الذي يخط الشيب رأسه ، وقد تعدي الخمسين من عمره ، كان حديثه رقيقا هو الآخر ، جعل يحدثنا عن مشاهداته وزيائنه ، وسهرنا معا حتى وقت متأخر ، وصعدنا إلي مسكننا والبشر قد اخذ طريقه إلى نفسينا انا وزوجي . وكثرت زيارات جارتي وزوجها لنا كما كنا نزورهما حتى عدونا كعائلة واحدة . وكان زوجي سعيدا لذلك ، وكان يقول دائما : إن سروري لا يقدر بهذه الصداقة الطيبة مع هؤلاء الناس ، ألا تلاحظين ذلك الحب الذي يغمر فؤاديهما . . إن كل حركاتهما وسكاتهما تنطق بتلك الصلة المقدسة بينهما آه ياعزيزتي . إنهما خير مثال لنا يجب أن نحذو حذوه ، فهما يقاسيان الفقر مثلنا ولكنها قانعان ، ينتظران ما يجود الله " به عليهما وهو رحيم بعباده لا ينسى أحدا . . إني سعيد لذلك .
وحقا ، لقد كانا خير مثال ، ووجدتني كلما لمست الحنان الذي يربطهما والحب الذي يقتاتان منه اتفاني في حبي لزوجي ، وكلما تذكرت ذلك اليوم ، يوم أن ثرت في وجهه ،
أشعر بالندم يغمرني فأبكي وأنا ألعن نفسي وبذالك كنت أكفر عن الذنب الذي ارتكبته في حقه عن طريق ذلك البكاء الصامت . ولاحظت السعادة التي غمرته لهذا الحب بيننا وقد عاد سيرته الأولى ، بل كنت أشعر أنه أزداد عنه من قبل ، إنه الآن حب عظيم . علوي . إن الحب في الفقر غيره في الغني ، فهو في الحالة الأولى ممتاز منه في الحاله الثانية بأشياء كثيرة نبيلة متفوقة ، فهو ينتج عن عواطف شريفة حقا ، ولا يجري وراء غاية ما ، وأهم نتائجه هي دوافع الكفاح والطموح والمجد وهكذا . . دأب زوجي علي عمله ، وجعل يكافح حتى نجح أخيرا في أن يحصل على بعض صفقات رابحة أتبعها بأخرى ، حتى انتعشت حالتنا ، المالية ، وكنت فرحة لذلك . . إن حي هو الذي كان بدفعه نحو الكمال في أعماله ، إن حي هو الذي يقوده نحو سعادتنا الدائمة . ألست أنا شريكته في ذلك الفضل ؟ . ألا أفرح ويهزني السرور حقا ؟ . ومرت الأيام وتجارته في تقدم وصعد السلم درجة . . درجة . . حتى وصل إلي ما هو عليه الآن من نجاح .
. وبدأنا حياة جديدة . . عدنا إلي معيشتنا الأولى ، فاشترينا هذه ( الفيلا ) ، إن هذه السنوات التي قضيناها فقراء هي التى صهرتنا وأنبتت في قلبينا ذلك الحب المتأصلة جذوره ، الذي لا يذوي ولا يموت أبدا . .
نحن لا ننسي ذكريات هذه الأيام ، كما لا ننسي يومنا الأخير في منزلنا الصغير ، تناولنا المشاء مع جيراننا ، وقامت الزوجة فقبلتني وهي تجهش بالبكاء لفراقنا ، ولكني لم انسها . إني ادعوها دائما لزيارتي هنا هي وزوجها وأولادها . . ولتبقي ضيفتي أياما طويلة . . إنها الأستاذة التى تلقيت على يديها دروس الوفاء ، فلا عجب ان كانت أحب صديقاني إلي قلبي . . وستكون دائما "

