* قبل أن تتم ساعة المدرسة دقاتها الأربع بعد الظهر . كان الأستاذ " فوما غاجه " يقف أمام باب المدرسة وفي يده ساعته القديمة كل يوم جمعة وثلاثاء من كل أسبوع ، وكان الخادم الشيخ الجالس أمام الباب قد ألف هذا المنظر المتكرر كما ألف أن يسمع في كل مرة تلك الجمل التي لم تتغير على من الأيام : " الرابعة تماما ! . . لم تفرق دقيقة واحدة منذ عشرين عاما . في مدى عشرين عاما لم تفرق دقيقة واحدة . . " وكان لابد في كل مرة أن يضع الأستاذ " فوماغاجه " ساعته أمام عيني الخادم ليثبت صدق مدعاه ، فضاق ذلك البواب بهذه الجمل التي تكرر على سمعه مرتين كل أسبوع ، ولم يعد يستطيع الصبر عليها ، فأراد أن يرد عليها بعد أن طال صبره وسماعه لها من غير أن ينبس ببنت شفة فقال :
" ولكن ليس في هذا ما يدعو إلي العجب ياسيدي الأستاذ . لأن دقة سير الساعة من قبيل جلوس البواب أمام الباب الذي يحرسه ، ومجيء المدرس إلى درسه في الموعد المحدد له ، لأن البواب والمدرس اللذين لا يقومان بعملهما يستغني عنهما - يطردان - والساعة التي لا تضبط الوقت تباع ويستغني عنها أيضا " .
بهت الأستاذ فوماغاجه لهذه الإجابة المنطقية التي لم يكن يتوقعها من هذا الخادم ، ولم يجب بشيء ، بل ظل في حيرة واضطراب ، فإن جملة واحدة من كلام هذا الخادم علقت بذهنه ، ولم يستطع التخلص من ترديدها والتفكير في معناها : إذا إنهم يطردون المدرس الذي لا يقوي على القيام بعمله!..
لعبت الوساوس في صدر الأستاذ الشيخ الهم : لا بد أن عند هذا البواب شيئا جديدا . وإلا فما باله اليوم يجابهه بتلك الإجابة القاسية الجافة بعد أن ظل سنوات كثيرة يتلقاه بابتسامة ساحرة لا تفارق شفتيه من غير أن يسمع منه طوال تلك المدة المديدة كلمة واحدة ؟
كانت هذه الوساوس تخيفه ، وترتجف لها روحه ، فجر ساقيه جرا . وهو يشعر بأن عشر سنوات جديدة قد أضيفت على السبعين سنة التي كان ينوء تحت ثقلها ، وسار توا إلى حجرة تدريس الموسيقى ، ولم يسمع في هذه المرة تلك التحيات الساذجة التي كان يتلقاها من تلاميذه الواقفين على جانبي الطريق ، ويسر لها ، فاتهم - شأنهم في كل مرة - هتفوا له : " عم مساء أيها الأستاذ ، كيف حالك أيها الأستاذ ؟ " ولكن صاحبنا كان في شغل عن كل ما يحيط به ، فلم يسمع ولم ير شيئا ، بل واصل سيره حتى دخل حجرة التدريس وهو أشبه بشبح ، وألقي بجسمه على مقعده امام البيان في انتظار تلاميذه الذين كانوا يقضون الدقائق العشر الفاصلة بين درس ودرس ، واستغرق في تفكير عميق :
نعم هذه هي النهاية هنا أيضا . الطرد ! إنه كان مؤمنا بينه وبين نفسه بأن الاستغناء عنه آت لاريب فيه يوما ما ، فقد كان يعتقد ان مدير المدرسة سيقابله في ذات يوم ، ويصافحه بحرارة ، ثم يبدأ الحديث معه بقوله : " إننا مسرورون منك جدا ، ولكن ماذا نعمل لأولياء أمور التلاميذ . . " ثم يشير بلطف إلي كبر سنه ، وحاجته إلي الراحة فيقول : " إنكم أيضا في حاجة إلي قسط من الراحة والعناية بصحتكم " الراحة ! نعم كان محتاجا إلى الراحة لا من الآن فقط . بل من يوم أن فقد والده ، وبقي وحيدا في أحد الأزقة . يوم كان طفلا في السنة العاشرة . إنه من ستين سنة محتاج . . ولكن هذا الشيخ الموسيقى كان في حاجة ملحة قاهرة قاسية إلى أمر آخر فوق حاجته
إلى الراحة . إنه كان في حاجة إلي الخبز . . كان هذا الموسيقى الشيخ قد سمع هذه النغمة - نغمة الشيخوخة والحاجة إلي الراحة - في أماكن كثيرة ، ومن أناس كثيرين ، وفارق كل تلك الأما كن ، وجميع أولئك الناس ، وكانت هذه المدرسة الملجأ الأخير الذي لجأ إليه ووجد فيه خبزه ، ولم يكن هنا أيضا مطمئنا تمام الاطمئنان ، ولكنه كان يمنى نفسه الأماني ويعظها . وكلما خطر له خاطر استغناء هذه المدرسة عنه حاول جهده أن يبعد هذا الخاطر عن ذهنه وهو يقول لنفسه : " من يدري كم من السنين تمضى قبل ذلك ، وهل من المقدر لي أن أعيش كل تلك السنوات ؟ "
إذا يطردون المعلم الذي لا يستطيع القيام بعمله! . لا شك أن البواب لم يفاجئه بذلك من عند نفسه ، ولعله سمع ذلك من المدير أو احد المتصلين به ، ويظهر أن مفاجأة البواب اليوم مقدمة لما سيصارحه به المدير غدا .
ولكن هل كان عاجزا عن القيام بمهام عمله حقا ؟ إنه على الرغم من شيخوخته وتهدم جسمه تحت عبء السبعين التي أثقلت كاهله كان خير من يقوم بعمله ، ولا يمكن لكائن من كان أن يعيب عليه من هذه الناحية ، ثم أغمض عينيه ، وفي لحظة واحدة استعرض حياته الماضية.
تذكر يوم كان صبيا في الثانية عشرة . وضاء المحيا ، وشعره الذهبى يكاد يلامس منكبيه . يوم نال الجائزة الأولى في عزف الكمان من مدرسة الموسيقى . إنه كان في الثانية عشرة تماما . وإن أمه بكت في ذلك اليوم فرحا به لما قال لها مدرس الموسيقى : " إن ابنك هذا سيكون موسيقيا عظيما " موسيقيا عظيما ! . مامعنى هذا يا تري ؟ ها هو ذا قد أصبح موسيقيا مشارا إليه بالبنان . ثم ماذا ؟
ماذا أفاد من هذا اللقب العظيم غير التصفيق الذي يصم الآذان في الحفلات الموسيقية ، وغير تلك الدروس التي كان يعطيها لتلاميذه وتلميذاته في كل أنحاء المدينة من
الصباح إلي المساء ؟ . إن أكبر الحفلات الموسيقية الساهرة كانت لا تتم من غير أن يكون من شهودها الأستاذ الموسيقار " فوما غاجه " كما كانت كبريات الأسر العريقة تتمني أن تتلقي بناتها دروس الموسيقى عليه . إنه كانت له فترة وضاءة في حياته الموسيقية ، ظفر فيها بالشهرة ، وتقدير الرأي العام . ولكن ماذا بعد ذلك التصفيق الحاد وتلك الرغبات التي كانت تنهال عليه من كل جانب ؟ إنه لم يبق له من كل ذلك الجاه وتلك الشهرة إلا ذلك الشبح الهم المهدم . عيناه لا تبصران ويداه مضطربتان ، وعندما يبدأ بشرح قاعدة من قواعد الموسيقي تختلط عليه المعاني ، ولا يعرف كيف يواصل الدرس . إنه الآن جسم مهدم لا حركة به ، ولا فائدة منه ولا خير فيه ، ويجب أن يلقي في زاوية مهملة . نعم لم يكن فيه إلا فم محتاج إلى الخبز . إلي الخبز فقط . كان لابد من إشباعه . وهنا تنفس الصعداء وزفر زفرة حري .
كان هذا الموسيقى الشيخ الذي بلغ السبعين من عمره يكاد يبكي حزنا وأما وخوفا من الموت جوعا . في هذه الأثناء فتح باب غرفة الدراسة ، ودخل التلاميذ يتدافعون بالمناكب يضحكون ويقهقهون وحيوا أستاذهم : عم مساء أيها الأستاذ . كيف الحال أيها الأستاذ ؟
فوقف الأستاذ " فوما غاجه " على قدميه الواهنتين ومسح بقايا الدمع من عينيه ، ورد تحيات تلاميذه وهو يحاول الابتسام ، ثم التفت إليهم قائلا : " سنعيد قطعة الأمس . أليس كذلك ؟ " فأخذ كل واحد منهم يستعد للقيام بدوره في عزف القطعة التي أشار إليها الأستاذ ، وأصلح آلته الموسيقية ، وبعد أن تفقد الأستاذ حال تلاميذه جلس إلى منصته أمام البيان ، وبدأ التلاميذ في عزف القطعة الموسيقية ، فاستغرق ذلك الموسيقى في ذلك الجو الساحر الذي غمرته الموسيقى ، وشعر بعظمة الفن ، ورأي مجده الفني الذي أنفق حياته الطويلة في
سبيله ، ونسي في تلك الساعة السحرية قولة ذلك البواب الجاهل ! وقام صاحبنا من مجلسه ، وتقدم بضع خطوات إلى الإمام ، وأخذ يصلح بعض الأخطاء في توقيع التلاميذ ووضع الآلات الموسيقية ، ثم رجع إلي مكانه وقال : " قطعتى الرابعة !. . "
كان لهذا الموسيقى الشيخ ناحية ضعف واضحة . هي شدة إعجابه بقطعه الموسيقية ، وتيهه الزائد عن الحد ، حتى إنه كان يتهم كل من لا يعجب بها ويطرب لها بأنه عديم الذوق الفني ، وأنه لا يفهمه حق الفهم! . . وأدرك أولئك الشياطين من تلاميذه ذلك فيه ، واتخذوه مادة لهوهم وسخريتهم كلما أرادوا لهوا أو سخرية ، وفي ذات يوم كانوا يوقعون إحدي قطع أستاذهم ، فلما فرغوا منها وقف أحدهم ونادي بأعلى صوته : " أحسنت أيها الأستاذ ! " ورفع الأستاذ رأسه وهو لا يصدق أذنيه من الدهشة والحيرة ، وظن التلاميذ أنه سيغضب من ذلك التلميذ الوقح ، ولكنه لم يغضب ولم يثر ، بل إنه قام من مقعده ، وسار نحو ذلك التلميذ ، ودنا منه وأمسك بيده وهزها بحرارة ، وقال له : أشكرك بابني ! إن فيك عرقا موسيقيا " إنه - بعد طول انتظار - قد وجد من فهمه في شخص ذلك التلميذ
ومن ذلك اليوم صار تقليدا مرعيا : أن يهتفوا بصوت واحد : " أحسنت أيها الأستاذ ؟ " فلما فرغوا من عزف قطعة موسيقية من وضع الأستاذ " فوما غاجه " ولم يكن ذلك الشيخ الموسيقى يدرك - ولعله كان لا يريد أن يدرك أيضا - ما في ذلك العمل من السخرية والاستهزاء به ، فكان في كل مرة يخلع قبعته ، ويشكر تلاميذه بإحناء رأسه الأشيب أمامهم .
وفي ذات يوم بذل الأستاذ جهدا كبيرا في شرح إحدي المقطوعات الموسيقية ، فلما فرغ ورفع رأسه إلى تلاميذه وجدهم شاخصي الأبصار ، وعلى ثغورهم ابتسامة
ممزوجة من السخرية به والرئاء له ! فجلس على كرسيه منهوك القوى ، ومد رأسه نحو تلاميذه الساخرين ، وقال وهو يشير بإصبعه إلي رأسه : " آ " لو استطعت أن أفهمكم كل ما هنا " وعند ذلك تذكر من جديد كلمة بواب المدرسة ، وأكمل حديثه مع تلاميذه بصوت مبحوح يشبه حشرجة الموت " نعم لو استطعت الإفهام لم اطرد هكذا من كل مكان "
إذن فقد جاء الدور إلى هنا أيضا ، فسيحرمونه آخر تلاميذه ، وآخر لقمة من الخبز . نعم إنه سبلب آخر تعلاته في هذه الحياة ، ولا يستطيع أن يشرح تلك الأنغام الموسيقية التي تتصارع في رأسه لأحد بعد الآن . وأخيرا لن يسمع بعد الآن تلك التحية التي اعتاد سماعها كلما فرغ من توقيع قطعة من قطعه الموسيقية : أحسنت أيها الأستاذ ! صادرة من أعماق صدور العشرين شابا من تلاميذه المحبين إليه . وبعد هذه الحال السيئة التي وصل اليها ألم يكن كافيا ما صار اليه ؟ ألم يحن الحين الذي يجب عليه فيه أن يمسح من صفحة الوجود تلك الحياة التي استمرت سبعين عاما بلا جدوي ، ويفر من بني الإنسان إلي الأبد ؟ وفجأة خطر له خاطر جديد ، فوقف وقال لتلاميذه : " سأطلعكم على القطعة الجديدة التي وعدتكم بها ،القطعة التى سميتها (سير الجنازة) فعندما تخرجون من دروسكم اليوم اتركوا لى دفاتركم الموسيقية " وظل الموسيقي الشيخ طول ذلك اليوم يسجل في دفاتر تلاميذه قطعته الموسيقية الجديدة " سير الجنازة " فلما فرغ من ذلك وأراد الخروج من باب المدرسة كان متعبا جدا ، محطم الجسم والأعصاب معا . حتى إنه لما قام البواب وهو يبتسم تلك الابتسامة التقليدية - كما كان يقوم له ويبتسم كل مرة - لم ينظر إليه ، ولعله لم يره أيضا . ومع أن هذه الحال الغريبة من ذلك الأستاذ استرعت نظر البواب ، وشغلت ذهنه طويلا
الا أنه لم يحاول تفسير ذلك التغيير الجديد في أستاذ الموسيقي تفسيرا غير عادي .
وبينما كان الأستاذ فوماغاجه " يصعد في درجات السلم الموصل إلي غرفته الحقيرة في بيت الأرملة العجوز في مساء ذلك اليوم قال لصاحبة المنزل : " إني لا أستطيع أن أتناول طعام العشاء في هذه الليلة " فلم يتناول طعاما في تلك الليلة ، ولم يستطع النوم أيضا ، فإن سكان الدور الأسفل من ذلك المنزل كانوا يحسون وقع قدميه في حجرته طول الليل جيئة وذهابا ، كان يتنقل من مكان إلي مكان بخطي بطيئة ثقيلة ، وكأنما كانت الأخشاب العتيقة تحت قدميه تحس بمتاعبه وأحزانه التي تثقل كاهله ، فكانت تئن أنينا خافتا حزينا كلما سار عليها في تلك الليلة الليلاء . ولما دخل عليه الخادم في صباح اليوم الثاني يحمل إليه القهوة واللبن وجده لا يزال في فراشه ، وقال : " آه . لاشىء إنما هو توعك بسيط ! " ثم خشي أن يظن الخادم به الضعف أو المرض ، فوثب من فراشه بخفة ورشاقة تشبه خفة الشبان ورشاقتهم ولكنه لم يغادر حجرته في ذلك اليوم واليوم الذي بعده الأربعاء والخميس ولم ينزل لتناول الطعام أيضا بل اكتفى بأن طلب قليلا من اللبن . وكان إذا قال له الخدم : " إن صحتكم ليست على ما يرام " يجيبهم وهو يبتسم " إنني في صلابة النحاس " . ولما جاء موعد درسه في يوم الجمعة رآه سكان المنزل يهبط درجات السلم على مهل ، ويقول لصاحبة المنزل . وهو يتكلف الابتسام : " إلى العمل أيضا بعد كسل يومين ! " وفي ذلك اليوم لم يخرج ساعته أمام البواب الذي كان واقفا أمام باب المدرسة تحية للأستاذ واحتراما له وعلى وجهه ابتسامته التقليدية ، بل لم يره أيضا . وبينما كان البواب يهم بالتحدث إليه قائلا : " سيدي الأستاذ . . " مر صاحبنا بسرعة وحركة عنيفة من غير أن يلتفت ، وقال لتلاميذه - وكأن عليه عملا هاما لابد من إتمامه - " هل أجريتم التجارب ؟ إني سأعزف القطعة على البيان وحدي ، فاستمعوا جيدا
حتى تتمكنوا من مجاراتي عندما نعزفها معا . إنكم إن بذلتم بعض الجهد تستطيعوا إتقانها في هذا اليوم " .
ثم جلس أمام البيان ، ورفع الغطاء عنه ، ثم لزم السكون فترة استجمع فيها كل قوته . كان مغمض العينين وكان تلاميذه ينظرون إليه بدهشة ، وينتظرونه بصبر ناقد ، وبعد لحظة مرت في بطء وثقل تحرك الأستاذ في مقعده ، ومد ذراعيه الممروقتين ، وبدأ يعزف على البيان بأصابعه التى كادت تتصلب وتيبس من كثرة العمل وطول العزف . نعم بدأ يعزف قطعته المفضلة التي كان يعلق عليها كل الآمال ، ويعتبرها غاية الغايات في الفن الموسيقى . كان يعزف مستغرقا في جو القطعة الحزينة (سير الجنازة) وكأنه كان يصور حياته الفنية الطويلة ، ونهايتها المحتومة . فلما انتهى من عزف القطعة لم يدرك التلاميذ أنه انتهى منها ، فقد كانوا في هذه المرة سكوتا كأن على رءوسهم الطير قد شملهم الحزن من كل جانب وأحاط بهم ، فالتفت إليهم الأستاذ وقال لهم : " والآن معا ! . " .
* وبدأوا يعزفون معا ، فكان الأستاذ يشاركهم ببيانه بادى النشاط والحركة ، فقد كان يهز رأسه طربا ، وربما رفع صوت ببعض عبارات الاستحسان ، وفي الفترة بعد الفترة كان يأمرهم بالكف عن العزف ، والاستئناف من جديد ، وكان يحدث أن ينبه بعض تلاميذه إلى أخطائهم من غير أن يلتفت إليهم ، ويذكر موضع الخطأ الذي ارتكبه كل واحد منهم . كان يريد أن يلقن تلاميذه هذه القطعة ، ويبلغ بهم حد الإجادة والإتقان ، ولذلك أطال درسه هذه المرة ساعة كاملة ، وأجهد نفسه جدا ، وأرهقها فوق طاقتها .
وبعد الفراغ من هذا الدرس المرهق الطويل لم يجد الوقت للتحدث مع تلاميذه ، فخرج من حجرة الدراسة يجر رجليه جرا وهما لا تكادان تحملانه ، وتحامل على نفسه وهو يخرج من باب المدرسة ومر سريعا حتى لا يسمع كلام ذلك البواب الذي وقف لتحيته ، وأراد أن يلقي عليه محاضرة أعدها في ذهنه وبدأها " بسيدي الأستاذ . ."
ولكن صاحبنا جذب نفسه جذبا ، ومرق من بين يدي البواب وسار وهو يبذل من ذات نفسه آخر ما يستطيع من جهد وجلد . . .
ولما جاء نعي الأستاذ " فوما غاجه " إلي المدرسة في اليوم التالي أدرك الجميع السبب الذي من أجله حرص الأستاذ في ذلك اليوم على أن يلقن تلاميذه تلك القطعة الموسيقية ، وحاول أن يصل معهم إلي حد الإجادة والإتقان
وقر القرار على الاحتفال بجنازة الأستاذ احتفالا رسميا تشترك فيه فرقة المدرسة الموسيقية ، وتعزف فيه قطعة الأستاذ المختارة " سير الجنازة ".
* وبعد أن أودع جثمان الأستاذ " فوماغاجه " جوف الأرض على ذلك البساط الأبدي . بساط الراحة الأخيرة ، وبينما كان مدير المدرسة يؤبن الففيد بكلمات متقطعة مضطربة ، فى تلك الأثناء كان ذلك البواب - الذي لم يدرك إلى تلك الساعة سبب ذلك التغير الذي بدا على
الأستاذ الموسيقى في العهد الأخير - واقفا إلى جانب القبر كئيبا حزينا مقوس الظهر ، معتمدا على عصاه ، مرتديا حلة سوداء بالية ، وبعد قليل أحاط بذلك القبر الحقير المغمور أعضاء الفرقة الموسيقية من تلاميذ الأستاذ ، وأعادوا عزف تلك القطعة الحزينة ، قطعة الأستاذ المحببة إليه " سير الجنازة " وبينما كانت أصداء ذلك اللحن تتلاشى ، وتذوب في أجواز الفضاء ، وتنزل علي التراب الندي فوق القبر الحقير سحائب عزاء وتكريم للثاوي فيه . في تلك اللحظة حدث شىء غريب ما كان أحد يتوقعه ، أو يخطر على بال ، فقد هتف أولئك التلاميذ في صوت واحد وفي قوة وشدة : أحسنت أيها الأستاذ !
أيها الموسيقي البائس : هل كنت في هذه المرة أيضا تحني رأسك في قبرك لتشكر تلاميذك الأوفياء على تحيتهم الأخيرة التي بعثوها إليك في مرقدك الأخير ؟

