الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 325 الرجوع إلى "الثقافة"

قصة

Share

هذه قصة قصيرة من قصص الدهر الخالدة ، كتب التاريخ عداد من سواد وحمرة اما السواد فدخان اسود خرج من بطن الأرض فنشر الليل والنهار طالع ، وأما الحمرة فالسنة من نيران اندامت تطلب السماء فثمت النور في ظلمة ذلك الليل فاطلعت فيه صباحا كان مع انكشف كل هذا عن مدن : غمرها بأهلها الرماد كما يغمر البحر البلاد . واتصلت بهذه القصة حياة رجلين كبيرين ، مجمع بهما العمومية ، قضى على احدهما فضول العالم ومرومة الرجل فذهب به الموت مع الألوف الذاهبة ، وشاء القدر أن يبقى على حياة الثاني ليحكى للأجهال ما جري حكاية السامع الرائي

أما زمان القصة فالقرن الأول بعد الميلاد وأما المكان فعلى تلك الأرض الجميلة التي تحتضن ذلك الخليج الرائع الذي أسموه خليج نابلي بإيطاليا .

أما بطل الرواية فجبل يطل على هذا الخليج ، صمت دهرا فاطمأن إليه الناس ، وازدهرت حوله الأرض و كثر السكان . وكيف يوجسون من هذا الجبل خيفة ، أو يتوقعون منه الموت ، وهو إنما يعطي لهم في ترابه كل عنصر من عناصر الحياة ؟ واشتهرت الأرض التي حوله بخسها حتى أشها كل طالب أمال ، لأنها لم تكن تعطي الحصول الواحد ، ولا الحصولين الاثنين في العام ، بل المحاصيل الثلاثة . والحنطة والأذرة والشعير تحت جميعها فيها طويلة شديدة ثقيلة بالذي حملته السيفان من حب . والزيتون مما طولا وامتد عرضا وجار بالزيت الكثير . والنب كبريت عناقيده ونوقدت فكان بها الدار في احتفاق البلور ، ومنها اعتصروا الخمور الشهيرة التي دارت تلهب القلوب على موائد الترف في تلك الآيام . والورد جادت به

الأرض وطابت ، فاقتطفوا منه الألوف المؤلفة سلالا حملوها إلي مصانع " كبوا " يستخرجون منه العطر والطيب وتذكر " فزوفيس " للناس ، فلا يحمل لهم اسمه إلا كل معنى من معاني الخير العميم

والمقاطعة حوله ، مقاطعة تسأل عنها الناس فيقولون : ما أطيها ارضا ! وتسأل عن أهلها فيقولون : ما أسعدهم أهلا !

حتى جاء اليوم الثالث والعشرون من اغسطس عام ٧٩ من الميلاد

حدث يليني الصغير plinyوهو المؤلف الروماني الشهير ، قال :

" ففي حول الساعة الواحدة من ذلك اليوم قالت لي والدني إنها رأت غمامة غريبة كبيرة تملأ السماء . وكان عمي قد فرغ من غداء خفيف واخذ يقرا . فما سمع بالذي قالته والدتي حتى ليس نعله وخرج يطلب مرقبا عاليا . فرأي سحابة خرج من جيل ، تفرعت كالشجرة وامتدت ظلالها ،

كان " يليني " الصغير في ذلك الوقت ببلدة ميسيم misenum وهي تقع في الشمال من خليج بابلي . وكان يسكن مع والدته . وكان مهما عمه ) يليني " الكبير ، المؤرخ الطبي الروماني الشهير ، وكان إذ ذاك قائد اسطول الرومان . فشافه حبه الاستطلاع ، فوق ما استطلع ، إلي أن يهيئ مركبا تذهب به إلي الجنوب ليعلم سر ما رأي وطلب إلي " يلبني " الصغير ان يصطحبه ، فرفض وسار بسفينته نحو تلك السحابة التي اخذت تمد اذرعها إلي الافق . ولكنه في الطريق لفي قوما لاجئين هلمين ، علم منهم ان الأمر أجل مما ظن ، وإخطر مما قدر ، وان الناس في خطر الموت . فتوجه إلي " ربتينا " لينجد أهلها . ولكنه لما اقترب منها وجد الرماد الساخن بهبط من السماء ؛ وزاد حجمه حتى كان حجرا من نار . ووجد البحر بضطرب ، وبنحسر عن الأرض انحسارا ، وينذر

من يقترب منها بالدمار . عندئذ جعل وجهته بلدة استابي stabie في الجنوب من الخليج . وفيها وجد من الفزع شرا مما خلف . ووجد الناس لابدرون ابن الملجأ . فالذين على الأرض يظنون الفزع عند الماء . والذين عند الماء يظنون الفزع إلي الأرض

وجنح يلبني بسفينته . وذهب إلي بيت صديق له ، وكان الوقت ليلا . وكانما اراد ان يضرب للناس مثلا لطمأنينته ، فأكل عند صديقه ونام . ولكن تراب النار زاد نزوله حتى خيف منه أن يسد الحجرة التى بها الضيف الكبير فلا يجد لنفسه مخرجا . فايقظوه وخرج . وخرج أهل البيت معه لما خيف على البيت ان يهد من اهتزاز الأرض . ولكن عند الباب وجدوا أمطارا من نار ، فأحجموا ، ثم ترامي لهم انه لابد من التقدم ، فغطوا رؤوسهم بالوسائد ، وجروا بطلبون البحر فوجدوا بحرا غاضبا .

وطلع النهار ، ولكن لا عليهم ، فقد كان ليلهم ونهارهم ظلاما .

وعند الصباح ارتمي " يلبني الكبير على الأرض خائرة قواه ، واحتواه دخان الكبريت حتى كاد يختنف ، وظل يطلب شربة باردة من ماء . وهم على رجليه يطلب الحياة لآخر مرة ، وأعانه تابعاه . ولكنه خر بعد ذلك صريعا مات مختنقا .

فهذه قصة العم يلبني الكبير - قصة الموت أما قصة يلبني الصغير ، فقصته قصة الحياة من بعد الموت .

ظل يليني الصغير مع والدته في " ميستم misenun في شمال الخليج . ففي ليلة ٢٣-٢٤ أغسطس ، اخذت الأرض تهتز وزاد اهتزاز الأرض بدخول الليل حتى خيف علي البيت أن ينقض . فدخلت عليه أمه في حجرة نومه لتوقظه ، وكان قد هم هو لإيقاظها . وظلا على قلق

طول الليل ، وفي الساعة السادسة صباحا قررا انه لابد لهما من الخروج . وخرجا فاذا الناس جميعا يخرجون .

وزاد الخطر ، فطليت الام إلي ابنها أن يتركها وينجو بشبابه . قال بليني الصغير : " كان بي قوة الصبي ، وكان على اكتافها ثقل السنين ، فودت الموت حي لا تكون سببا في موتى ، فقلت لها إني لا أخلص إلا معها ، ثم أخذت بيدها وأكرهتها على السير إلى جانبي

وكان الزحام شديدا ، والناس يكاد يمشي بعضهم فوق بعض . فانتحي" بليني" طريقا غير الطريق العام خوفا على أمه . وأعولت النساء ، وصرخت الأطفال ، وزأط الرجال ، وتصايح الزوج وزوجه ، والأم وابناؤها ، والأخت وأخوها ، خشية أن يفقد بعضهم بعضا في هذا النهار الحالك ، فقد كان نهارا كالليل ، وكالليل من غير ضياء ، حتى ضياء النجوم في السماء

قال بليني الصغير : " ومن الناس من خاف من الموت حي اخذ يدعو بطلب الموت . ومنهم من رفع يده إلى آلهة السماء ، ومنهم من صاح أن لا آلهة ، وأنه ليل سرمدى ليس له آخر ، وأن هذه آخرة الدنيا "

وسطعت في ذلك الليل الأنوار ، ولكنها لم تكن أنوار الشمس ، ولكن نور تلك الحمم المترامية إلى السماء

وكان " بليني " يحاول التماسك مع أمه ، ولكن خار عزمه ساعة ، فقد حسب أنه وأن الناس جميعا هالكون .

ولكن أقلعت تلك الحمم ، وتقاصرت ألسنة النيران من ذلك الجبل القريب البعيد .

ثم أخذ الظلام يخيم على الناس من جديد ، فاطمأن الناس ، هلعوا من النور ، واطمأنوا للظلمة

ثم رويدا رويدا ، يعود النور من جديد ، ولكنه النور الحق الذي يبعث الأرواح في أجسامها .

وتراءت الشمس من خلل التراب حمراء كشمس الغروب .

وفتح الناجون أعينهم ، فماذا رأوا ؟ . رأوا دنياهم قد تبدلت . رأوا قراهم قد غطاها الرماد فأخفاها فلم تبن لها حدود كما تنزل الثلوج على الأرض فتغطي الزرع ، فلا تدري من أين بدأ ولا إلى أين انتهى .

وما بين بلدة " ميسينم " شمال الخليج ، وبين بلدة إستابي stabie في جنوب الخليج ، غرقت تحت الرماد الكثيف ، على سفح الجبل الثائر ، بلدة اخري اشهر من هاتين كثيرا ، وأكبر خطرا ، تلك بلدة بمباي . فقد علاها الرماد علوا كبيرا بلغ العشرات الكثيرة من الأقدام ؛ وبلدة أخرى لا تقل في الخطر كثيرا عن هذه ، هي بلدة هركولاينوم

ولا بد أن المطر هبط من بعد ذلك على تلك البلاد فجعل من رمادها أرضا متماسكة ، زادت ما تحتها إخفاء فقد نسي الناس تلك البلاد على مر السنين ، ونسوا حتى مواقعها ، وما جري لها لولا ما حفظته الأوراق في بطون الكتب .

ثم يمضي سبعة عشر من القرون ، فيريد الإيطاليون أن يشقوا في تلك البقاع مصادر الماء ، فتنكشف لهم بطن الأرض عن آثار حياة ، فيوالون الشق والحفر ، ولا يمضى زمن حتى يدركوا انهم إنما يكشفون عن مدينة . ثم تمضي حقب بين الحفر والإهمال ، وأخيرا تتهيأ الظروف ويتهيأ المال فيتم الكشف أو يكاد عن مدينة بمباي كلها .

وإذا بها مدينة كاملة الشوارع ، كاملة الأبنية ، كاملة في كل معنى من معاني الحياة المدنية ، فالبيوت وجدوها كما كانت ، والمحاكم والمسارح بقيت على حالها ، والمخابز والأسواق هي ما كانت .

حتى لوجدوا في بيت جراح عددا للجراحة كاملة وحتي بيوت العاهرات وجودها ، ووجدوا عليها رسوما تغري بالذي فيها من شهوات .

اشترك في نشرتنا البريدية