الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الرسالة"

قصتان: 1 - الأميرة: للآنسة جميلة العلايلى، ٢ - كاهن آمون: للأديب أحمد صبرى

Share

هاتان قصتان، كانتا  غذائى فى يومين: أما الأولى فقصة  غرام عنيف عفيف، وهى  كما تقول المؤلفة: قصة  جمعت فى فصولها تاريخ  الحياة كلها، كتبت  حروفها من نار العقل  ونور القلب، فتصارع فيها اليقين والشك،  والإيمان والإلحاد، والخير والشر، وظهرت فيها

شخوص مختلفة من تهاويل المدنية الحادثة، وبساطة الطبيعة الخالدة،  واصطدمت فيها التقاليد الصارمة بالعواطف اليقظة، وكان فيها ما كان  من رغبة ورهبة، وثورة وخنوع، وألم وأمل، ثم انتهت عند حقيقة  خالدة، وهى أن الرجل رجل والمرأة مرأة، ولن يكون الاتصال بينهما  إلا على هذا الأساس الذى قامت عليه الحقيقة الإنسانية منذ الأزل

والآنسة جميلة أنثى، فأحسن ما فيها أنها تكتب بطبيعة الأنثى وميولها، فلا كذب ولا نفاق ولا تزوير،  ولكنها الأنوثة الواضحة، والصراحة التى لا تتوارى، والعواطف التى تتدفق على وضع الطبيعة؛ ووضع الطبيعة فى الأنوثة الكاملة هو الإعجاب، أو إن شئت فقل العشق للرجولة الكاملة، وإقراراً  لهذا الوضع المقدس ضحت بالأوضاع والتقاليد فى سبيل زوج

لا تقدره لها الأوضاع والتقاليد. ولقد نجحت التجربة الجريئة، فكان لها برجولته وكبريائه واعتداده ملء القلب والبصر والسمع،  وكانت له بأنوثتها ملاك الرحمة، ومثال التضحية، ورسول الحب!

والمرأة بطبيعتها -كما تعلم- رقيقة الإحساس، مرهفة العواطف، فإذا جمعت إلى ذلك موهبة الشعر كانت فى خيالها  وفى شعورها متوثبة، كأنها تريد أن تلتهم الدنيا بنظرة، وأن تزم البحر بشعرة، وهذا هو شأن الآنسة الفاضلة فى قصصها: فهى تغرد على كل فنن تغريد الشاعر، وهى تجري وثباً وراء الخيال فتسبق الحوادث، وتستطرد من معنى إلى معنى دون أن تعنى بالنسق  القصصى، وما يسمونه بالحبكة الفنية، ومن ثم جاءت قصتها كما تقول هى: سلسلة حبائل كلها أقاصيص عجيبة، ولدتها قصة  واحدة غريبة غامضة، فيها شئ من خلل السرد، وترتيب الوقائع،  وكانت فى حلّ (العقدة) قاسية، عفا الله عنها! فقد أغرقت  تجارة وطوحت بعائلة كريمة فى مهاوى الفقر والحاجة لأجل أن تصل إلى رجلها الذى رأت فى الاتصال به اطمئنان النفس، وبهجة القلب، ويقظة الروح، على أنه لا يمت لأسرتها بصلة القومية كما تقول

وفى القصة ما أحب أن أنبه إليه الآنسة المهذبة، ولولا الرفق لحاسبتها عليه الحساب العسير، وهو الاستهانة فى الأسلوب بحق اللغة وهو حق تجب مراعاته وإن تبجح فى ذلك المتبجحون،  ثم حق القوة البلاغية وهو أيضاً حق يجب العناية به لا للإفهام فحسب بل للتأثير الذى هو مهمة الفنان وغايته، ثم تلك الأخطاء  المطبعية الشائعة التى إذا احتملها ذوق الرجل الجبار فلن يتحملها  ذوق المرأة الدقيق الذى يغرم بالأناقة ويفنى فى روعة التنسيق؛  وأخيراً بعض هفوات فاتت على فطنة الأديبة اليقظة، فما كان  يصح مثلاً أن تصف الأعرابى بلبس حذاء لا يلبسه غير سراة  العرب، ثم تعود إلى وصفه بعد صفحات فتصف حذاءه بأنه  لا يلائم الرجل العادى على الأقل، وبعد هذا كله لا يصح من الآنسة الشاعرة أن تستهين في أناشيدها بعروض الشعر، ولعلها تهتم فتتلافى كل هذا فى الطبعة الثانية للرواية، فإن فى تلافيه الجمال والكمال

أما القصة الثانية فقصة مسرحية تقوم على حقيقة من حقائق التاريخ المصرى القديم، وضعها مؤلفها الفاضل وهو فى معزل على حافة الصحراء فى جنوب القاهرة حيث امتلأت رأسه من صور الأجيال القديمة وأطيافها، وازدحمت عيناه بعبرات الجيل الحاضر وآلامه، فطالع التاريخ لهذه القصة ووضع صورتها  التخطيطية الأولى، وعرف أبطالها وحلم بهم. ويا لنفس الفنان  إذا اهتاجتها ذكريات الماضى وعبرات الحاضر! إنها تحترق  فى فكرتها، وتذوب فى فنها فتأتى بكل ما فيه الروعة والجمال...

وتاريخ هذه القصة يرجع إلى عهد الملك إخناتون، وقد كان  لهذا الملك مذهب دينى يدعو إلى عبادة قرص الشمس متمثلاً فيه  جميع الآلهة، وقد كان متعصباً لمذهبه هذا تعصباً شديداً، فحاول  أن يفرضه على الناس فرضاً، واندفع يغلق الهياكل ويطرد الكهنة، وانشغل عن أمور الدولة فسرح الجنود وأهمل الجيش، فكان من وراء  ذلك أن انتقضت عليه المستعمرات المصرية، واستولى الحثيون  على شمال سوريا كما استولى العبرانيون على جنوبها، ففزع المصريون  لذلك، ونهضوا ثائرين عليه بتدبير الكهنة ورجال الجيش المعطلين،  وفى مقدمة هؤلاء أوزيران كاهن آمون فى معبد خناعى، وهو شيخ  جليل خالف الملك فى عقيدته الدينية ودعا إلى محاربته  باسم الوطنية(1)

هذه المبادئ التي أذاعها إخناتون ودعا إليها ما وسعه الجهد،  وهذه الثورة التى أعلنها عليه المصريون لإنقاذ حضارتهم وغضباً  لوطنيتهم وقوميتهم هو موضوع القصة، وغاية المؤلف التى يرمى  إلى توضيحها. ولا شك أنه قد استطاع أن يشرح فكرته شرحاً  فنياً قويماً، فلا فضول ولا ثرثرة، ولا اقتضاب ولا شذوذ فى سرد الحوادث والانتقال من وضع إلى وضع، ولكنك تحس وأنت تقرأ أنك تجرى فى نسق طبيعى مطرد، يرسمه أسلوب حلو  يفيض بحرارة الإيمان وحماسة الوطنية، وكأنها حماسة أمازيس إذ يقول: لقد فهمت وآمنت، سأعلمهم أننا ولدنا جنوداً، وأننا  ما زلنا رغم العوادى أبناء هذا النيل، نحارب وننتصر، ونطوى  العالم فى نفوذنا من جديد...

ولقد ذكر المؤلف الفاضل أنه تقدم بقصته إلى الفرقة القومية فكان رأيها قاطعاً فى عدم صلاحيتها! وأنا أستطيع أن أطمئن

المؤلف الفاضل من هذه الناحية، فإن الفرقة القومية أصلحها الله  لا تقدر الآثار إلا بأسماء أصحابها وما لهم من شهرة ودوى وطنين.  ثم أن الفكرة فى هذه القصة تقوم على الانتصار لتاريخنا وقوميتنا  ووطنيتنا، هى غذاء لروحنا وعواطفنا بما يلائم روحنا وعواطفنا؛  ولكن الفرقة لا يهمها ذلك، فهى تحب أن تكون دائماً متطفلة  على موائد الغرب، تذيع كل ما هو غريب عنا ولا يمت إلى روحنا  بأدنى شئ...

نعم أنا أطمئن المؤلف من هذه الناحية، وأقدر فيه موهبته الفنية واستعداده للقصص، فإنه استعداد قوى كامل، إذا ما تعهده  بالمران والصقل فسيكون له شأن أى شأن. ولو أنه رزق الدقة فى الحوار، والوضوح فى التعبير لكان فناناً من الطراز الأول، ولجاءت قصته وشأنها فى الكشف عن عبقريته والإعلان عن  مواهبه شأن (أهل الكهف) فى الكشف عن صاحبه  الأستاذ الحكيم

وأحب أن أنبه الأديب الفاضل إلى ما أخذه عليه بعض الناس من غموض العبارة وخفاء المعنى فى بعض جوانب الرواية، وليس بالعذر أن يقول إنه حاول أن يكون مفهوماً بالمعنى الذى يألفونه فلم يستطع، فإن اللغة أداة الإفهام، وعلى الفنان أن يُفهم وإلا كان قاصر الأداة، عاجزاً عن تصوير ميوله وعواطفه، وماذا يكون  الفنان إذا عجز عن تصوير ميوله وعواطفه؟!

تلك ناحية ليست بالعسيرة ولا بالشاقة؛ وفى استطاعة المؤلف  الفاضل أن يبلغها إذا اقتصد فى ثورته وتمكنت عنده الرغبة فى ذلك

اشترك في نشرتنا البريدية