الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 398الرجوع إلى "الثقافة"

قصرمن قصور هارون الرشيد

Share

في اكتوبر من عام ١٩٢٤ ، أخذت مديرية الأثار القديمة في سورية ، تنقب في مدينة ( الرقة ) عن قصور العباسبين بصورة عامة ، وقصور هارون الرشيد بصورة خاصة.

والرقة بلدة كبيرة في شمال سورية ، بين ( حلب) و( دير الزور ) . كانت تقوم في الأعصر الخالية على حدود بزنطية . وكان لها في التاريخ الإسلامي ، وخاصة في القرن الثاني للهجرة ، شأن كبير ؛ فقد كانت مركزا من مراكز المكوس ، وكانت مقرا يعبأ فيها الغزو ، وبباع السبي والرقيق ، ثم كانت ، إلي ذلك ، عاصمة ملك هارون الرشيد الثانية ، ومصطافه مدة ثلاثة عشر عاماً.

وقد كان من القصور التي تقرر التنقيب عنها ، قصر ذو شأن عجيب . له قصة طريقة لطيفة ، لها جانب عاطفي مؤثر .ولعل في هذا الجانب العاطفي من المتعة الشئ

الكثير ، بل لعل هذا الجانب العاطفي هو كل شئ فيها فقد كان القصر ، في ماضيات أيامه عشاً للحب والهوى، وكان الحب السبب الاول في ازدهاره ومجده.

فهناك ، في أرض منبسطة بجانب الرقة ، بقطعها الفرات الجياش ، قام هذا المغني الجميل ، تحيط به الحدائق ، وتقوم من دونه الأسوار ، وتنساب حوله الجداول المتفرعة عن الفرات

لقد مني في بقعة هواؤها لطيف ، من أجل فتاة خلوب ، على يد خليفة عظيم. أما البقعة فهي (هرقلة ) بجانب الرقة ، وأما الفتاة ، فبيزنطية حسناء ، احمها ، على قول ، هيلانه وأما الخليفة فهو هارون الرشيد

إن قصة هذا القصر ، قصة عجيب تجتمع فيها بطولة الحرب ، وبطولة الحب ؛ لقد بدأت بالحرب ، ولكنها انتهت بالحب.

ففي غزوة من الغزوات التي كانت دائرة بين العباسبين والروم ، غزا هارون الرشيد بزنطية فتغلغل ، هو وجنده ، فيها ، وغنم منها . لقد كان جند العرب في هذه الغروات يقدمون على الألوف من الروم بقلوب حديد ، وعزم شديد ، فلا يبقون منهم غير طريد  مهزوم او جريح مكلوم وتفتح لهم البلاد فينالون منها ما يشتهون .

وبلغ الرشيد مدينة في بزنطة  اسمها ( هرقلة ) وكانت منيعة حصينة عظيمة ، فأحاط بها . وما زال يطحضها بضرانه حتى فتحها ، وأخذ الجند بغنمون مما فيها ويسبون من أسراها.

وكان هذا السبي الذي سباه  المسلمون يحمل فيباع  بالمزاد . فكانت النساء تباع بيعاً رخيصاً ، ما يحفل بهن أحد لكثرتهن . ولا ينظر إليهن أحد  لوفرتههن . إلا فتاة واحدة ، فتاة شقراء ناعمة ؛ ذات دل وخلابة ، ما كادت تظهر وبنادي عليها لبيعها حتى شد الناس ، وتسابقت إليها العيون ، وشخصت الأبصار ، وهدأت الاصوات . لقد كانت بارعة الجمال . جمالها غض نادر كأن فيها سحر الشرق ورقة الروم قدبت الحماسة في نفوس الجند والناس ، وأخذوا يزاودون في ثمنها ، وكل برغب فيها ، ويطمع أن يكون صاحبها

وكانت الفتاة تنظر إليهم جميعا . . تنظر وتبكي . لقد كانت ابنة قائد المدينة ، وأجمل فتاة فيها . سباها أحد الجند وعرضها للبيع.

وبرز فجأة  صاحب قيان الرشيد ، فرأي جمال الفتاة ، وعلم أن الخليفة سبعجب بها . فما زال يدفع الدنانير الكثيرة فيها ، ويزيد في ثمنها ، حتى عجز الناس عن شرائها ، فانصرفوا عنها وفي نفوسهم لوعات وحسرات عليها.

وحملت  الفتاة إلى الرشيد . ما أسعد حظها ! لقد أعجب بها ، ثم أحبها ، ثم شغلته عن كل شئ ، وصارت مُنية قلبه ، وتميمىة من عمره . إنه يريد أن يذوق الهناءة صافية معها ، وأن ينعم

بالحب الحلو بجانبها وبغداد ، بغداد لا تضمن له التفرد بها وهي تحن إلي ربعها وأهلها . فليحملها إذاً إلى الرقة ، إلي مصيفه الشامي الجميل ، وليبن لها ، على أميال منها ، قصرا رائعاً حسناً ، ليذوق فيه ما يشتهي بهدوء وسلام.

وشيد القصر من أجلها (١)- كما يقول المؤرخون العرب ومنهم المسعودي - وبالغ في زخرفته وتزويقه ، وسماء كرما لفاتنته  (قصر هرقلة ) ذكري انتصاره في تلك المعركة ، وتحيبيا لهيلانة به . لكي تذكر أنها انتقلت من هرقلة الروم إلي هرقلة العرب .

وسرعان ما ازدهر هذا القصر ، فكان كعبة القصاد  إذا قصدوا الرشيد ، وأمل الطلاب إذا طلبوا عطاياه وجمعت فيه فتن الحياة وملاهي الدنيا ؛ جمعت كلها من أجل هذه الفتاة الخلوب ، وكان مسرحا لهوي عنيف ، عصف في قلب الرشيد ، فدفعه ان ينفق ويبذل كل غال من أجل ممن أحب.

وماتت الرومية الحسناء ، ثم مات الرشيد ، فهجر القصر ، وضاعت تلك الليالي المترعات بالهناءة والسرور . وهزأت الأيام بقصر الحب ، قصر هرقلة ، وصيت عليه غضبها ، فتحطم وتهدم واختفي تحت كومة من تراب .

واليوم ، بعد ألف ومائة سنة ، تأتي مديرية الآثار القديمة في سورية لتكشف عن هذا القصر ، وتظهر قصور الرشيد كلها .

تلكم قصة هذا القصر ، وهي قصة لطيفة . ومن يدري ! فلعل هذا القصر الذي ترتبط به صفحة من تاريخ البطولة والحب والعمران عند هارون الرشيد سيتقدم لنا وثائق جديدة على حضارة العرب في تلك الازمنة يفيد منها الناس ، ويزدهر بها الفن ، وترحب بها الإنسانية .

(دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية