الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 122الرجوع إلى "الثقافة"

قصر النظر

Share

البصر هو عماد الحياة والمرآة التى يرى فيها الناظر بدائع الكون وجماله ، والدليل الذى يقود السائر فى الحياة ومجاهلها . والعامل الذى يسرى عن النفس همومها وآلامها . فالاحتفاظ به والذود عنه احتفاظ بالنفس وذود عن الحياة . وإنى لأعجب كيف أن الناس لا يقدرونه حق قدره ، خصوصا فى هذه البلاد . وسأتناول فى هذا المقال ناحية واحدة من نواحى ضعف البصر ، وهى قصر النظر ، وأبين أسبابه وعلاجه .

وقصير النظر هو الشخص الذى يمكنه رؤية القريب بوضوح ولا يرى البعيد ؛ ومن الثابث أننا لو كشفنا على جماعة من الشعوب الفطرية ، أو على الأطفال الرضع السليمى البنية ، لما وجدنا إلا فيما ندر من بينهم واحدا قصير النظر ؛ بعكس الأطفال الكبار والبالغين ، فان قصر النظر منتشر بينهم بدرجات متفاوتة تتزايد مع تقدم العمر . وقد أجرى بحث على عشرة آلاف تلميذ ، فوجد أن نسبة قصيرى النظر فى روضة الأطفال هى ١/٤% ، وفى التعليم الابتدائى ١٠% ، وفى التعليم الثانوى ٢٦% ، ثم أجرى البحث على ٧٥٠٠ شخص من مختلف المهن والصناعات ، تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٢٥ سنة ، فوجد أن النسبة بين التلاميذ هى ٣٢% وبين الكتبة ١٦% وبين العمال ٥% وبين المزارعين ٢% ؛ ويتضح من هذا أن تأثير العمل القريب هو السبب المباشر فى انتشار قصر النظر ، وفضلا عن ذلك فان الوراثة لها أثرها الفعال أيضا .

والعين الطبيعية هى التى تقع فيها نقطة تقابل الأشعة المتوازنة من المرئيات البعيدة على الشبكية ، وطويلة

النظر تقع خلفها ، وقصيرة النظر (ميوبى) تقع أمامها أى أن هذه العين ترى المرئيات الموضوعة على بعد بكيفية غير واضحة ، وتتضح شيئا فشيئا كل ما قرب المرئى . ويرجع قصر النظر إلى عاملين : أولها وهو الأكثر حدوثا طول المحور الأمامى الخلفى ، وثانيهما زيادة تقوس الأسطحة الشفافة كالقرنية والعدسة ، فتكون قوة انكسار العين شديدة جدا ، وهذا السبب نادر . وأما الميوبى المختلط فانه ينتج من اشتراك السبب الأول والثانى .

ولا ننسى أن نذكر هنا أن بعض التغييرات سواء أكانت طبيعية أم مرضية تسبب ميوبى ، فالأولى ( الطبيعية ) كازدياد حجم البلورية ( ابتداء الكاتاركتا وهو ما تسميه العامة الميه البيضه ) . والثانية ( المرضية ) كالميوبى الناشىء عن مرض السكر والتحدب القرنى وهو نادر . والميوبى على أنواع تختلف باختلاف مسبباتها ؛ وعندما تكون حفيفة لا يشعر بها الانسان ، فاذا صارت متوسطة احتاج المريض إلى نظارة للمسافات البعيدة على الأرجح ، فاذا صارت شديدة فان المريض يحتاج إلى نظارة للقراءة عن قرب وأخرى للابصار بالأشياء عن بعد ، فاذا اشتدت عن ذلك استفحل أمرها واحتاجت إلى عناية شديدة .

أعراض الميوبى :

تظهر المقلة كبيرة الحجم وبارزة ، وحركاتها الجانبية صعبة بسبب طول القطر الأمامى الخلفى ، ثم تقارب الأجفان بكيفية واضحة عند النظر من بعيد ؛ وذلك لأن الأجفان المتقاربة لا يمر منها إلا جزء صغير من الأشعة الضوئية التى تصل إلى الشبكية ، وقد تقل كفاءة العضلات فينتج عن ذلك بعض الحول . فإذا ما اشتد المرض فإن المريض يقرب المرئيات كثيرا إلى عينيه ؛ ثم يميل برأسه ليتمكن من إجادة النظر ؛ والميوبيون يفضلون الحروف المطبعية الصغيرة لأنها تمكنهم من حصر أكبر

عدد من الكلمات فى حيز واحد ليتجنبوا حركات الرأس والعين . فإذا أراد المريض أن ينظر عن بعد يكون نظره غير أكيد . والميوبيون يميزون بسهولة فى الضوء الضعيف ؛ بل ويفضلونه على الضوء الشديد ، ويتعلق هذا بسعة الحدقة التى تمر منها كمية كبيرة من الأشعة الضوئية .

والعين الميوبية تكون عرضة أكثر من غيرها لمضاعفات طبيعية مختلفة ، يجب على المريض استشارة الطبيب بصددها . وهذه المضاعفات تتلخص فى نسب العين ( استنوبى ) ؛ وأعراضه احمرارها وقت العمل خصوصا فى المساء ، وكثرة حساسيتها ، وثقل الأجفان ، والاحساس بتوتر فى العين ، ويصبح الضوء الساطع غير محتمل ، ثم حدوث التعتم البلورى قبل أوانه ، وذلك راجع إلى ازدياد طول المحور بسبب تقدم قصر النظر . كذلك من المضاعفات ميوعة الجسم الزجاجى - الذباب الطائر يمكن أن يكون فسيولوجيا أو مرضيا ؛ فالأول يكون فى الغالب متعبا جدا للمريض ، وقد يؤدى إلى حدوث الهوس ؛ وأما الثانى فيشاهد غالبا فى الجسم الزجاجى على شكل بقع سوداء سابحة فيه ، وناتجة من التمدد الطولى للعين الذى ينشأ عنه تقطع وتهدم فى نسيج الجسم الزجاجى .

وأخيرا قد تحدث تغييرات فى قاع العين وانفصال شبكى يحدث غالبا عند الميوبيين بنسبة ٣٧% ويكون جزئيا أو كليا .

وهنا يجب أن أقول إن نتيجة العلاج تتوقف على اكتشاف المرض فى بكورته ؛ فكلما عولج فى ابتدائه كانت نسبة النجاح أكبر . ومما يؤسف له أن المرضى فى مصر يهملون أنفسهم ويتأخرون كثيرا فى العلاج ، وقد أودى هذا بأبصار الكثيرين منهم .

الأسباب :

الميوبى يكون فى معظم الأحوال وراثيا ، ويرجع

الاستعداد إلى رقة قليلة أو كثيرة فى تركيب أجزاء المقلة . والتأثير الوراثى ينتقل من الأبوين مباشرة أو من الجدود إلى الذرية . ومع أنه وراثى إلا أن العمل المستمر وكثرة إمعان النظر فى المرئيات الصغيرة يكون له تأثير فى ازدياد المرض .

ومن الثابت أن الأطفال الذكور يصابون بالميوبى أكثر من البنات . وأنه عند الأشخاص المتعلمين أكثر منه عند سكان الأرياف ( كما دلت الاحصاآت المذكورة فى صدر هذا الموضوع ) ويزداد مع زيادة الدراسة .

وكذلك سوء الاستعدادات فى المحلات العامة ورداءة الأدوات المدرسية والمطبوعات وعدم كفاية الاضاءة ونحوها ( وسيأتى الكلام على هذا باسهاب فيما بعد ) يكون لها دخل عظيم فى أسباب الميوبى . وعلى العموم جميع الأعمال المنظورة عن قرب لا يكون تأثيرها واحدا بالنسبة للميوبى . فالأشخاص الذين يركزون النظر دائما فى نقطة ثابتة كالساعاتية والخياطات يكونون أقل استعدادا لهذا المرض من الأشخاص المثابرين على القراءة والكتابة ، حيث تحدث المتنوعات المستمرة للتكييف والتقارب تعبا واحتقانا فى المقلة العينية تساعد على تقدم الميوبى .

علاجها :

يكون العلاج إما فسيولوجيا ؛ وهو الذى يراعى فيه تأثير العوامل الخارجية ، أو طبيا ، وتدخل تحته الأدوية والنظارات ونحوها .

أما الأول فيجب أن تبدأ العناية به منذ ولادة الطفل ، تم تستمر بلا انقطاع مدى العمر . وقد تأتى أسوأ العواقب من إهمال أية وسيلة من وسائل الاحتياط فى هذا الصدد ، كجودة الإضادة وإحسان التهوية وتغيير المناظر وتنويع الملاهى للأطفال ، مما لا يحتاج إلى النظر القريب .

ولا ينبغى أن تعطى لهم كتب مصورة على سبيل التلهى والتسلية . فإذا كان لابد من هذا فتقصر مدة الاستعمال بقدر ما يمكن .

أهمية الضوء :

يتأثر النظر بتأثير الضوء ؛ فالطالب فى المدرسة والعامل فى المصنع والكاتب فى المكتب كثيرا ما يضطرون إلى مباشرة أعمالهم اليومية على ضوء خافت وسط ظروف لا تتفق مع قانون الصحة ، فيجب الالتفات إلى إصلاحها . ولا يمكن أن نأتى هنا على تفاصيل كافة الاضرار السيئة التى تنشأ عن ذلك ، ولا أن نعدد المضار التى تحدث فى المنازل وغيرها ؛ ولكنا نستطيع على وجه الاجمال تحذير الناس من القراءة فى الضوء القليل فى أى وقت من الأوقات ؛ وكذلك ينبغى اجتناب الأضواء الشديدة ( ما عدا نور الشمس المباشر ) والأضواء المنعكسة على مياه الأنهار والبحار والرمال . ويجب بوجه خاص منعها من الوقوع مباشرة على العين لأنها تكون مهيجة ومتعبة لها . والنور الكهربائى أنقى الأضواء وأشدها بياضا وأصلحها للعين وللجسم بوجه عام ، لأنه يمنع فساد هواء الغرف الذى كان يحدث من الوسائل القديمة للإضاءة .

ويجب على القارئ أن يجلس معتدلا مرفوع الرأس ، وأن يجعل الكتاب على بعد ٣٠ سم من مستوى عينه على الأقل ، وأن لا يفرط فى إجهاد البصر بكثرة القراءة . ويجب أن يكون مصدر الضوء من الجهة اليسرى من فوق الكتف . وعلى القارئ أن يتجنب النور الموضوع فى الأمام والقراءة مستلقيا على الظهر . ولا يحسن مزاولة القراءة عندما يكون الانسان متعبا .

وتجب العناية بجودة المطبوعات المقروءة ، بأن يكون الورق جيدا غير مصقول صقلا يعكس النور على العين فيبهرها ، وأن يكون سمكه كافيا لإخفاء أسطر الوجه

الآخر من الورقة . كما يجب أن تكون حروف الطباعة متوسطة الحجم وسطورها غير كثيرة فى العرض وغير مكتظة بالحروف .

العلاج الطبى :

يتم ذلك بعمل نظارة للمريض ، وهى آلة بصرية تصلح قوة النظر وتحفظه وتدفع الآلام التى تنشأ من ضعفه ؛ وأهم جزء فيها زجاجها وعدساتها التى قد يضاف لها فى بعض الحالات ألوان تقى العين من الضوء الشديد أو الحرارة .

ويحسن عند انتخاب النظارة مراعاة اللون الموافق لتغييرات قاع العين . ولما كان للنظارات مزايا نافعة ، وفوائد جليلة فى إصلاح النظر وتخفيف أمراضه ، فالواجب يقضى بأن نولى أمرها عناية كاملة ؛ فلا يسمح بعمل نظارة إلا بتذكرة من طبيب ، ولا يجوز الأخذ برأى نظاراتى ، كما هو للأسف متبع عندنا كثيرا . ولقد تنبهت بعض الدول الأوربية والولايات المتحدة إلى ذلك ، فسنت تشريعا تحرم به على غير الأطباء الرمديين وصف أو عمل نظارة ، وخاصة للأطفال فى مبدأ حياتهم .

فالتلميذ مثلا الذى عنده قصر النظر قد يرى العلامات واضحة بكل من نظارات ثلاث . والقاعدة تقضى بأنه يجب فى مثل هذه الحالة انتخاب أضعفها ، وهى التى ينظر بواسطتها أحسن من بعد ، وذلك لتجنب الاجهاد للتكييف والتقارب . ولكن النظاراتى رغبة منه فى إرضاء التلميذ - وولى أمره بنوع خاص - يعمل له النظارة الأقوى ليرى بها على أحسن ما يمكن متجاهلا ما فى ذلك من الضرر العلمى , لعدم درايته ، ولقصر معلوماته . كذلك التلميذ الذى يرى بالعين اليمنى 4/1 وباليسرى 2/1 ، يحاول الطيبب إما بالعلاج أولا ، أو بعمل النظارة ثانيا ، أو بالاثنين معا ، أن تحصل العينان على قوة إبصار متكافئة ، حفظا للعين الضعيفة من أن يزداد ضعفها بمضى السنين ،

فلا يمكن إصلاحها . وأما النظاراتى فإنه يعمل النظارة لإعطاء كل عين على حدة أحسن قوة إبصار لها بصرف النظر عن الفرق بين قوة إبصارهما . وفى هذا ضرر كبير للنشء لا يمكن إصلاحه فى المستقبل بعد فوات الوقت .

الوقاية :

لقد حملتنا الطبيعة هموما وأحزانا إلى جانب ما أعطتنا من جمال وبهجة ، فلا أقل من أن نحارب مضارها بمحاسنها . وحيث إنه لا يمكن أن نقف أمام تقدم الحضارة ، أو نرجع القهقرى إلى عصور الهمجية ، فلا ينبغى إذا أن نقف مكتوفى الأيدى غير عابئين بصحة العين من مبدأ الأمر ، وما للطبيعة من تأثير عليها .

ففى روضة الأطفال يجب اجتناب الشغل القريب الدقيق ، وإجهاد النظر ، ويجب العمل على الرياضة فى الخلاء مع بساطة التمرينات ، والتمتع بضوء الشمس والهواء . وقد دلت الإحصائيات على أن قصر النظر يقف عند انتهاء نمو الجسم فى الخامسة والعشرين ، إلا فى أحوال قليلة فإنه يستمر فى الازدياد ؛ ولذا يحسن عدم إرسال الأطفال قصيرى النظر إلى المدرسة فى سن مبكرة ، ولا ضرر مطلقا فى تأخير إرسالهم سنة أو سنتين ، ومزاولة منهج خاص فى المنزل مع مداومة الرياضة البسيطة .

ويوجد فى انجلترا وألمانيا والولايات المتحدة مدارس كثيرة خاصة بقصيرى النظر أو ضعفائه من التلاميذ .      وكذلك تجب العناية ببناء المدرسة وطرق التهوية وكيفية دخول الضوء إلى الفصول والأثاث والأدوات المدرسية من كتب وغيرها كما بينا سابقا .

ويجب أن توجه عناية خاصة إلى نظارات الأطفال ، فلا تكون إلا من طبيب رمدى . وقد أجرى فحص ٤٥٠ طفلا قصيرى النظر ( من سن ٧ إلى ٩ ) يحملون نظارات طبية فوجد أن نسبة وقف تقدم قصر النظر بينهم هى

٤٣/٢% . وأجرى فحص ١٦١٩ تلميذا آخرين يحملون نظارات غير طبية ، فوجد أن النسبة هى ٢٣/٥% فقط .

ويستحسن أن يدقق فى البحث على قدر الامكان عند الزواج ، لأن قصر النظر كامن فى الأسر ، وخصوصا تلك التى تحصر الزواج فى الأقارب ، فإن هذا يجعل أعين النسل على استعداد كبير للإصابة بمرض قصر النظر .

أما العلاج بالأدوية فيحسن تركه للطبيب ، ولكن لا بأس من ذكر بعض العناصر المهمة فى العلاج كالحقن الملحية ومركبات الكلسيوم ومركبات اليود . وقد أضيف إليها حديثا مركبات وحقن فيتامين ( د ) .

اشترك في نشرتنا البريدية