الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 644الرجوع إلى "الثقافة"

قصص، , الدنيا على علاتها، أو حلم بابوك، قصة للفيلسوف الساخر فولتير

Share

من أجل هذا كانت الأشخاص فى قصص فولتير رسائل من جهة ، ورموزاً من جهة اخرى . ."     ( طه حسين )

-١-

بين الجنى والإنسى :

من بين الجن الذين يدبرون شئون الكرة الأرضية يحظى " إيتور بيل " بمكانة رفيعة ، لأنه هو المشرف على سائر بلدان آسيا الصغرى . وفى صبيحة يوم من الأيام ، ذهب هذا الجنى الخطير إلى " بابوك " السيخى ، الذى يقيم بشاطئ نهر " أوكسيس " . وقال له :

- يا بابوك ، لقد اشتد غضبنا لهذا الفساد العظيم الذى تفشى بين الفرس ، للملك عقدنا - نحن معشر الجن - بالأمس اجتماعاً كبيراً لتقرير مصير مدينة " برسيبوليس " . فاذهب أنت إلى تلك المدينة لتستقصى أمرها ، وترفع إلينا تقريراً عن أحوالها . فإن كان الفساد أغلب عليها من الصلاح ، دمرناها تدميراً ، وإن كان الصلاح أدنى إليها من الفساد ، خلينا بينها وبين البقاء .

فأجاب بابوك فى تواضع : - لكن ، سيدى ، كيف يتسنى لى أن أقوم بتلك المهمة ، وأنا لم أزر فارس من قبل ولا تعرفت فيها على إنسى ؟ . قال :

- وهذا هو بعينه ما أبغيه . فسوف تكون عادلاً فى حكمك ، ولن تميل مع هواك . إن الله قد وهبك الفطنة ، وإنى أهبك منذ الآن خاصة اكتساب ثقة الناس وحبهم أينما كنت وحيثما رحلت . فلتذهب ، ولتنصت إلى كل ما يقال . ولتحن النظر فى كل ما يرى ، ولتدبر كل

أمر ، ولا تخف شيئاً ، ففى كل مكان تحل ، تحل معززاً مكرماً.

الحرب :

واعتلي بابوك ناقته ، ورحل مع أتباعه من الخدم . ولم تمض على رحيلهم أيام حتى التقوا فى سهول " سينار " بالجيوش الفارسية التى كانت تعد العدة لمحاربة جيش الهند . فاستوقف بابوك جندياً منعزلاً فى ناحية ، وسأله عن دواعى الحرب ، فأجاب :

- اقسم لك بكل آلهتى أنى أجهل ذلك تمام الجهل ، فليست تلك الأمور مما يهمنى إنما عملى أن أقتل أو أقتل فى سبيل كسب عيشى ، ولا يضيرنى أن اخدم هذا الفريق أو ذاك ؟ بل ربما انقلبت فى الغد إلي معسكر الهنود ، لأنى سمعت أن أجر الجندى عندهم يزيد نصف درهم عن راتب الجندى فى هذا الجيش اللعين ، جيش الفرس ، وإذا أردت أن تعرف أسباب قيام الحرب فلترجع فى هذا إلى ضابط الفرقة .

وقدم بابوك للجندى هدية صغيرة ، فأدخله المعسكر ، حيث لم يلبث أن تعرف بالضابط ، فسأله عن الأسباب التى دعت إلي القتال . فأجاب :

- وكيف تريد منى أن أعرف تلك الأسباب ؟ وماذا تفيدنى معرفتها ؟ لقد كنت أعيش على بعد مائتى فرسخ من مدينة برسيبوليس ، فلما قامت الحرب هجرت أسرتى وأهلى ، ورحلت إلى هنا - تبعا لتقاليد بلادنا - أبحث

عن الثروة أو الموت ، وليس لى غير ذلك من عمل . قال بابوك مندهشاً :

- وهل زملاؤك الضباط على مثل حالتك من الجهل بذلك الموضوع الخطير ؟ . قال : - أجل ، ولا يعلم جيداً سبب سفك كل تلك الدماء إلا كبار القواد .

وكان عجب بابوك لذلك الكلام شديداً ، فاستأذن الدخول على كبار القواد ، وسمح له بمجالستهم ، فلاقى منهم ترحيباً ، وحظى بثقتهم ، فقال له أحدهم :

- يرجع سبب تلك الحرب ، التى تهد فى كيان آسيا منذ عشرين سنة ، إلى منازعة قامت بين عبد من عبيد ملكة فارس وبين ساع من سعاة ديوان ملك الهند . فقد اختلفا فى شأن دين لا تزيد قيمته على جزء من ثلاثين من دينار . ودافع كل من وزير الهند ووزير فارس عن حقوق ملكهما دفاعاً مجيداً . واشتد النزاع ، فهب كل طرف بعد العدة للقتال ، ويسلح جيشاً يربو عدد جنوده على ألف ألف . وهذا الجيش محتاج فى كل عام إلى أربعمائة ألف جندى ليحلوا محل من هلكوا فى المعارك . والفوضى قد ضربت أطنابها فى البلاد ، فتبعها الخراب والدمار ، والجرائم تزداد يوماً بعد يوم . إن العالم كله يتألم ويشكو ، ولكن عناء التجاريين لا يهدأ . وكثيراً ما يدعى وزيرنا أو وزير الهند أنه لا يعمل إلا لصالح الإنسانية ولإسعاد الجنس البشرى ، فلا يتبع كل ادعاء من هذه الأدعاءات إلا تخريب بعض المدن ونهب بعض الولايات .

وفى الهند ذاع أن قد أوشك الطرفان على عقد صلح بينهما . فسارع كل من قائدى الفرس والهنود إلى خوض المعركة خشية ضياع الفرصة .

وكان قتالاً عنيفاً دامياً ، شاهد فيه بابوك من الجرائم والفظائع ما هاله ؛ شاهد كبار القواد وهم يمكرون برئيسهم لإيقاعه فى الهزيمة ؛ وشاهد جنوداً يجهزون على ضباطهم انتقاماً لأعمال بدرت منهم فيما مضى ؛ وشاهد بعضهم ينزلون الضربة الأخيرة على الجنود الجرحى ليسلبوهم ملابسهم الممزقة الدامية الملوثة بالتراب ؛ وتنقل بين المستشفيات التى

أنشئت لمداواة الجرحى ، فرأى أكثر هؤلاء يهلكون بسبب إهمال الأطباء الذين يبذل لهم الملك أجراً باهظاً للعناية بجيشه . فصاح بابوك :

- " أهؤلاء بشر ، أم هم وحوش ضارية ؟ وأصاح برسيبوليس ؛ ايقنت الساعة أنها سوف تدمر تدميراً " . وعرج على معسكر الهنود ، وتلك الفكرة لا تدع باله ، فقوبل فيه - بفضل الهبة التي وهبها إياه الجنى - يمثل ما قوبل به فى المعسكر الفارسى من الترحاب . ولكنه رأى هناك عين الفظائع والجرائم التى تقززت نفسه منها فى المعسكر الأول . عندئذ قال ساخطاً :

" ويل القوم من أنفسهم ؛ لو أراد الجنى إيتوربيل صاحب فارس أن يدمر برسيبوليس ، لوجب على الجنى الذى يعني بالهند أن يقضى هو الآخر على سائر مدن الهند  " .

ولكنه استفسر بعد ذلك عن تفاصيل المعركة ودقائقها ، فكشف له النقاب عن أعمال فيها مروءة وفيها كرم وفيها نخوة أعجبته كل الإعجاب ، وأدهشته كل الدهشة ، فصاح مبهور الأنفاس :

- " ما أشد غموض الطبيعية الإنسانية ، وما أغرب أطوارها ! كيف استطاعت النفس البشرية أن تجمع بين كل تلك الفضائل وكل تلك الآثام ، بين كل تلك النخوة وكل ذلك الانحطاط ؟ "

بيد أن الصلح كان قد عقد قبل أن يتغلب أحد القائدين على غريمه . رغم سفكهما ، لمصلحتهما الخاصة ، كل تلك الدماء البريئة ، دماء الآلاف من البشر امثالهما . فذهب كل منهما إلي بلاط مليكه يطلب أجر ما صنع .

وإذا بالصحف والمنشورات الحكومية تشيد بالسلم وترحب بعودته ، ولا حديث لها إلا رجوع الفضيلة والسعادة توفران على أقطار الكرة الأرضية . فقال بابوك :

- " الحمد لله ؛ ظهرت برسيبوليس ، وغدت موطن الفضيلة والبراءة . لن تدمر إذاً كما كان يريد هؤلاء الجن القساة الغلاظ الأكباد . فلأحزم أمرى ولأسرع إلى تلك العاصمة المجيدة ، عاصمة آسيا " .

( لها بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية