تراجع الطفل الصغير بكرسيه إلى الوراء وقد سئم اللعب التي تتراكم أمامه ، وأخذ يفكر في جد شديد ، في دور آخر يلعبه .
واندفع الطفل بكرسيه إلى الأمام فجأة حتى استقر به على الأرض ، وامسك بسلحفاة ملونة يستطيع أن يدفعها فتسير بمهل على عجلات إلي نهاية الغرفة . وصاح الطفل في وجهها : من أنا ؟ .
وحملقت فيه السلحفاة ، وسمعها تقول له في خضوع : - انت يا سيدي رجل عظيم ، وتستطيع أن تسير بسرعة عجيبة . .
وابتسم الطفل معجبا بذكائها ووضعها إلى جانبه ، وتناول من الأرض قطاراً كثير العربات يستطيع أن يضعه على قضبانه ويدفعه فيصل إلى نهاية الغرفة في لمح البصر . صاح الطفل : من أنا ؟ .
وحمل فيه القطار ، وسمعه يقول في هدوء : - أنت يا سيدي رجل عظيم . ولكنك تسير في بطء ، شديد . .
ولم تبد على وجه الطفل إلا علامات الجد والاهتمام ووضع القطار إلى جانبه .
وسارع الطفل إلى درج صغير فأخرج منه اللعب الزجاجية التي أهدتها إليه أمه منذ أيام .
وعاد الطفل إلى كرسيه وأمسك بالفارس الزجاجي في يده وصاح به :
- من أنا ايها الفارس ؟ . وحملق فيه المارس طويلاً وسمعه الطفل يقول في كبرياء : - أنت يا سيدي وديع حقاً ، لطيف كما تقول لك أمك ، ولكنك شديد الضعف إلي جانبي . .
ووضعه الطفل إلى جانبه وأخرج الذبابة الزجاجية الصغيرة .
- فمن أنا إذاً أيتها الذبابة ؟ وارتبكت الذبابة وقالت مترددة : وكيف اعلم ياسيدي . . ولكنك . . قوي . قوي بلا شك . .
وابتسم الطفل ، وجرى إلى أمه وصاح بها دون أن تراه : - لقد عرفت حقيقتي يا أماه ! والتفتت إليه أمه فرأت بيده الذبابة الزجاجية . - أما زلت في لعبتك الحمقاء تقضي وقتك كله ؟ . - نعم يا أماه ، ولكنني عرفت حقيقتي أخيراً . . وابتسمت الأم في إشفاق وقالت له :
- حقا أنك طفل ذكي ، ولكن حسنا . ما هي حقيقتك إذاً ؟ . وأسرع الطفل يجيب دون أن ينظر إلى أمه : - عظيم ، سريع ، بطئ ، ضعيف ، قوي جدا يا أما أماه . وهمت الأم أن تقول شيئا ولكنها عادت فقالت :
- حسنا يا عزيزي ، من قال لك هذا ؟ فأسرع الطفل وأجاب ناظرا إلى أمه كأنها تشك في قوله : - السلحفاة قالته ، والقطار أيضاً . . عاد وجة الأم إلى عبوسه والتفتت إلى عملها وهي تقول :
- حسنا ، لا شك انك طفل ذكى ، ولكن ... لا يمكن أن تكون يا عزيزي قوياً وضعيفاً ، ولا يطيئاً مسرعاً معا ، لا تحزن لما أقوله . ولكنك يا عزيزي تسمع أشياء من خيالك . . إن عقلك هو الذي يقول هذا وليست السلحفاة أو القطار . . حسنا . . اذهب الآن إلى لعبك والعب بها ولا تسألها شيئا ، لن تعرف شيئاً إلا إذا لعبت بها . .
وتمالك الطفل نفسه حتى خرج من الحجرة وأقفل الباب ، وما كاد يرى نفسه وحيداً حتى سالت دموعه . .
ما الذي يمنع من أن تكون قوياً وضعيفاً وبطيئاً ومسرعاً في وقت واحد ؛ ولم لا يسال أمه ؟ ولم يكتفى باللعب بها ؟ وكيف تكذب عليه سلحفاته وهو الذي يحبها ، ولا شك عنده في أنها تحبه أيضاً ؟ وكيف يكون هذا كله من صنع خياله ؟
وتوقف الطفل برهة وأخرج منديله وجفف دموعه . وكأنما قد قرر شيئاً حازماً ، وجرى إلى حجرته وأمسك بسحلفاته وصاح بها في قسوة :
- تكلمي . . هل صحيح ما قالته أمي ؟ ألست قويًا وعظيما ؛ كلمي أبها الحمقاء ؛ وظلت السلحفاة تحملق في
وجهه ولا تهمس بحرف . . ولم يملك الطفل نفسه فأمسكها وقذف بها إلى نهاية الحجرة دون أن يدفعها برفق كعادته أو ينتظر ليرى كيف تسير . .
وصمق الطفل عندما رآها تتحطم أمام عينيه . وجرى إليها بلهفة وأمسك بها وأخذ يتحسس أجزاءها وهو لا يصدق ما فعلت يداه بالسلحفاة الملونة . .
وتساقطت الدموع من عينيه مرة اخرى ، وضم أجزاء السلحفاه إلى صدره في حنان . .
