سليمان افندي رجل طيب القلب جدا، فى الخامسة والثلاثين، لا يعرف فى حياته غير الذهاب إلى عمله والإياب إلى داره، ولا يذوق من ملاهى الحياة ونعيم الدنيا غير المعكوف على قراءة القصص والروايات أيا كان نوعها . وهو ذلك لا يعرف الناس كما يجب أن تعرف الناس، وإن ظن إنه بقراءاته الطويلة هذه قد لمس الحياة وخبر الأحياء . كان يعيش وزوجته فى غرفتين متواضعتين، راضيا بحياته . سعيد بعمله البسيط فى إحدي المصالح الحكومية وبراتبه المحدود الذى يكفيه وزوجته فى سمة، إذ أنهما لم ينجبا ولدا ولا بنتا يضطراتهما إلى العمل على زيادة الدخل والبحث عن المزيد من المال .
ولكن القدر كان يخبىء لسليمان أفندى مفاجأة لم يكن ينتظرها قط، فقد توفى له أخيرا أخ عاش حياته أعزب، وكان مغامرا مقداما، فترك عند موته ثروة ليست ضئيلة بلغت حصة سليمان أفندى منها عند تقسيمها بينه وبين إخوته الآخرين ألفين من الجنيهات .
وفكر سليمان أفندى : ما الذي يمكن أن يصنعه بهذا المال وهو الزاهد فيه، الكاره له ؟ فهداء تفكيره، أو هدته
نصيحة زوجته على وجه الدقة، فقد كانت حريصة تنظر إلى المستقبل، إلى شراء قطعة من الأرض وابتناء بيت بما يتبقى من مال، وكان فى شارع المرجان، حيث يسكنان فى شبرا، قطعة من الأرض فضاء متوسطة المساحة متوسطة السعر، لا يفصلها عن مسكن الزوجين غير بيتين متجاورين، ابتاعاها؛ وقال لهما المقاول إن ما يتبقى من مال بعد شراء الأرض يكفي بالتمام لبناء طابق واحد ذى أربع غرف .
لم تمض شهور ستة حتى نسلم سليمان أفندى المبني الجديد ولم يستقر له قرار حتى علق على واجهته لافتة " شقة للايجار" كما أعد عقود التأجير والإيصالات المطبوعة التى سيوقع عليها عند استلام قيمة الايجار . ذلك أنه وزوجته قد قرر ألا يتخليا عن مسكنهما القديم الذى يستأجرانه بجنهين اثنين، وهو إيجار قبل الحرب، وأن يؤجرا بيتهما الذى أصبحا يمتلكان بالسعر المرتفع الذى فرضته ظروف الحرب، فيدخران بذلك مبلغا شهريا معينا، وهما لم يكونا يتمكنان من ادخار شئ فى الماضى قط نظرا للغلاء الفاحش الذى عم البلاد .
قال سليمان أفندى لزوجته وهما يتفقدان المبنى الجديد : - لم أكن أحلم قط أنى أصبح صاحب ملك ! أرجو أن اؤجر هذه الشقة بعشرة جنيهات . فانتفضت زوجته : - عشرة جنيهات !
- ولم لا ؟ أتستكثرين عشرة جنيهات فى أربع غرف واسعة وصالة ودورة مياه ومطبخ لا يوجد مثله فى بيوت الأغنياء ! عشرة جنيهات هى أقل ما يمكن قبوله إيجارا لهذه الشقة الجميلة . قالت المرأة متما كرة : - ولم الطمع يا سى سليمان ؟ لتنظر إلى أنفسنا كيف تكسب معاشنا، ثم . . ألم تكن حتى عهد قريب جدا تزدرى المال ؟
- ياشيخه، دعينا نتمتع بالفلوس، ما ألذ أن يجمع الإنسان المال ! ما أروع أن يشعر الإنسان أن له عقارا ! كل من يتظاهر بكراهية المال والزهد فيه إنما لقصر همته عن نواله . .
وقبل أن يطفئ سليمان أفندى نور مخدعه لينام هذه الليلة تناول ورقة وقلما وهرش جبينه مفكرا، ثم جعل يجرى بقلمه على الورقة رموزا وأرقاما : - عشرة مضروبة فى اثنى عشر، كم تكون يا زوجتى ؟ - مائة وعشرين . - عظيم ! - ما هو العظيم - انتظرى قليلا حتى أتم حسابى، لقد تكلف بناء الطابق الأرض سبعمائة وخمسين جنيها . . فبعدكم من السنين يمكننا بناء طابق ثان ؟ إيه . . بعد ست سنوات، عندئذ يكون لنا طابقان للإيجار، تؤجر الواحد منهما بعشرة جنيهات، وبهذا يمكننا بناء طابق ثالث بعد ثلاث سنوات أخرى، ورابع بعد . .
وكان النعاس قد أثقل جفنى سليمان أفندى، فأطفأت زوجته النور، ونام الزوج حالما بالطابق الأرضى الذى صار يعلو . . ويعلو . .
وطلع صباح اليوم التالى بمستأجر جذبته اللافتة . . طاف بالشقة وسأل عن قيمة الإيجار . - عشرة جنيهات . . فقط
- عشرة جنيهات ! فى هذا الشارع الضيق؛ فى شبرا ! إن هذا لكثير . . - إنها جديدة لم يسكنها أحد من قبل . لقد تسلمتها أمس فقط من المقاول .
- ولو ما رأيك فى ثمانية جنيهات ؟ . - عشرة جنيهات لا تنقص مليما واحدا . وذهب المستأجر ولم يعد .
وعاد سليمان أفندى إلى أرقامه يدونها وإلى مشاريعه يرسمها . وجذبت اللافتة مستأجرا طلب الشقة بثمانية جنيهات . - عشرة جنيهات لا تنقص مليما واحدا .
وانهال سيل المستأجرين وكانت آخر قيمة وصلوا إليها هى ثمانية جنيهات " لا تزيد مليما واحدا ! " بينما كان يصر سليمان أفندى على أن قيمة الإيجار ولا تنقص مليما واحدا " . وهكذا كان يصر سليمان أفندى . ولكن إذا انقطع سيل المستأجرين، وضاع عليه ايجار شهرين، لم ير بدأ من تنزيل قيمة الإيجار إلى ثمانية جنيهات . وبهذا أخبر سمسارا إذ لم تعد اللافتة تجذب جديدا ، ومزق الأوراق التى كان يدون عليها أرقامه ويرسم مشاريعه، وقال لزوجته: لنبدأ من جديد. وبنفس العمليات الحسابية العسيرة التى لا تهضعها امرأته وصل سليمان أفندى إلى انه بعد خمسة عشر عاما وستة شهور، أى عندما يكون قد وصل إلى قبل الواحد والخمسين من العمر ( ا) - سيكون بيته مكونا من ستة طوابق .
ووافاة سمساره بمستأجر جديد . ولو أنه كان لسليمان أفندى شئ من المكر والحيلة وبعض العلم بالطبيعة الإنسانية لاستمر على النغمة الأولى : عشرة جنيهات ، إذ أن المستأجر لابد أن ينزل من هذه القيمة ومن أى قيمة أخرى ولو على سبيل الانتصار على المؤجر، فتكون القيمة التى يطلبها المؤجر هى القيمة التى عرضها المستأجر بالفعل؛ ولكن سليمان أفندى ابتدر المستأجر الجديد : - ثمانية جبهات . . فقط . - ثمانية جنيهات ! فى هذا الشارع الضيق ! فى شبرا ! إن هذا كثير . . - إنها جديدة لم يسكنها أحد من قبل . - ولو: ما رأيك فى سبعة جنيهات ؟ - ثمانية جنيهات لا تنقص مليما واحدا .
وذهب المستأجر ولم يعد . وأضاع سليمان أفندى باستمساكه بجنيهاته الثمانية إيجار شهرين آخرين أغلقت الشقة خلالهما " بالضبة والمفتاح " . . واتفق الزوجان فيما بينهما، إذ رأيا انصراف المستأجرين عن الشقة، على أن يؤجراها بسبعة جنيهات لأول قادم بعد الآن متخذين حكمة " إرض بما قسم " !
ولم تمض أيام قلائل حتى تقدم مستأجر جديد قبل على الفور ودون جدال أن يدفع سبعة جنيهات . وكان يمتاز عن كل من سبقوه بأناقة ملبسه وطلاوة حديثه: شاب فى الثلاثين ممتلئ حيوية وتلوح عليه مظاهر النعمة واليسر، قال إن زوجته وأولاده سيلحقون، "من البلد " حالما يستقر فى مسكن جديد مناسب . وكتب العقد بين " عبد ربة الجوهري تاجر بالمانيقانورة و" سليمان حمدان . صاحب ملك " ووقع المستأجر الجديد بإمضاء لا يكاد يقرأ ،
وأبرز حافظة نقوده المنتفخة وأخرج منها سبعة جنيهات من أوراق البنكنوت الجديدة أعطاها لسليمان أفندى الذى لولا بقية من الذوق لاختطفها من عبد ربه الجوهرى اختطافا . . ثم تفحصها جيدا بعينين شرهتين ودسها فى جيبه بإعزاز وأعطى الجوهرى أفندى عنها إيصالا ممهورا بإمضاء تأنق فى توقيعه .
إنها المرة الأولى التى يدفع فيها سليمان أفندى إيصالا عن إيجار شقة، وهو الذى لم يعتد إلا أن يتسلم مثل هذا الإيصال طيلة حياته ! لقد شعر بلذة غريبة إذ كان يتفضل على أحد " الغلابى المساكين" بسكنى داره لقاء جنيهات سبعة . . أجل ! جنيهات سبعة !
ولم ينم سليمان أفندى فى ليلته إلا لماما، فقد كانت زوجته تسمعه بين الحين والحين يتمتم ويهمهم بما لم تكن تفهم منه شيئا ؟ وما انبلج صبح اليوم التالى حتى ابتدر سليمان أفندى زوجته وهو يفرك عينيه :
- اتعلمين أنه بعد عشرين سنة سيكون بيتنا ذا ستة طوابق عندئذ أدركت زوجته فيم كان زوجها يتمتم ويهمهم فى ليلته .
انقضى الشهر الأول على سكنى الجوهرى أفندى دون أن تحضر زوجته ولا أولاده " من البلد " كما كان يقول ؛ وهذا، وإن كان مدعاة لاغتباط سليمان أفندى الذى كان
يخشى على بيته الجديد الاتساخ " والبهدلة" إلا أنه استغرب الأمر؛ ومضى اليوم الأول من الشهر الثانى، وأعد سليمان أفندى الإيصال باستلام الإيجار . . ولكن السبعة جنيهات التى كان ينتظرها لم تجئه، فظن أن الجوهرى أفندى قد نسى أن شهرا جديدا قد بدأ ومضت على أوله أربعة أيام، فأرسل خادمه ليذكره أن أياما أربعة قد انصرمت من الشهر الجديد ؟ فعاد الخادم يقول لسيده إن الجوهرى أفندى يعلم تمام العلم أن الشهر الجديد قد بدأ منذ أربعة أيام ولكنه فى ضائقة مالية هذا الشهر وإنه سيتدبر الأمر بحيث يبقى بالإيجار فى أيام قلائل . عندئذ مزق سليمان أفندى الإيصال الذى كان قد أعده، وجعل ينتظر .
وكان سليمان أفندى فى هذه الأثناء يرى أمورا غريبة تجرى فى شقة الجوهرى أفندى وحركات غير عادية تحاط بالكتمان الشديد . فقد لمح ذات مساء رجلا غريبا يدخل شقة ساكنة فلا يخرج منها طيلة المساء ؟ وظنه حينئذ أحد زائرى الجوهرى أفندي، ولكنه تيقن بعد أيام أن هذا الغريب قد استأجر غرفة عند "الساكن " أو بطريق أو بآخر عرف سليمان أفندى أن الرجل يستأجرها بثلاثة جنيهات .
فكر " صاحب الملك " فى الأمر وقلبه على جميع وجوهه، وانتهى إلى التغاضى عن هذه السكنى من باطنه مادام الجوهرى أفندى سيدفع إيجاره " على داير المليم ! " ولكن لم تمض أيام أخرى حتى لمح " صاحب الملك " سليمان أفندى، غريبين آخرين يقيمان إقامة دائمة عند الجوهرى أفندى هنا نفد صبر سليمان أفندى، إنه يعرف أن التأجير من الباطن مخالف للقانون، ولكنه لا يعرف ماذا يصنع ! إنه رجل مسالم لا يعرف طريق المحاكم ولا يحب الالتجاء إلى المحامين، ولا يدرى شيئا عن هذه المشاكل التى قد يضطر إليها " صاحب الملك " مع " المستأجر " فاضطر لأول مرة إلى أن يتصفح كتابا فى القانون المدنى بعد أن ظل حياته كلها ينعم بقراءة القصص والروايات، وفى كتاب القانون عثر على النص الذى يريده : " كل من ضبط متلبسا بتأجير شقته أو غرفة من شقته أو منافع شقته من الباطن إلى ساكن آخر يحكم عليه بالإخلاء السريع . . " عظيم جدا ! هكذا صاح سليمان أفندى فرحا : ها نحن وصلنا . ولكنه لمح سطرا يكمل ما يقرأ، فتابع النص : " . . على أن
يقدم الشاكى دليلا قاطعا على صحة مزاعمه، صحة مزاعمه هنا أسقط فى يده؛ فهو لم يكن يعرف عن الغرباء الثلاثة شيئا، بل لم يكن يدرى عن الجوهرى أفندى شيئا أيضا . إذ أنه لم يتحقق من شخصيته عندما أجر له الشقة ! وجعل سليمان أفندى يقلب صفحات كتاب القانون المدنى عله يجد فيها استثناء ما يعقبه من مهمة البحث عن دليل قاطع، ولكن بدلا من أن يجد هذا الاستثناء عثر على بند آخر يقول : " كل من يتأخر عن سداد الإيجار شهرا واحدا لصاحب الملك يكون له الحق فى الحجز على ممتلكات المستأجر والاستيلاء على حقه من قيمة المحجوزات".
هنا تذكر سليمان أفندى أنه لم يبق من الشهر غير أيام معدودات ولم يؤد الجوهرى أفندى ما عليه؛ فذهب إليه : - أرجو أن تكون ضائفتك المالية قد خفت باجوهرى أفندى . - لن أدفع مليما واحدا حتى تخفض قيمة الإيجار إلى ثلاثة جنيهات . - لقد وقعت عقدا . - " بله واشرب ميته " . - ليس هذا عمل رجال . - ماذا تريدنى أن أفعل وأنا خالى شغل ؟ ! - كيف ! ألم تقل إنك تاجر بالمانيفاتورة ! - وهل كنت تؤجر لى شقتك إن كنت أخبرتك أنى عاطل ؟
- لذا أجرت " شقتك " لثلاثة غرباء من الباطن بتسعة جنيهات لتعيش على حسابى ! - هذا شأنى . - أريد أن أعرف : من صاحب الملك ؛ أنا أم أنت ! - أنا أملك الشقة التى أسكنها . - أنت لا تعرف القانون . - القانون ! " شئ لله يا قانون " ! - يا جوهرى أفندى، أنا رجل مسالم لم أعرف ماذا يصنعون فى المحاكم ولم أر محاميا قط . - اطمئن يا سليمان أفندى . لقد عرفت منذ دهر طويل ماذا يصنعون فى المحاكم وتعاملت مع معظم المحامين . - إنك رجل غير شريف - ولو!
وغادره سليمان أفندى وقد ثارث ثائرته . وتحامل على نفسه كارها وقصد أول محام لمح لافتته فى الطريق وقص عليه فصته وطلب رفع فضية على الجوهرى أفندى ( تماما كما ذكر كتاب القانون المدنى) وتوقيع الحجز على ممتلكاته لامتناعه عن تسديد الإيجار . . أما قضية التأجير من الباطن فقد ارجأها لافتقاره إلى أدلة قاطعة تؤيد شكواه ودفع للمحامى مقدم أتعاب خمسة جنيهات .
تحددت الجلسة فى يوم ما بعد شهرين، وكان الجوهرى أفندى لا يدفع إيجارا ل " صاحب الملك " بينما كان يتسلم من ساكنيه الثلاثة تسعة جنيهات شهريا ! وجعل سليمان أفندى يترقب هذا اليوم المشهود فى حياته، حياة الفأر الذى اضطر كارها أن ينازل قطا وهل يأمل أن يتغلب عليه ! هذا اليوم الذى ستطلب فيه المحكمة ممثلة فى ثلاثة قضاة وقورين من الجوهرى أفندي أحد أمرين : إما أن يدفع ما تأخر عليه من إيجار فورا وإما توقيع الحجز على ما يملك من أثاث وبيعه بالمزاد العلنى؛ كلا تذكر سليمان أفندى كلمتى " المزاد العلنى" وثب قلبه فرحا واهتزت أعطائه طربا .
كيف لا وهو قد ضمن بهذا الإجراء ما له من إيجار متجمع عند هذا المجرم أو المحتال الأثيم . . كما كان لا يفتأ يقول . وانقضت الأيام بطيئة كأنها دهور؛ وحل يوم الجلسة أخيرا وهى سليمان أفندى إلى المحكمة التى كانت ستنظر أمامها قضيته، وغير مدخل القاعة مرتبكا متعثرا فى خطواته ،
فما كان يظن قط أن تطأ قدماه يوما أرض هذا المكان .
ونظرت أمامه قضيتان أو ثلاث قضايا وهو قابع فى مكانه مع جمهور المتفرجين قبل أن ينادى عليه . . حينئذ ظهر محامية قائلا : موجود يا بيه؛ ثم نودى على المتهم، فظهر الجوهرى أفندى وقال : موجود يا بيه !
وبدأت الجلسة وقلب سليمان أفندى ينتقض من الانفعال فقد كان دخوله قاعة المحكمة وشهوده مرافعة المحامين وهيبة هيئة القضاء وهى تتداول خبرة جديدة فى حياته . وجعل يتتبع مراحل هذه القضية البسيطة التى لم تكن تحتاج إلى محام ما فى اهتمام ولذمة، حتى سمع الحكم يخرج من بين شفتى القاضي : " حكمنا بتوقيع الحجز على أثاث المتهم . وبيعه بالمزاد العلنى ؟ غيره . ." وكاد سليمان أفندى يقبل يدى محاميه الذى كان ينابل
إعجابا بأضاييره التى يلبث من طول تناولها، ويزحلق طربوشه الذى الخت جوانبه دفعا للتعب الذيى كان يتظاهر به عند الدفاع فى قضية موكله التى لم تستغرق اكثر من خمس دقائق لتفاهتها ووضوحها كالحق. ودس فى جيبه ثلاثة جنيهات " مؤخر انعاب " أعطاها له سليمان أفندى الذى انطلق يطمن زوجته بأنه كسب القضية وأن حقه قد أصبح محفوظا مؤكدا مضمونا .
وعندما رأت زوجة سليمان أفندى المحضر والشاويش وشيخ الحارة يطرقون باب شقة الجوهرى أفندى بعد أيام قليلة لم تتمالك نفسها من الفرحة وطفقت تزغرد حتى صاح بها زوجها محاولا اصطناع التعقل :
- احتفظى بزغاريدك حتى يوم المزاد العلنى، حينئذ ستوضع لافتة على ناصية الشارع تعلن عن المبيعات، ويقف " الدلال " يدق بجرسه دقاته المتخازلة سائحا بأعلى صوته " هنا الزاد العلنى! هنا المزاد العلنى !" دنج دنج دنج! ها ها ها! ها ما ها ١
ورقص سليمان أفندى مع زوجته طربا . وغاب المحضر لدى الجوهرى أفندى نصف ساعة خرج بعدها مزهوا كأنه يقول : " أنا . . الحكومة " .
ثم تحدد يوم البيع بعد هذا بشهر لم يدفع الجوهرى أفندى خلاله مليما واحدا ل " صاحب الملك" بينما تسلم من ما كتبه الثلاثة تسعة جنيهات ! ولم تبقى على الساعة المشهودة التاريخية إلا أيام تعد على أصابع اليد الواحدة . وبحث سليمان أفندى عن النوم أثناء هذه الفترة دون جدوي : كان يفكر فى المبلغ الذى تجمد عند ساكنه وأتعاب المحامى ومصاريف القضية . . وخلافه . .
" هنا المزاد هنا ؟ هنا المزاد هنا ! دنج دنج دنج " . هكذا افتتح " الدلال" صباح اليوم التاريخى المشهود عند باب " ناطحة سحاب " سليمان أفندى . فأقبل الناس من كل فج يتسارعون، وتجمهروا حول الدخل كل يحلم باللقطة التى سيصيبها فى هذا المزاد؛ وأقبل المحضر بعد قليل يحف به عن يمين وعن شمال شيخ الحارة وشاويش مبروم الشاربين. ودق المحضر باب الجوهرى أفندى مرة ومرة، وهو يزهو معجبا بالسلطة التى يتمتع بها . لا حس ولا خبر!
وأعاد الدق مرات ومرات . لا حس ولا خبر، فاضطر، وهو الذى يمثل الحكومة، إلى أمر الشاويش بكسر الباب لتنفيذ حكم البيع غيابيا، وبضربتين من كعب بندقيته انخلع لهما قلب سليمان أفندى كان الشاويش قد حطم الباب .
كانت الشقة لدهشتهم خواء لا قطعة فيها من الأئات! كيف بدد الجوهرى أفندى أثاثه، لا أحد يدرى حتى الآن!
وبينما كان سليمان أفندى يضرب كفا بكف ويكاد ينفجر من الغضب، كان " الدلال" يصيح فى الخارج بأعلى صوته داقا جرسه العتيد؛
" هنا المزاد هنا ! هنا المزاد هنا ! دنج دنج دنج !" وأحس سليمان أفندى فى كل دقة كان يسمعها معنى السخرية من أرقامه التى كان يضعها على الورق والضحك على مشاريعه التى كان يرسمها فى الهواء .
وقبل أن يطفئ سليمان أفندى نور مخدعه لينام هذه الليلة، تناول ورقة وقلما وهرش جبينه مفكرا، ثم جعل يجرى بقلمه على الورقة رموزا وأرقاما .
- أربعة أشهر مضروبة فى سبعة جنيهات، كم تكون بازوجتى ؟ - ثمانية وعشرين جنيها . - فإذا أضفت إليها ثمانية جنيهات مصاريف قضية ومحاماة - أصبحت ستة وثلاثين جنيها . - وإذا أضفت إلى هذا جنهين - على الأقل - لتصليح باب الشقة وقد تحطم ؟ - صار المجموع . . - لم يأت المجموع بعد . . - إذا صار المبلغ ثمانية وثلاثين جنيها . - وأخيرا خمسة جنيهات لأعمال الترميم والزيت ؟ - صار المجموع ثلاثة وأربعين جنيها . .
وكان النعاس قد أثقل جفنى سليمان أفندى، فأطفأت زوجته النور، ونام الزوج تحت وطأة الكابوس الذى بدأ يهدم من " ناطحة سحابه " طابقا بعد آخر .

