كان الليل حالك السواد والسكون يخيما على الكون عندما سعي عواد في طريقه إلى سيد جديد . . . إن البيت منعزل وقد تركه ساكنوه الأثرياء ، ولن يأخذ منه سوى بضع دقائق ، ويكون قد استولى على ما تركوه . . وكان الهواء باردا في الهزيع الأخير من الليل . .
وفجأة شق أجواز الفضاء صوت قوي ينادي : " الله أكبر " ، وارتعد عواد ... لقد سمع الصوت كثيرا ، واستمر في عمله لا يلوي على شئ ، ولكن النغمة اخترقت قلبه . . كانت نغمة علوية فيها عذوبة الإيمان واطمئنان الروح ، وأرهف السمع . إن الصدي يتردد داخل نفسه ، لم يكن الأذان غير الأذان ، ولا الصوت غير الصوت ، ولكن روحا جديدة ملأت الجو ، وقوة غير منظورة لمست من قلب عواد وترأ حساسا ، فامتلأت نفسه بالخشوع . . وأخذ يتأمل نفسه فتي شريدا يلتحف السماء ويعيش على الفتات . ثم شابا ضائعا ، أسلم نفسه للشيطان منذ تعرف إلى أعوانه في السرقة . .
ثم رجلا قوي الشكيمة رئيسا لعصابة خطيرة تريد الانتقام من المجتمع الذي أسلمهم إلى هذا المصير . .
ورأي نفسه مطاردا في كل أدوار حياته ، من القانون والبوليس . . ولكن شيئا جديدا بدأ يطارده مع هؤلاء . . . نفسه ؟ نفسه التي استيقظت فجأة من سباتها ، وأرهف السمع : " حي على الصلاة . . حي على الفلاح " ما أجمل هذا الصوت ، وما أقساه . . الفلاح . . العمل ، لماذا لم يعمل عملا شريفا يحفظ عليه نفسه وحياته من المطاردة والتشريد الذين يلقاهما . . لماذا لم يؤسس لنفسه أسرة كما يفعل كل الناس ، حتى أصبح منبوذا من الجميع ، لا ترضي عائلة شريفة أن تزوجه من ابنتها . وانقطع الصوت
فجأة كما ابتدأ فجأة ، وترك وراءه اثرا عميقا في نفس عواد . .
ونظر إلي السماء ورأي ثغرة بين السحب يتدفق منها نور الفجر ، ورأي في هذه الثغرة نور الله الذي يتدفق على البائسين من سكان الأرض . . ورأى نفسه أحق الناس برحمة الله . . وسمع صوتا يهمس في أذنه : أن لا يأس من رحمته . . وانه واسع المغفرة . .
وانتفض لا من البرد ، بل من الخوف . .مم يخاف ؟ هل يستطيع أن يذهب إلى بلدة بعيدة ويبدأ حياة شريفة .. ومن يرضي به ؟ سيطارده القانون وسيعيش خائفا إلى الأبد . . إنه مجرم يطلبه القانون . . وسمع صوتا في داخله قويا : سلم نفسك !.
أسلم نفسى ؟ واعيش بين جدران السجن . . هذا يرضيك يا إلهي . . ورد عليه الصوت : نعم ! إن الله يقبل توبتك ، سيكون الحكم عليك بسيطا . . ثم تخرج من السجن شخصا جديدا . . ستبدأ حياتك شريفا تكسب بعرق جبينك ، لا تطاردك الأشباح ، ولا يعكر عليك حياتك خوف أو تأنيب . . اذهب وسلم نفسك . . أذهب وسلم نفسك . .
نعم...يا لها من فكرة جميلة حلوة . . أن يبدأ حياته بعد أن يكفر عن جرائمه . . ويتزوج وتصبح له أسرة . . وأولاد . . وأخذ يجري في الطرقات المقفرة . . في الطريق إلى البوليس ، وسمع صوتا وراءه فلم يبال . . سيسلم نفسه . . هذه هي الفكرة الوحيدة للتوبة . . ودوي طلق ناري وسقط . . وجاء رجل البوايس ونظر وجهه وكاد يصيح : المجرم . . ولكن هاله نور سماوي قد توج جبينه ! .

