الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 650الرجوع إلى "الثقافة"

قصص, أرض العافية

Share

لا أدري إن كانت تلك ذكريات تلاحقني أو أطيافاً تبرق لي بين الحين والحين ، أو حقائق تمثل أمامي مجسمة راعشة بالحياة ، لا أثر فيها لخيال وأطياف . إنها كصاحب الدين يتبع في إلحاح خطي مدينه عساه أن يظفر من فرط لقائه بمبتغاه . ولكن هذه لن تظفر مني إلا بالألم والحسرة ، وإحياء ذكري دفين مقبور لا يحيا ولا يعود . .

أخي قد مات . . ودفنته بيدي في بطن ذلك التل الفسيح الذي دفن فيه كثير من الفراعين أجدادى وأجداده . وهأنذا تعاودني الصور المثالة في وضوحها ؛ فأذكره يوم حملته في ذلك القارب الكالح الصغير ، وهو أوهن من أن يحمل جدث شاب فتى مصقول . ويومها انفلت بي وبالنوتي الواجم ، وبهذا الجدث المسجي في تابوت مديد كقامته الفارعة ، وأخذ يجري علي صفحة النيل وهي تموج بهدهدات باكية حزينة ، تتواءم مع ذلك الأسى الفادح الذي يحتشد فيغمر كل ما حولنا . . حتى وصلنا إلى الضفة الثانية . وأحسسنا عندها أننا انتقلنا إلى عالم الموت، وأننا خلفنا وادينا الحي الصاخب .

واستقبلنا بعض العائشين بهذا المكان فرأينا وجوها شاحبة ساهمة ، أو أن عيوننا رأتهم في شحوب . ولكن قرأنا على كل جوارحهم أنهم منوطون بأن يقفوا حدا بين الموت والحياة .

ولحق بنا أناس كثيرون ، ومشينا أنا وخلاني وخلانه ، وحملنا النعش الصامت وبه خلاصة شباب وعصارة غصن مهصور وذبول زهرة . ولم استطع أن أوقن وقتذاك أنه مات

كان شبابه المحمول يطغي علي الموت المتفشي في هذا التل الذي اختزن في جوفه كل تلك الرءوس والأجداث .

ولم أصدق إلا بعد أن واريناه التراب . هبطوا به إلى جوف سحيق ، ثم سدوا في وجوهنا الكاسفة الباب الذي حجزه عنا إلى الأبد .

بدأت من وقتها أعيش لذكراه . وكنت أحبها وأتعشقها وأهفو إليها . بل كنت أحرك دفينها لتكون سلوتي على مر الأيام تدلف إلي وأنا أكتب ، وأنا أتلو . بل كنت أرافقها وأنا أسير فكأنما كانت أقدامي تطأ أرضا تكسو أديمها حفنات من رماده المقدس ، فأخفف الوطء .

وألحت على في إسراف وإرهاق . وأحسست أنها تضيق وتتلف حياتي . وبدأت ألوانها تعطي للذهن معنى غير معناها الأول . كانت أول الأمر تحمل كثيراً من بهجة اللقاء ، وتخفف من حرقة بعاد طويل غير محدود الأمد ، حتي أخذت مخد أخيرا ومعها كثير من اليأس ، والثورة ، والتبرم بالحياة . وأخيرا رحلت إلى العراق وقلت أهرب من الأطياف ومن حشدها وألمها ولحاقها ، وأوفر على نفسى هذا العناء الشاق ثم مرارة تلك الفلسفة التى علقت بذهني وجعلتني استهين بالحياة وأسخر من الحرص عليها . وبعد أن بدأت تفعل في فعل الفكرة المسيطرة كي يزهد المرء حتى الحياة نفسها ، فإنه لن يفيده أن يظفر بكل مغانمها ونعمها ولذائذها ما دامت إلى زوال .

كان يزينه شباب يافع موقور يحسد عليه ، وكانت له قوة سابغة ، وقوام مرموق ، ووجه نضير باسم يلمع بسحر أخاذ ، ثم كان له قلب عامر خصب جعل الحياة أمامه لينة مملوءة أملا ونورا . وإذا به يسقم السقم الطويل الذي ينخر الصدر ، ويذبل الوجنات ، ويذهب بالنضرة ، ويقضي على

الشباب . فكان صدره يحمل أروع شباب وأعنف غرام ، وأفتك سقم .

وحاولت أن تغيب عني صورته بعض الوقت ، واندمجت في الحياة الجديدة . وشغلت حينا في التفكير في حالي وما سأصير إليه . تركت وطني وبيتي وابني الوحيد ، ورحت أضرب من جديد في أرض الله . ورحت استعرض الأسفار وما تحوي من لذائذ ومشاهد . ورأيت أني سأحقق حلما من أحلام كل من قرأ ( ألف ليلة وليلة ) ، وسأتعمر في حياة فنية براقة في تلك المدينة الخالدة، عاصمة الرشيد بماضيها وحاضرها ، وما تكدس في تاريخها العريض من عمران قرون وقرون . وألهاني كل هذا عن صورة أخي الحبيب . . ولكنى لم انسه تماما . .

مررت في سفرتي بتلك الرياض اليانعات والتلال الخضر والجبال وقد جلل قللها شعر أشيب يسيل على وجناتها الناضرة التي تفيض بعصارة الحياة ، فيذكرني جمالها بجماله . وفنها بفنه ، ونضرتها بنضرته . رأيت كلما مررت بتلك الاكناف شباب الدنيا وفتنة الشرق فذكرتني بشبابه الفاتن .

ووصلت . . وهيأت نفسي للعمل الجديد . . وإذا بي أشهد أخي . . شهدته بلحمه ودمه . . دخلت حجرة التلاميذ لأول مرة فإذا بي ألقاه جالسا . . وألجم لساني ، وانفغر فمي ، وفتحت عيوني في حملقة ملحوظة كأنما أتاني مس عارض مفاجيء . وبان على وجهي تعبير من صادف حادثا جللا ليس له جلد على احتماله . وجاهدت لأتمالك نفسي وفكرت أني لابد أتعقل وأبعد عن نفسى تلك الدهشة وهذا الاضطراب في أول لقاء لي بهؤلاء التلاميذ الجدد . وسرت بينهم حتى قربته ورحت أتمعن في وجهه . . إنه هو . . أخي الحبيب بشعره المرسل اللامع ، وملامحه القوية العميقة ووجهه الطويل وشفاهه المستوية ، وقامته الفرعاء ، ثم شحوبه الذي يناضل وسط غمرة الشباب ويأبي إلا أن يبقي ليزيد الوجه معنى وسحراً . . وسألته :

- ما أسمك ؟ - اسمي حسن عبد الله . . وقالها في نغمة آليمة هادئة ، هي صورة من نبرات أخي يوم اشتد مرضه وأوشك أن يموت .

ودهش التلاميذ ، كما دهش التلميذ نفسه فانتصب واقفاً وقال في صراحة : - هل من غريب في ؟

وهنا زاد اضطرابي وتلعثمت ثم قلت . . - لا . . إنما .  . . أنت تشبه أخي تماما إن لم تكن . . . أقصد ألست هو ؟ . .

وقلتها في كلمات متكسرة مضطربة ، ولكن لم يبد للهزل أثر فيها . لهذا ساد المكان صمت ولم تجد على الوجوه حتى بسمة واحدة . . قال :

- لا . لست هو . . وأين أخوك هذا ؟ - بمصر - تلميذ ؟ - لا . . . إنه مات . . - رحمه الله . .

كثيرا ما يفلت من الإنسان جنانه ، فلا يملك القوة التي يسيطر بها علي أحاسيسه . ولقد أفلت جناني فلم أصدق ما قاله ، بل كان من المحبب إلي نفسى أن اعتقد أن هذا هو أخي وأنه هبط إلى الحياة من جديد على نمط من أنماط تناسخ الأرواح ، وأن القدر هو الذي يكيد للأنسان أحيانا ، فيهييء ما لم يدر له بخلد أو خيال ، وان كان المنطق يناضل لهدم ما يجول بخيال المرء مثل تلك الأوقات إلا أنه يبوء بالفشل ، وتسيطر الخاطرة على الذهن وينقلب الوضع ونعتقد عن يقين أن كل شئ جائز الوقوع معقول . ميت يحيا أو حي لا يموت . ويستمرئ خيالنا تلك الأشياء لأنها تشبع في نفوسنا رغبة تلهف إليها ، ومن ثم تغذيها فلا تطمس أو تزول

وانقلب الدرس إلى صور وذكريات كتلك التي دفنتها بمصر ، وصار المكان يعبق بالموت والحياة ، وأخذت أتخيل التل الرابض عند سفح النيل يضم جدث أخي . وبدأت استعرض ما كمن وما كان مذخورا في طيات ذهني من قديم ، ما كنت أذكره وما كنت قد نسيته . ثم شطح خيالي فذكرني بادجار ألن بو ، وعالمه الذي كان يعيش فيه ، والذي كان يبعث الوجل إلي نفس قارئه الذي لم يعرفه على

حقيقته ثم يعود الإنسان يؤمن بغرابته فيطمئن إلى كل ما ينعت به شخوصه وما تتصف به . بل تذكرت هذا الرجل الخفي الذي خلقه لنا ويلز . ولكن لم يكن هذا الشاب مثل تلك الشخصية الخفية . إن أخي بلحمه ودمه . وليس يحمل ذلك البدن الشفاف الذي تختفي من ورائه كل حبة فيه وكل قطرة دم .

إني لا أري روحا ، بل بدناً حياً يحمل كل سمات أخي . ثم انغمرت في هذا العالم الموشى المزهر ، فصار يحلو لي أن استطرد فيما كان يبعثه في كياني .

إن تلك الصور لا تؤلم ، بل يحلو لي أن أتهيها . وجدتني أشغف بأن أرنو إليه طويلا ، وأن استملى من ملامحه الحبيبة ، بل وجدتي أهفو إلى أن أحتضنه وان أقبله . وأن أعبر عن بعض شوقي إليه بعد فراق عام طويل قضيته وسط حشد من الصور الباهتة ، ونبع من الألم المكافح المعض . ودق الجرس ، وتركت مكاني كما جئت إليه بعد أن نظرت إلى صاحبي نظرة طويلة متلهفة ، فيها حنان وحيرة وخيال ، وحقيقة وجنون .

لم أنم ليلتها وفكرت طول ساعات هذا الليل البهيم الطويل ، وكان بعض هذا التفكير عنيفاً صاخباً . تمنيت أن أعرف داره . فاذهب إليها وأجلس إليه وأتحدث معه طويلا عساي أن أهتدى إلى حقيقته وكنه وجوده . وفكرت في أن اعيش معه وأستمتع بالحياة مع أخي من جديد .

وجاء الصباح ، وتوالت بعدها الأيام وأنا أتقدم في معرفته والتقرب إليه ، وأنس إلي وانست إليه ، وعرف أني أحببته لأنه كما أراد الخالق شبيه أخي . ورأي صورته فرأي فيها نفسه ، حتي هذا الذبول الشاحب كان يتضح في الصورة . . وكثرت زيارته لي لأني رجوته أن يفعل ، وكنت أثناء جلستنا أحس منه هدوئاً ، لا يتواءم مع شاب في مثل نضجة . وشيئا من الذلة لم أرضه له . وخفت أن يكون خجلا تحول الجلسة معه إلى ملل مقيت . ثم سمعته يسعل أكثر من مرة . وعندها سألته :

- أتشكو من شئ ؟ فابطأ في الإجابة ثم قال . .

- قل . أنا مثل أخيك . بل أنت أخي . - صدري . . - ماذا به ؟ - المرض الفتاك . .

وكدت أصعق . حتى ذلك الذي ساق أخي إلى القبر قد أتي ليسوق هذا الشاب إلى مثواه الأخير . وكدت أجن إذ أري كل ما سبق ، ثم أعلم أنه مريض بذات الرئة .

ورئيت له في نفسى وإن لم أظهر له ألمي وقلقي ، وأحببت له الحياة وأردته أن يتشبث بها إن كان بوسعى أن أعينه على ذلك . وتذكرت حلوان . . تلك الصحراء الطيبة الحنون التى تمنح جفافها وهوائها لتطب به تلك الصدور النخرة فتبعث بها بعض الحياة . ثم تذكرت تلك الشقة الشاحطة التي تفصل ما بين الفراتين ووادينا المملوء بالعافية . واستطرد بي التفكير وأردت أن أفعل وان أخذ دون تسويف . فهذا سقم يحتاج إلى نضال سريع وعمل جرئ . ورآني علي حالي تلك . فسأل

- هل مات أخوك بهذا المرض ؟ . - أخي ؛ . . لا . . - ألم يكن مريضا بذات الرئة ؟ . - وكيف عرفت ؟ . . - قرأته في وجهه . . - إنه وإن كان مريضا ، فقد مات بغيره . - إذا ليس هذا المرض مما يفتك الفتك الأكيد . - إذا كنت حذرا ، وإذا لم تفعل مثل ما فعل أخى  . . .

- وماذا فعل ؟ . - أحب الممرضة وأحبته . . - وهل قتله هذا الحب ؟ . . - نعم . . كان له تلك الجاذبية الناطفة التي ترضخ له قلب فتاة تري شابا في مثل سنه ، ثم كانت له آمال يستحيل على مثل مرضه أن يقوضها .

ادخلناه المصح فإذا هو يحول شخصا آخر بعد أسبوعين وإذا بالمرض يتخاذل أمام هذا الحشد من سحر حلوان ،

ودبت في خدوده حمرة ، وفي شفاهه مثلها ، وبانت آثار العافية عليه فإذا هو ساحر فائق ، وعادت إليه قوته فإذا جسمه مفتول مصقول كأحسن ما تشتهي فتاة متعطشة للهوى . .

ورأته ورعته وغمرته بالحدب والعناية إحدي ملائكة هذا المصح واسمها ل . . وكنت أزوره  فأراها إلى جانبه تحدثه وتسليه وتسامره في كثير من الحنان والميل والتلهف  بحيث إنها كانت لا تفارفه إلا لماما ، وبعث ذلك فيه أملا جديدا في الحياة أراد أن يقضي به على البقية الباقية من مرضه ، وهيئت له خواطر جديدة وأهداف جديدة وأفكار تنصب كلها على المستقبل وعلى ما سوف يقوم به يوم يترك المصح ، وتلحق به تلك التي بعثت في بدنه الحياة من جديد . وفاتحها فيما يفكر فيه ، فإذا بها تبادله غراما بغرام ، وإذا هذا الصدر الذي كنا نحسبه خربا منخورا يحوي غراما له أعمق تاريخ وأجل قدسية ، وتذكرت أيامها بروننج ذلك الشاعر الفحل الذي أحب فتاة مصدورة فقضي هذا الحب على مرضها ، وكانت معجزة لم يقم بها طب أو طبيب ، واستكنهت كل شئ على حقيقته وأدركت الأثر النفسي المخلف عقب تلك العلاقة الغرامية ، ولكن لم يدركها أو يقدرها أحد غيري ، ثار الكثيرون ، وثارت رئيسة الممرضات ، ولم ترض أن تشتري حياة شابة غالية بغرام كهذا مع إحدي من يعملن تحت إمرتها ، فحالت بينه وبينها ، وكانت صدمة اهتزلها وجدان أخي وهو يشعر بحريته وحقه في مصح مأجور كهذا ؛ وتمر الأيام فإذا هو لا يري الملاك الذي يمده بالعافية كل يوم وكل ساعة .

وسأل فإذا به يعلم أن الممرضة قد نقلت إلى غير الجناح  الذي يعيش به ، ولكنه لم ييأس ولم يعرف الوجل ، خاصة وأنه لم يعرف الأسى حينما أيقن أن حياته ستدبر بعد أيام .

كان يذهب إليها وكانت تضطر إلى أن تذهب إليه ينعمان في لحظات اللقاء ببعض الكلام الحلو المرير ، ولكن بعد أن أحس الكل أن المريض أخذت تزول عنه بعض علائم الصحة المكسوبة .

وإذا الطبيب يدرك أنه يتقهقر بعد تحسن كبير .

ووهن جسمه الوهن الذي يجعل المرض بكل مضاعفاته يثقل ويهلك ، ولكنه رغم ذلك لم يحس وهنآ بقلبه . . بقي عامراً بحبها .

وأراد أن ينعم مرة بالخروج من المصح ليذهب مع ل . . . إلي دار خيالة ، وخرجت هي كعادتها في أيام الراحة ، ولكن الطبيب لم يعطه التصريح الذي طلب لأن صحته لم تكن تساعده على ذلك ، وكان متعباً حقا ، وكان الطبيب كريما فأفهمه نتيجة عمله وأنه سيؤخره أياماً في عمر هذا المرض اللعين ، وأخيرا خرج رغم أنف الجميع ، قفز من سياج المصح العالي وجري ليقابلها . . وقضى معها ساعات . . عاد بعدها محطماً ، وكان عقابه أن يطلب منه ترك المصح . وتفاهم معي الطبيب فقدرت موقفه وأخذته وبه صدر بدأ ينخر من جديد . . وقلب عامر بأعنف غرام . .

ترك أرض العافية ، ترك حلوان الجميلة بحدائقها الغناء ومصحها الباسق الرابض فوق تل شامخ يقربه من الهواء الرخاء والنسمات الصافيات ، تركناها ونحن نحس أننا نترك سراً من الأسرار التي تجود بها تلك الأرض المباركة ، يتصل بحيوات هؤلاء المصدورين .

وقضي بعدها عاماً معذبا . . يراسلها وتراسله  حتى مات . .

وبعد أن ذكرت له قصة أخي برقت عيونه وأحسسته وكأنما انتشل من غرق ، قال : - سأذهب إلى حلوان ما دامت تحوي هذا السر الذي يمنح الحياة لمصدور

- ولكن ل . . - سوف أتعظ من قصة أخيك . . - ولكنها ستحبك . . إنك . . إنك أخي تماماً . - ولكني لن أبادلها الغرام . . - أتقدر ؟ . بإذن الله . .

وجئت إلي مصر . . الوادي المسحور لأهيء له مقاما بأرض العافية .

اشترك في نشرتنا البريدية