الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 654 الرجوع إلى "الثقافة"

قصص, الخل الوفى، لأوسكار وايلد

Share

إقرأ هذه القصة مخيلا لنفسك أن هيوز صاحب الطاحونة فى القصة إنما يصور أولى الأمر عندنا فى مصر على اختلاف نزعاتهم وان هانس يصور طبقات الشعب المتعطشة للاصلاح الحقيقى وأولو الأمر يعدون الوعود الجميلة وطبقات الشعب المنظر الوفاء بذلك الوعود فى غير جدوى فكأنما  كتب أوسكار وايلد هذه القصة يصور بها ذلك الثقافة

قال طائر من الطيور لفأر من الفئران سأنزل إلى جوارك لأقص عليك قصة الخل الوفى

يحكى أنه فى زمن من الأزمان كان يعيش على ظهر هذه الدنيا رجل كريم العنصر طيب الأعماق اسمه هانس

قال الفأر أو كان هذا الرجل من الرجال البارزين قال الطائر أكبر الظن أنه لم يكن كذلك إذا استئغينا طيبة قلبه وابتسامته المشرقة

وقد كان صاحبنا هذا يعيش وحيدا فى كوخ صغير وهو يعمل كل يوم عمل البستانى فى حديقته وكانت تلك الحديقة لفرط عنايته بها بهجة للناظرين

فمن نرجس لما رأى حسن نفسه

                تداخلة العجب به فتبسما

ومن سوسن لما رأى الصبغ دونه

                 على كل أنواع الرياض تقسما

تجليب من زرق اليوافيت حلة

               فأغرب فى الملبوس فيها وأحكما

وأنوار منثور تخالف شكلها

             فصار بها شكل الربيع منمنما

جواهر لو قد طال فيها حياتها

              رأيت بها كل الملوك مختما

وكان لهانس أصدقاء كثيرون ولكن الخل الوفى بينهم

كان الرجل الضخم هيوز صاحب الطاحونة ولقد كان هذا الرجل الغنى والحق يقال صديقا قد أوفى على الغاية فى صداقته إذ كان لا ينسى كلما مر على الحديقة أن يطل من سورها فيجمع باقة من الورود أو يملأ جيوبه من التوت إذا كان الموسم موسم الفاكهة

وكان من عادته أن يقول إن على الأصدقاء الصادقين أن يتقاسموا الأشياء كلها فيما بينهم وكان هانس يسمع فيبتسم ويحس إحساس الفخار والزهو بأن أتيح له أن يكون من بين أصدقائه رجل يؤمن بهذه الآراء القيمة

وكان الجيران أحيانا يعجبون من أن الطحان الغنى لم يرد يوما جميل صاحبه وهو الذى يملك مئات الأكياس من الدقيق وهو الذى عنده ست بقرات حلوب كما أن عنده قطيعا من الغنم يستطيع أن يهديه منها جزء أو جزئيتين ولكن هانس لم يعن يوما بالتفكير فى هذه الأشياء إذ كان أحب الأشياء عنده وأبعثها للسرور لديه أن يسمع إلى ما يقوله صديقه الطحان الغنى عن فضائل إنكار الذات التى تقوم برهانا على الصداقة الصادقة

وفى فصول الربيع والصيف والخريف كان هانس سعيدا غاية السعادة لا يصده صاد عن العمل فى حديقته حتى إذا جاء الشتاء وعريت الحديقة من الزهر والثمر فلا فاكهة تحمل إلى السوق ولا زهر عانى الألم الممض من الجوع والبرد وبات يقضى الليالى بغير عشاء إلا بضع تمرات من الكمثرى المجففة أو البندق وظل طوال الشتاء يقاسى ألم الوحدة فلا خليل ولا أنيس

وهذا الطحان ما كان ليراه مادام الشتاء محدود الرواق وكان من عادة هذا الطحان أن يقول لامرأته لست أجد أية فائدة من ذهابى لرؤية هانس الصغير ما دامت

الثلوج ذلك لأن الناس إذا ألمت بهم النوائب وجب أن يتركوا لأنفسهم وأن لا يقلقهم الزوار وهذه على الأقل آرائى فى الصداقة وإنى لواثق أنى على حق وعلى هذا فانى منتظر عودة الربيع ويومئذ سأزوره ويومئذ سيكون فى قدرته أن يهيئ لى سلة ملأى بأزهار الربيع  وسأسعد يومئذ وأنعم بتلك الهدية

وكانت امرأته تقول له إنك لكثير التفكير حقا فى أمور الآخرين وإنى ليسرنى أكبر السرور أن أسمع حديثك عن الصداقة والأصدقاء وإنى لعلى يقين أن القسيس نفسه لا يستطيع أن يحسن القول فى هذا الأمر كما تحسنه أنت على الرغم من أنه يسكن بينا ذا ثلاثة طوابق وعلى الرغم من أنه يتختم بخاتم من ذهب

وقال أصغر أولاد الطحان الفتى ألا نستطيع أن تدعو هانس الصغير إلى بنا حتى إذا كان يشكو الجوع أعطيته نصف غذائى من العصيدة ثم أريته أرانى البيضاء

فصاح أبوه فى وجهه بالك من ولد فى وإنى لست أعرف ما فائدة إرسالك إلى المدرسة إذ يبدو أنك لا تتعلم هناك شيئا ألا فلتعلم بابنى أنه إذا جاء هانس إلى بيتنا ورأى النار الموقدة ورأى العشاء الفاخر ورأى باطية النبيذ الكبيرة شاع فى نفسه الحسد والحسد من أشد الأشياء هدما لسعادة النفس وهو قادر على أن يحيل النفس المطمئنة نفسا قلقة مضطربة. ولست أبغى والحق أقول أن أبدل من اطمئنان نفس هانس قلقا واضطرابا وأنا أصدق صديق له  ولكنى سوف أظل أرقبه دائما من بعيد وسوف أعنى بأن أجنبه وساوس الشيطان وفضلا عن ذلك فان هانس إذا جاء إلينا فهو لابد سائلي أن أعطيه مقدارا من الدقيق عارية وفرضا وهذا مالا أستطيع أن أفعله والدقيق شئ والصداقة شئ آخر وهما ضدان لا يجتمعان ألا يرى أن هجاء الكلمتين مختلف جدا بل هما لفظان لمعنيين ليس بينهما سلة وكل الناس يعرفون ذلك

قالت امرأته وهى تملأ قدحها خمرا ما أبدع قولك وما اروع حجتك لكانى ارى نفسى الآن فى الكيسة

فأجابها إن كثيرا من الناس يجيدون القول ولكن قليلين جدا هم الذين يحسنون فن الحديث وهذا ما يثبت

أن فن الحديث أصعب الفنين

ثم نظر نظرة عابسة إلى ولده الصغير الذى أحس احساس الخجل وقد خفض رأسه وبدأ يلح فى طلب الشاى إخفاء فخجله وبدأ والده يقتمس له المعاذير وأولها صغر سنه

وعندئذ سأل الفأر وهل هذه نهاية القصة قال الطائر بل هذه بدايتها

قال الفأر إذا فأنت من رجال المدرسة القديمة الا فاعلم علقت الخير أن القصاص البارع فى أيامنا هذه هو الذى يبدأ بنهاية القصة ثم يتبعها بدايتها ثم يختتمها بواسطة عقدها وهذه هى الطريقة الحديثة وقد سمعت شرحها وتفصيلها منذ قريب من أحد النقاد وهو يمشى إلى جانب فى حول غدير ماء وكان هذا الناقد يسهب فى الشرح والتفسير وإنى لأظنه على حق ودليلى على ذلك نظاراته الزرقاء ورأسه الأصلع

ثم استطرد الفأر يقول ولكن أتمم قصتك فإنى أحببت الطحان حبا جما ذلك أن عندى من عاطفة الخير صنوفا وألوانا وكلانا يشبه صاحبه حذوك النعل بالنعل

واستطرد الطائر يقول فلما ذهب الشتاء وبدأت أكمام الزهر تتفتح قال الطحان لامرأته إنه أصبح واجبا عليه أن ينزل إلى الوادى ليرى هانس الصغير فصاحت فى وجهه القول ما أطيب قلبك وأخلص سريرتك إنك دائم التفكير فى الآخرين فلا تنسى أن تأخذ معك السلة الكبرى لتعود بها ملأى بالأزهار

وربط الطحان أشرعة طاحونته ربطا محكما بسلسلة من حديد وسار إلى بيت هانس ممسكا السلة بذراعيه وقال لصاحبه عم صباحا يا هانس

قال هانس مبتسما ابتسامة عريضة وهو ممسك بفأسه صباح الخير يا سيدي  ما فعل بك الشتاء الطويل

لست استطيع أن أجزيك شكرا على هذا السؤال الطيب وإنى لأخشى أن أقول إن الشتاء كان قاسيا على فقد القيت فيه من أمري نصبا ولكن الآن وقد جاء الربيع فإنى به جدا سعيد فكل الزهور تنمو وتزهر

لقد طالما كنت موضوع أحاديثا طوال الشتاء وكنا نتساءل كيف أنت وكيف حالك

لقد كان هذا فضلا من أفضالك ولقد خشيت أن تكونوا قد نسيتمونى

إنى ليتولانى العجب منك فالصداقة ليس من خلائفها النسيان وإنى لأخشى أنك لا تستطيع أن تدرك المعانى الشعرية التى تقوم عليها الحياة ولكن قل لى

والشىء يذكر بالشئ كيف حال أزهارك

لقد أينعت وحان قطاقها وإنه لمن حسن حظى أن عندى الكثير من صنوفها وألوانها وإنى لمعتزم أن أغدو بها إلى السوق فأبيعها لابنة العمدة وأسترد بثمنها عربة اليد التى كانت عندى

تسترد عربة اليد التى كانت عندك أو تعنى بذلك أنك كنت قد بعتها إنه لمن دلائل الغباء البالغ أن تفعل ذلك

لقد كنت والحق يقال مضطرا وقد تخرج الحاجات يا سيدي الطحان كرائم من رب بهن ضنين فقد تعلم أن زمن الشتاء كان من أزمنة المحن عندى وقد عدمت فيه القوت بل عدمت فيه أقل القوت فبدأت أولا ببيع الأزرار الفضية التى كانت تحلى بدلتى التى أرتديها أيام الأحاد والأعياد ثم ثبت ببيع سلسلتى الفضية ثم غليونى الكبير ثم ألجاتنى الحاجة إلى بيع عربة اليد ولكنى الآن ذاهب لأسترد هذه الأشياء كلها

قال الطحان إنى لمعطيك يا هانس عربتى وهى فى غير حاجة إلى إصلاح كبير ذلك لأن جانبا واحدا ليس غير من جوانبها قد فقد وذلك أن فى فراملها شيئا يستحق الإصلاح وإنى لأعرف أنه سخاء منى وأى سخاء أن أنزل لك عن تلك العربة وإنى لأعرف أيضا أن كثيرا من الناس سوف يعدوننى سفيها أو معتوها للتخلى عن تلك العربة ولكن ليس لملائم عندى عتاب ذلك أنى أرى أن السخاء هو أصل الصداقة وروحها وفضلا عن ذلك فإن عندى عربة يد جديدة سأخص بها نفسى

الحق أن ذلك منك سخاء وأى سخاء قال ذلك وقد شاع فى وجهه السرور ثم استطرد يقول وإنى لمستطيع إصلاحها فى غير مشقة ذلك لأن عندى فى البيت لوحا من الخشب

ماذا تقول ألوح من الخشب ذلك ما كنت أبغى إنى أريد إصلاح شونتى فإن فى سقفها شقا كبيرا فإذا لم أقم بإصلاحه فإن الغلال ستتلفها الرطوبة ولقد كان من

حسن الطالع أن ذكرت لى ما ذكرت أما وقد أعطيتك عريق فإنك معتزم أن تعطينى لوح الخشب ولا مشاحة فى أن عربة اليد هى أغلى ثمنا من لوح الخشب ولكن الصداقة الصادقة لا تبالى ابدا بمثل هذه الفروق فأرجو منك أن تجبئنى بلوح الخشب من فورك وعلى أن أبدأ بإصلاح شونتى فى يومى هذا

لاريب فى ذلك ولاشك ثم جرى إلى الحظيرة وجاء بلوح الخشب

قال الطلحان إنه ليس باللوح الكبير وإنى لأخشى أنه بعد إصلاح سقف شوننى أن يتبقى من اللوح بقية تستطيع بها إصلاح العربة ولكن هذا بالطبع خطأ لست أنا المسئول عنه وما دمت قد أعطيتك عربتى فإنى واثق أنك راغب فى إهدانى بعض الأزهار وهاك السلة ورجائى إليك أن تملأها ملأ كاملا

قال هانس وقد بلغ به الحزن مبلغه ملأ كاملا قال ذلك القول لأنه رأى أن السلة كبيرة جدا وانه لو ملأها فلن يتبقى له ما يبيعه فى السوق وهو جد راغب فى استرجاع أزراره الفضية

حسنا ولكنى ما دمت قد أعطيتك عربتى فلست أرى كثيرا على أن أسألك بعض الأزهار وقد اكون فى ذلك مخطئا ولكنى أرى أن الصداقة وأعنى بها الصداقة الصادقة بريئة البراءة كلها من الأنانية فى أى لون من ألوانها فصرح هانس فى وجهه قائلا

أيها الصديق العزيز لك ما نشاء وتشتهى من الأزهار بل لك الأزهار كلها وإنى لأفضل الإبقاء على حسن ظنك بى على الأزرار الفضية

قال هذا ثم جرى يجمع أجمل أزهاره فملأ بها سلة صديقه  أستودعك الله يا هانس

قال هذا ثم صعد فى الجبل وهو يحمل لوح الخشب فوق كتفه ويمسك بيده سلة الأزهار

قال هانس فى حفظ الله ورعايته ثم قفل راجعا وهو فرح مسرور بعربة اليد التى وعد بها

وفي اليوم التالى وقد كان واقفا يسمر غصنا من أغصان للتسلفات فوق السقيفة سمع الطحان يناديه من عرض الطريق فنزل هانس السلم وجرى إلى مصدر

الصوت فإذا الطحان يحمل كيسا من الدقيق فوق ظهره ويطلب إليه أن يحمل عنه الكيس إلى السوق

قال هانس إنى لأسف ذلك لأنى اليوم مشغول إذ على أن أسمر المتسلقات وعلى أيضا أن أسقى الأزهار وأن أحش الحشيش

قال الطحان يخيل إلى أنى وقد أزمعت أن أعطيك حريتى فليس مما يتفق وشروط الصداقة أن تعصى لى أمرا

لا تقل هذا القول فإنى لا أبغى عن الصداقة عوضا ثم جرى فجاء بقيمته ثم دلف إلى السوق وهو يحمل الكيس الكبير فوق كتفيه

وكان اليوم فائظا شديد الحر وكانت الطريق تغطيها غلالة من تراب وقبل أن يبلغ هانس منتصف الطريق كان التعب قد برح به حتى لقد اضطر أن يجلس ليستريح ومع هذا فقد سار يحمل العبء فى شجاعة الشجعان وأخيرا بلغ السوق وباع كيس الدقيق بالثمن الربح ثم أسرع بالعودة إلى بينه مخافة أن يلقاه بعض اللصوص إذا جن عليه الليل ولما أوى إلى فراشه قال يحدث نفسه لا شك أنى قد لقيت من يومى هذا نصبا ولكن يسرنى أنى أجبت طلبة الطحان ذلك لأنه أصدق أصدقائى وأخلص خلصائى وفضلا عن ذلك فإنه سوف يعطينى عربته

وفى بكرة اليوم التالى جاء الطحان ليأخذ نقوده ولكن هانس كان لا يزال نائما من أثر التعب فقال له الطحان أقسم إنك لكسول ولقد كنت أظن وقد أمضيت العزم على إعطائك عربتى أن تكون أكثر دؤوبا فى العمل وأوفر نشاطا والكسل كما يجب أن تعلم خطيئة كبرى ومن المؤكد أنى لا أرضى أن يوصف به واحد من أصحابى وأرجو أن لا تسوءك صراحتى فإنى ما كنت أسمح لنفسى ولو فى عالم الرؤيا أن أسلك هذا المسلك معك لو لم أكن صديقك وإلا فقل لى ما فائدة الصداقة إذا كان المرء لا يستطيع أن يقول لصديقه كل ما يحول بخاطره وإنك لترى أن أى إنسان يستطيع أن يقول كل قول يبعث فى النفس السرور ويشبع فيها البهجة محاولا بذلك إرضاء صاحبه وتملقه ولكن الصديق الصادق هو الذى يبكيك ولا يعنيه أكان فى ذلك سخطك أو رضاك وهو إن كان صديقك حقا فهو لابد سالك سبيل الإبكاء لا الإضحاك ذلك لأنه يعرف أن ذلك

هو السبيل القويم الهادى إلى طريق الرشاد قال هانس وهو ينزع قبعته ويدلك عينيه ولكنى كنت متعبا حتى لقد ظننت أن سوف يطول رقادى حتى أسمع تغريد العصافير ألا تعرف أن سماع تغريد العصافير بعث فى قوة ونشاطا

يسرنى أن أعرف ذلك لأنى أريدك أن تصعد إلى الطاحونة فور ارتدائك ملابسك لتصلح لى سقف شونتى

وكان هانس شديد الرغبة فى أن يعمل فى حديقته ذلك لأن أزهاره قد طال بالسقى عهدها ولكنه لم يكن يريد أن يرد صاحبه خائبا ذلك لان الطحان كان خله الوفى وجد أن فكر مليا قال لصاحبه فى صوت يمازجه الحياء والخجل أو تحسبنى غير وفى إذا قلت لك إنى اليوم مشغول

ما فى ذلك شك ذلك لأنى أحسبنى ما بالغت فى الطلب إذا عرفت أنى بسبيل إعطائك عربتى ولا مفر

إذا أبيت الذهاب من أن أعمل هذا العمل بنفسى قال هانس وهو ينهب الخطى فى طريقه إلى الشونة بعد أن ارتدى ملابسه فى سرعة بالغة لن تعوقنى عنك العوائق وإنى ذاهب فملاقيك هناك

وما لبث أن بلغ الشونة وظل يعمل حتى غربت الشمس وعندئذ جاء الطحان ليرى ماذا أتم من عمل ثم سأله فى صوت تمازجه الغبطة هل سددت الثغرة يا هانس قال نعم فقال له الطحان إن أحب الأعمال وأبعثها للسرور هو ذلك العمل الذى يؤديه صديق لصديقه فرد عليه هانس بقوله إنها لمنة عظمى أن أسمع حديثك ولكنى أخشى أن لا يخطر ببالى يوما ما آزاء قيمة مثل آرائك

بل لا بد من مجىء ذلك اليسوم الذى يخطر فيه بخاطرك مثل هذه الآراء إنما دون هذا العناء أقصى العناء والجهد أشد الجهد

أحق ما تقول  بل هو الحق الذى لا يأتيه الباطل والآن وقد أصلحت الثغرة فيمكنك التوجه إلى بيتك لتنال قسطا من الراحة ذلك لأنى أريد منك أن تأخذ نعاجى غدا إلى الجبل فلم يبد هانس أى اعتراض وذلك مخافة عقبى الجدل

وفى الصباح الباكر أحضر الطحان نجاحه إلى الكوخ فأخذها هانس وسار بها إلى الجبل وكلفه ذلك ساعات اليوم كله فلما عاد إلى بيته ألجأه التعب إلى الرفاد فوق كرسيه ولم يستيقظ إلا ضحى الغد وقال يحدث نفسه ما أسعدنى بيومى هذا الذى سأقضية فى حديقتى ولكنه لم يقدر له أن يعتنى بأزهاره ذلك أن الطحان كان يغدو ويروح مطالبا إياه بخدمات لاتنتهى أو طالبا إليه أن يمد له يد المعونة وكان هانس تقابه الكابة أحيانا مخلفة أن تظن أزهاره أنه قد نسيها ولكنه كان يعزى نفسه بأنه قد كسب صداقة الطحان وفضلا عن ذلك فقد كان يقول إن صديقى سوف يعطينى عربته وهذا منه محض سخاء وكرم ولذلك فإن هانس كان لايتوانى فى خدمة الطحان أما هذا فكان رأيه ذكر أجمل ما قال القائلون وأبرع ما كتب الكاتبون عن الصداقة والأصدقاء فكان هانس بدونها فى كراسته وكان يستذكرها أثناء الليل ذلك لأنه كان تنفيذا ذكيا

ثم حدث أنه بينما كان هانس جالسا ذات ليلة إلى جانب المدفأة أن دق الباب دقا عنيفا وكانت ليلة حالكة السواد وكانت الريح تصف وتزأر فظن هانس أن الدق من فعل العاصفة فلما عاد الدفى مرة ثم مرة ظن أنه يعاير من أبناء السبيل فجرى إلى الباب وإذا به باقى الطحان واقفا ممسكا مصباحا بإحدى يديه ومسكا بالأخرى عصا ثقيلة وبادره بقوله إنى يا صديقى هانس قد نزلت بى نارلة وألمت بى عامة ذلك أن ولدى الصغير قد زلت قدمه من فوق السلم وقد كسرت ساقه وأنا ذاهب به إلى الطبيب ولكن الطبيب يقيم فى مكان بعيد والليل ليل قر خطر يبالى أن تقوم مقاهى وأنت تعرف أنى سأعطيك حريتى فمن الخير أن تصنع معى معروفا لقاء ذلك

قال هانس بكل تأكيد وإنى لأعدها تحية منك وتكرمة أن تجىء إلى وإنى قائم من فورى ولكن عليك أن تعبرنى مصباحك فإن الليلة سوداء مظلمة وأخشى أن تزل فى القدم فأهوى إلى درك سحيق

إن لأسف ذلك لأنه الصباح الجديد وسوف تكون الخسارة فادحة إذا أصابه كسر أو خطب

لا عليك فإنى أستطيع أن أسير بغير مصباح ثم ارتدى قباء من فرو وتتبع قبعة من وبر ولف حول عنقه كوفية ثم بدأ السير ولكن الليلة كانت جد مظلمة والعاصفة كانت جد مروعة فكان هانس يكاد لا يرى شيئا وكان لا يستطيع الوقوف ولكنه على الرغم من ذلك كان جريئا مقداما فاستطاع الوصول إلى بيت الطبيب بعد ثلاث ساعات قضاها سائرا مجدا

وسأله الطبيب عما جاء به فى تلك الليلة المظلمة فقال إن ابن الطحان قد كسرت ساقه وهو يرجو منك المبادرة بالمجئ لعلاجه وأمر الطبيب بحصانه فأسرج ثم انتعل حذاءه الضخم وأمسك بمصباحه وسار فى طريقه إلى بيت الطحان وداف هانس وراءه ولكن العاصفة اشتدت سوءا بعد سوء وهطل المطر كأفواه المغرب فما استطاع هانس أن يلحق بالحصان

وأخيرا ضل الفتى طريقه وغاصت قدماه فى مستنقع زلق فبات من المفرقين وعثر رعاة المعز بجنته غداة الغد وهى طاقية فوق إحدى البرك وجاءوا بها إلى الكوخ

ومشى الناس كلهم باكين خلفه ذلك لأنه كان إلى كل القلوب محببا وكان صاحبه الطحان يرتدى السواد وكان أكثر المشيعين حزنا وأسى

وقد سمعه الناس يقول لقد كنت أصدق أصدقائه فمن اللائق أن أكون فى الصف الأول من صفوف المشيعين

ولما عاد المشيعون قال حداد القرية إن فقد هانس هو خسارة كبرى لكل من عرفه وظلوا جميعا جاوسا ناعمين يشربون الخمر المنيلة ويأكلون الكحك الحلو اللذيذ

وقال الطحان إن موته ولا شك خسارة كبرى ولقد بلغ من سخائى معه أنى كنت قد وعدته بمريتى والآن لست أعرف ماذا أصنع بها فهى فى حاجة إلى إصلاح كبير وهى إذا بعتها فلن ألقى من يشتريها ولذلك فإنى سأحرص بعد اليوم على أن لا أعطى أحدا حاجة من حاجاتى فقديما قالوا الجود يفقر والإقدام قتال

عن الإنجليزية

اشترك في نشرتنا البريدية