الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 638الرجوع إلى "الثقافة"

قصص, القاتلان

Share

من صور الحياة :

كان اليوم من أيام الشتاء الممطر . وكان "أحمد افندي" ناظر عزبة على باشا شجر مدعوا مع "فهيم افندي" كاتب العزبة لتناول طعام الغداء على مائدة الشيخ عويس أبو نورج عمدة القرية المجاورة لتلك العزبة .

وكان " أحمد افندي" رجلا غليظ القلب خشن الطبع يتطاير الشرر من عينيه عندما يغضب لأتفه الأشياء ، تعلو وجهه سمة المجرمين العتاة . . ودار بينهما الحديث في الطريق ...!

- كم سنة مضت عليك في هذه العزبة يافهيم افندي ؟ - ما بين الخمس سنوات والست ياحضرة الناظر .

- ألم يلفت نظرك شئ في هذه العزبة ؟ - من أى ناحية ؟

- من ناحية " خضرة " ابنة الشيخ زعزوع خولي العزبة .

- إني أراها كل يوم صباح مساء : أراها في الصباح وهي مارة أمام مكتب العزبة في طريقها إلى الحقل ترفل في أسمالها المستطيلة الفضفاضة وعلى رأسها صرة صغيرة عقدت فيها غداءها وغداء والدها الشيخ زعزوع ، كما أراها عند الغروب وهي آبية إلى العزبة تحمل تحت إبطها حزمة صغيرة من البرسيم وأمامها بضع من النعاج والخراف . فصاح أحمد افندي بصوته الآجس في وجه صاحبه - وكان قد نفد صبره - يالك من شخص أحمق . إني لم أطلب إليك نعتها وإنما أطلب رأيك فيها ؟ ثم اقترب منه ومال عليه وهو يقول في نغمة عاطفية . . ألم تر معي أنها مثيرة للعواطف ملهبة للقلوب ؟ إنها فتاة ريفية حسناء . فتنبه فهيم افندي لما يريده أحمد افندي منه . ثم قال . .

- لقد رأيتها مرة واحدة يا حضرة الناظر . مرة واحدة رأيتها جالسة تحت شجرة التوت مع " عبد المعطي افندي " معاون العزبة . عبد المعطي افندي ذو الدم الثقيل . فبرقت عيناه واختلجت شفتاه وبلع لعابه وهم ان يقول شيئا ولكنه أمسك - واسترسل مع فهيم افندي في الحديث . . !

- وما رأيك فيها يا فهيم افندي ؟ - رأي أنها بنت عابثة . . عابثة جدا ...! - وكيف ؟

- كنت ذات يوم في طريقى إلى قيد أسماء الشغالة بزراعة القمح ؛ فاسترعي انتباهي ما كاد يفقدني صوابي ، فلقد رأيتهما جالسين تحت شجرة التوت التي تقع خلف ماكينة الري وفي دروة أكوام التبن حتى كدت أمر عليهما دون أن أشعر بهما لولا همسات خليعة كانت تنبعث من نحوهما . فاضطرتني إلى توجيه نظري إليهما خلسة . وغالب الظن أنهما قد شعرا بي ورأياني .

- وماذا رأيت يا فهيم افندي ؟

- رأيت العجب العجاب . ها . ها . ها . رأيت خضرة في ثوب أنيق مطرز بالخرز الملون جالسة بجوار عبد المعطي افندي وقد طوق خصرها بذراعيه بينما كانت يدها الصغيرة تداعب شعره الأصفر المرجل بالزيت مثل شعر السيدات

فحسم جسم أحمد أفندي وصاح : ياله من شخص خائن . أتيت به هنا وهو هارب من وجه العدالة ورجال المباحث يطاردونه بعد أن ثبتت عليه جناية قتل " إلهامي باشا " صاحب مصنع الزجاج الكبير بحي الشرابية . لقد أتيت به هنا ونصبته في هذا المنصب رغم أنف الباشا ، فلقد كان غير راض عنه لخلاعته وميوعته لولا كثرة رجائي لدى الباشا

وشدة إلحاحي عليه - أفبعد هذا يخونني ذلك الوغد ويطعنني في قلبي ويعمل على سلب "خضرة" منى بعد هذه العشرة الطويلة "له الويل كل الويل" وكان الغيظ يتفجر من عينيه والعصبية تقفز به من فوق ظهر دابته . فاختل توازنه ، فسقط على الأرض المبللة بالمطر فتلوثت ثيابه ، فنزل فهيم افندي من على ظهر دابته وأخذ بيد صاحبه وأعاده ثانيا إلى حيث كان بعد أن أصلح معه ملابسه وأزال من عليها ما قد لحقها من الطين ، وهو لا يزال يلهث ولسانه لا يفتر عن السب واللعن والتوعد لغريمه عبد المعطي افندي .

غير أن فهيم افندي لاحظ حينما انكشفت ثياب أحمد افندي عن جسمه تشويها بإحدى ساقيه - كأثر لضرب الرصاص - وهم أن يسأله عن سبب هذا التشويه ، ولكن الطريق كان قد انتهى بهما إلى منزل العمدة  - فكف عن السؤال .

واستقبلهما العمدة ببشاشة وترحاب ، وأخذ بيد أحمد أفندي وأجلسه بجانبه في صدر "المندرة" الفسيحة المعدة لضيوفه الأعزاء ، وجد أن فرغوا من تناول الطعام وشرب القهوة وتدخين لفافات التبغ خلا الشيخ عويس بأحمد أفندي في ركن من أركان حديقة المنزل المتواضعة حيث وضعت دكة من الخشب فرشت عليها شفة من الحصير الملون ثم أخذ يحدثه باهتمام .

إن المركز أرسل إلى هذا الأسبوع إشارة " تليفونية " فحواها - بما أن عبد المعطى حشيش الهارب من وجه العدالة يقيم في عزبة علي باشا شجر التابعة لعموديتكم فألقوا القبض عليه ورحلوه إلى المركز في حراسة رجال الأمن .

- وما العمل يا حضرة العمدة ؟

- العمل : واجبي يحتم على أن اقبض عليه وأسلمه إلى المركز ، ولذا دعوتك اليوم لأتحدث إليك على انفراد وأطلعك على دفتر الأحوال .

- أرجو يا حضرة العمدة أن تتريث قليلا ، ولا تسرع في تنفيذ هذا الموضوع حتى لا تكون زيارتي لك موضع اشتباه

- وكيف أتريث ، وهذه أوامر سعادة المأمور ؟

- الحل بسيط ، بسيط جدا ، وما أكثر من حلول العمد عندما يشاءون . . ففي وسعهم أن يشعلوا النار في بيت

ليقيموا السعادة في بيت آخر . و"وأنت سيد العارفين " أرسل اشارة إلى المركز . تقول فيها إن عبد المعطى المطلوب القبض عليه رحل من هذه العزبة منذ شهر ولم نعرف له محل إقامة .

وكان أحمد افندي إذ ذاك يريد أن ينتقم لنفسه بنفسه من عبد المعطي افندي غريمه في "خضرة" ويحفر له قبره بيده قبل أن يزج به بين جدران السجون أو يصلب في حبل المشنقة ، وفي كلا هذين الأمرين يرى أحمد افندي مصير نفسه كمصير صاحبه عبد المعطى افندي - وكثيرا ما هدد بذلك من ناحية صاحبه - فكلاهما يعرف مواطن إجرام الآخر وخبايا سره .

ثم تركه العمدة وانتحي ناحية فهيم افندي حيث كان ، وجلس بجانبه بعض الوقت يتبادلان بعض الحديث حتى تدرج بهم إلى حادثة مقتل " إلهامي باشا " وكان العمدة يجهل تفسير هذه القصة ، فلما وقف عليها أطرق . ثم رفع رأسه واستأذن من فهيم افندي وصار ناحية " التليفون " .

وكان أحمد افندي أعرق من صاحبه في الإجرام ، فهو لذلك يخشى مصادمته والوقوف في طريقه بأي شئ يمسه ، لاخوفا منه ، بل إبقاء منه على حياته وحفظا لسره الذي كان لا يعلمه سواه ، فمعرفة أحمد افندي بصاحبه عبد المعطى افندي سببت له الأحداث وأوشكت أن توقع به المصائب ، وهو إن نسى لا ينسى يوم أن تستر عبد المعطى افندي عليه في اغتيال صراف ناحية السنبلاوين ولاذ بالفرار بعد أن استولى على حقيبته وما فيها مما حصله من الأموال الأميرية ، وكان الصراف آنذاك أعزل من السلاح ، اللهم إلا الخفير الذي كان في حراسته قد أطلق عيارا من " بندقيته" فأصابه إصابة طفيفة في ساقه لم تقعده عن السير بل أفقدته علبة التبغ المعدنية المنقوش عليها اسمه أثناء فراره ، فحزن لذلك ، كما أسر لصاحبه عبد المعطي افندي عن موضع الحقيبة ، وقيدت الجناية ضد مجهول وحفظت لعدم ثبوت الأدلة الكافية .

وكانت العزية - عزبة علي باشا شجر - في هرج ومرج عندما أقبل عليها أحمد افندي وفهيم افندي آخر النهار من ضيافتهما ، فهؤلاء رجال الشرطة يحاصرونها من الخارج ورجال النيابة وهيئة التحقيق يتخذون مكانهم من مكتب

العزبة ؛ بينها أخذ الطبيب الشرعي يفحص "خضرة" ويحلل دمها ودم الجنين الذي اجهضته ، وعلى مقربة منهم عبد المعطي مكبلا بالحديد .

استولى الذعر على أحمد افندي عندما وقع نظره على هذا النظر الرهيب ، وأراد أن يفر من هذا المأزق الحرج ، ولكن عبثا حاول ، فلقد طلب عبد المعطي أفندي إلي رجال النيابة وهيئة التحقيق القبض على صاحبه لأمور سيبديها إليهم فيما بعد ، حيث كانت عقيدته أن أحمد أفندي هو الذي نصب له هذا الشرك ، وتحركت في نفسه غريزة الانتقام ، يبد أن اسم أحمد افندي لم يذكر في قائمة الاتهام المقدمة إلى النيابة من " الشيخ زعزوع والد خضرة " وانه لم يتهم فيها أحدا سوى عبد المعطى افندي الذي سطا علي شرف ابنته ، ولوث شرفه بين أهل العزبة . في حين أن النيابة لم تر مانعا من القبض عليه حتى يتم التحقيق ، لعل في ذلك ما ينير الطريق أمام المحققين .

ثم بدأت هيئة التحقيق فاعترفت خضرة بعلاقتها مع عبد المعطي افندي . .

- وفي أى مكان كنتما تجتمعان ! - بين ماكينة الري وأكوام التبن " تحت شجرة التوت "

- وهل كنت راضية عن هذا ؟ - لا - وكيف توصل عبد المعطي إليك ؟

- كثيرا ما كان يعدني بالزواج منه ويغرينى به . وفي ذات يوم ونحن في خلوتنا قدم إلي قدحا من الشاي فشربته ولم أدر ماذا حصل إلا بعد أن أفقت من غيبوبتي .

- أما أطلعت والديك على ما حصل في حينه ؟ -لا

- ولماذا ؟ - لأني خفت من العقاب كما خشيت فضيحتي بين أهل العزبة .

ثم واجهت هيئة التحقيق عبد المعطي افندي بما نسب إليه - فأنكر - فاستدعت هيئة التحقيق بعض أهل العزبة لعلهم يميطون اللئام عن الحقيقة ، وكان في مقدمتهم

فهيم افندي . فوجهت إليه هيئة التحقيق سؤالها :

- ما هي معلوماتك عن اتصال عبد المعطي بـ "خضرة"

- ليست لدى معلومات عن هذا الموضوع اكثر من أنني كنت مارا ذات يوم بجوار ماكينة الري على غير قصد ، فاسترعي انتباهي همسات خليعة تنبعث من هذا المكان فاسترقت النظر ، وإذا عبد المعطي افندي و " خضرة " في حالة تدعو إلى الشك والريبة !!

وكان الطبيب الشرعي إذ ذاك قد انتهى من فحصه وكتابة تقريره بإدانة عبد المعطي ؛ كما كان قد حضر الشيخ عويس عمدة القرية المجاورة لتأدية شهادته ضد عبد المعطى قاتل " إلهام باشا ". وعند ذاك تجمعت الأدلة ضده فأمرت هيئة التحقيق بترحيله إلى السجن . وفك أسر أحمد أفندي ، وإذا عبد المعطى يهتف : " لا تفكوا أسره فهو صاحب علبة التبغ المعدنية المنقوش عليها اسمه ، والحقيبة بأوراقها في بئر ماكينة المياه المهجورة - لا تفكوا أسره فهو قاتل الصراف "

اشترك في نشرتنا البريدية