الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646الرجوع إلى "الثقافة"

قصص, المالك الجديد

Share

جرى الطفل إلى الحديقة ، وما إن لمح أمه بعيدا تنسج ، حتى جرى إليها صائحا في ابتهاج :

- هل رأيت ساعتي يا أماه ؟ دهشت الأم عندما سمعته ، وتناولت الساعة من يده ، وعادت إلى هدوئها وابتسامتها حين رأت أن ساعة أخيه القديمة هي التي في يده .

- هل أعطاها لك ؟ قال الطفل في سرعة : - نعم . أليست جميلة ؛ ناولته الأم ساعته وقالت : - ألم يكن يستطيع أن ينتظر ويعطيها لك في الغد كهدية !.

أخذ الطفل يتأمل ساعته من جديد وقال وهو يحاول فتحها ودون أن ينظر إلي أمه : - لقد اشتري لنفسه ساعة جديدة ، وهو يقول إنه لم يعد في حاجة إلى هذه !. مدت الأم يدها وقالت : - ألا ينقصها شئ أرني ! ناولها الطفل الساعة وهو يقول :

- بها كل شئ . ولكن أخي يقول : إنها تحتاج إلى إصلاح يسير وإنني أستطيع ذلك . . أخذت الأم تقلب الساعة ثم قالت : - حسنا ! حاول ذلك هل أفتحها لك ؟ - نعم

وأدارت الأم الساعة قليلا ففتحتها وأعادتها إليه وهي تتأهب أن تعود إلى نسيجها وقالت :

- افعل بها ما تشاء ، ثم أرني ماذا صنعت . أمسك الطفل بالساعة واقترب حاجباه في اهتمام ، وراح يملأ الساعة ويراقب العجلات وهي تدور فتدير ما يتصل بها وبدا عليه أنه استطاع أن يفهم كيف تدير العجلة الأولى العجلة التي تتصل بها ، ولكنه أبعد وجهه فجأة وحملق في الأرض . ثم قام من كرسيه وأقبل على أمه وقال :

- أليست هذه العجلة هي سبب دوران الثانية يا أماه ؟ . - نعم !. وأشار الطفل إلى العجلة الأولى وقال : - فما الذي يدير هذه !. لم تنظر الأم في ساعة من قبل ، ولكنها قالت : - لابد أن هناك عجلة أخرى تخفيها هذه العجلات !.

- ألا استطيع أن أراها ؟ - تستطيع ، ولكن يجب أن ترفع كل هذه العجلات أولا . .

ولم يجد الطفل لبحثه فائدة إن لم يجد العجلة المختفية . وأطرق قليلا ثم قال : - لابد أن هذه العجلة المختفية هي سبب توقف الساعة ؟ - هذا شيء عظيم ، هيا . . ابحث عنها .

وعاد الطفل إلى مكانه وأخذ يخرج من الساعة جزءا جزءا حتى جمع الأجزاء كلها في يده . واستولي عليه شعور لذيذ وهو ينظر إلى الساعة الفارغة والأجزاء المنفصلة في يده ، وشعر بالإعجاب بنفسه ، إذ استطاع أن يكتشف العجلة المختفية ، دون أن يدرك بينه وبين نفسه قيمة لها بمفردها إلا أنها بإصلاحها ستجعل الساعة تسير .

وفتح الطفل كفه لأمه ، وتسللت العجلة من بين أصابعه وسقطت بين العشب ، ولم يشعر الطفل إلا وهو يلقي بالأجزاء الباقية بإهمال في يد أمه وانحني يبحث عن العجلة الضائعة . .

وضاعت جهود الطفل هباء ، وشعرت الأم بخطأ ابنها ببعثه بالساعة ، وشعر هو في عجب بضآلة العجلة حتى لم تبد له من بين العشب . وتناول الطفل الأجزاء الباقية وجلس على كرسيه ، وأخذ يحملق في الأجزاء دون أن يصنع بها شيئا . وابتسمت الأم في إشفاق وقالت له :

- هل كنت تريد أن تصلح الساعة أو أن تعرف كيف تسير ؟ . قال الطفل : - لم أكن أريد إلا أن أعرف كيف تسير !. وأدركت الأم أنه لا يقول حقا ، ولكنه لم يدرك شيئا من هذا ، وكان مؤمنا بأنه لا يريد أن يعرف كيف تسير . قالت الأم :

- لا بأس إذا من ضياع العجلة . تستطيع أن تفهم بدونها ، أرني . . وذهب الطفل بالساعة إليها ، فأخذت تعيد كل جزء إلى مكانه وتشرح للطفل ، وما إن انتهت من ذلك حتى قال :

- فكيف تدير العجلة الأخيرة العقربين ؟ - هذا لن تستطيع أن تراه إلا إن وضعناهما في مكانهما .

وناولها الطفل العقربين والميناه فوضعتها في مكانها ، ونظرت الأم فرأت أن هذه الأشياء الأخيرة قد حجبت بقية الأشياء ، وشعرت بأنها تفهم كيف تدير العجلة الأخيرة العقربين . ولكنها شعرت كذلك بأن الطفل لن يستطيع أن يري شيئا أو يفهم . .

قال الطفل : - كيف إذا ؟ ترددت الأم قليلا ثم لم تجد بدا من أن تقول : - لن تستطيع أن تفهم ؛ قبل أن نضع العقربين لم تكن تري إلا العجلات ، وبعد وضعهما لم تعد تري إلا العقربين ، وأنت تريد ان نري اتصال العقربين بالعجلات .

فكر الطفل قليلا ولكنه لم يفهم كلام أمه ، وارتاب في أنها تفهم هي الأخرى . . وأحست الأم بفشله في أن يجعل الساعة تسير وفي أن يعرف سبب سيرها وتوقفها ، وخشيت أن يعتريه ضيق ، فعاد الابتسام إلى وجهها ولعبت قليلا بشعره ولم تستطع أن تصبر فقالت :

- لقد ذكرت لأبيك رغبتك منذ زمن طويل في الحصول علي ساعة ، فأحضر لك ساعة لعيد ميلادك ليعطها لك في الغد . هب الطفل واقفا فجأة ، ودون أن ينبس بشئ جري إلي أبيه داخل البيت . صاحت به أمه :

- هل تعطي هذه الساعة إذا لأخيك الصغير ؟ صاح الطفل دون أن يشعر : - نعم ...نعم . طبعا ... وجرى إلى أبيه .

وابتسمت الأم مرة أخرى ، ونظرت إلى الساعة ، وشعرت بحب نحوها وشئ من العطف ، وتذكرت اليوم الذي اشترتها فيه لأكبر أبنائها ، وتخيلت ابنها الأصغر صاحبها الجديد ، وهو يحاول أن يصنع منها شيئا ...

اشترك في نشرتنا البريدية