كان الدكتور هايديجر طبيبا متفننا ، عكف على دراسة الطب والكيمياء فبلغ منهما غايته . وفاق أهل زمانه ؛ ولكنه كان غريب الأطوار شاذ الطباع ، وقد نسجت حوله الأقاصيص والروايات التي تناقلتها الألسن فأصبحت موضوع تندر القوم وسموهم .
وقد اتخذ الدكتور هايديجر له أربعة من أعز الأصدقاء ، ثلاثة رجال وامرأة ، ممن تقدمت بهم السن ، وطابقت أهواؤهم هواء . فأما الأول فقد بدأ حياته تاجرا فضرب في هذه الصناعة بسهم وافر ، ولكنه أضاع ثروته في المضاربات المالية، فأصبح صفر اليدين ليس بينه وبين المستعطي فرق كبير. وأما الثاني فقد التحق في الحبش ضابطا صغيرا إلى أن بلغ رتبة الكولونيل ، ولكن انغماسه في الملذات والشهوات ، أفقده ماله ، وانهك جسمه ، فأورثه ذلك أسقاما كثيرة تحمل منها صنوفا شتى من العذاب والألام . أما الثالث فقد شب ميالا إلى السياسة ، فخاض معتركها وجاهد في ميادينها ، ولكن ما لبث نجمه أن خبا ، بسبب غرابة آرائه السياسية وهجنتها ؛ فنبذه الناس وأهملوا شأنه ، وانسدل بينهم وبينه حجاب صفيق من النسيان . أما الرابع فسيدة عجوز كانت على جانب عظيم من الجمال . وقد مات عنها زوجها ولما تزل في ريعان الصبا ، وحامت حولها الظنون والشبهات بعد ذلك ، مما أثار نقمة أهل البلد عليها ، فاضطرت إلى الأنزواء في كسر بيتها ، مؤثرة حياة العزلة والانفراد والجدير بالذكر أن أولئك السادة الثلاثة أصدقاء الدكتور هايديجر كانوا جميعا من أوائل عشاق هذه الأرملة العجوز ، وقد بلغ تنافسهم في حبها درجة كادت تفضي بهم مرة إلى الوقيعة .
وفي ذات يوم دعا الدكتور هايديجر أصدقاءه الأربعة
إلى حجرة مختبره . فجاءوا ملبين الدعوة . ولما انتظم عقدهم أعلمهم الدكتور باعتزامه القيام بتجربة علمية فيها تسلية وخير عميم لهم . وطلب منهم أن يساعدوه وييسروا مهمته قدر الإمكان . ولابد لنا قبل اصطحاب الدكتور في تجربيته ، من أن نصف مختبره ونلم إلمامة وجيزة بما حواه من أثاث وآلات وأدوات وكتب .
كان مختبر الدكتور هابديجر قائما في حجرة قديمة مظلمة تقع في طرف ناء من المدينة ؛ وقد نسج العنكبوت خيوطه في أرجائها ، وتراكم غبار القدم على أرضها . وقد صف فيها عدد من خزائن الكتب المليئة أدراجها بالمجلدات الضخمة ، والرقوق والصحائف المطوية . وفوق الخزانة الوسطى ، تمثال نصفي من البرونز لأبقراط أبي الطب الذي كان يرجع الدكتور هايديجر إليه في معظم أبحاثة الطبية . وقام في أشد زوايا الحجرة ظلاما ، مخدع صغير من خشب البلوط ، يطل من بابه هيكل بشري في شكل مروع . وعلقت بين خزانتين من خزائن الكتب مرآة كبيرة يعلوها الغبار وقد حليت أطرافها بالذهب . ومما يروي أن أشباح الموتى الذين عالجهم الدكتور هايديجر ولفظوا انفاسهم الأخيرة بين يديه قد استقرت جميعها وراء هذه المرأة التي كان كلما أراد الطبيب النظر إليها ، طالعته هذه الأشباح وحدقت في وجهه ... وفي ركن مقابل من أركان الحجرة قام تمثال كامل لامرأة في مقتبل العمر ، ترتدي أنفر الثياب ، وقد ارتسمت على محياها آيات جمال باهرة . لقد كان الدكتور هايديجر منذ خمسين عاما على وشك الزواج بهذه الفتاة ، ولكنها راحت ضحية وصفة دواء خاطئة ، وصفها لها الدكتور عشية زواجهما . ولعل أغرب ما حوته الحجرة ، وأدهي
إلى الدهشة ، ذلك الكتاب الضخم المكسو بالجلد الأسود ، وقد خلت دفتاه من الكتابة فلم يستطع أحد معرفة إسمه . ولكن المأثور عنه أنه كتاب سحر نادر المثال ، وآية ذلك أن خادما جاءت مرة لتمسح الغبار عنه ، فلم تكد ترفعه بين يديها حتى رأت - وبهول مارأت ! رأت الهيكل البشري يهتز في مخدعه . وتمثال الفتاة يخطو خطوة إلى الأمام ، ووجوها شاحبة كوجوه الموتى ، تطل عليها من المرأة ، على حين شاهدت تمثال أبقراط وقد تجهم وجهه وانقبضت أساريره . وسمعته وهو يقول لها " ترفق ياهذا ! ترفق .ا " .
هذا وصف موجز لمختبر الدكتور هايديجر . ولنعد الآن إلى تجربته التي دعا إليها أصدقاءة الأربعة لمشاهدتها والانتفاع بها ، ففي وسط الحجرة نصبت منضدة سوداء ، عليها جفنة من بلور ، اترعت ماء وقد نفذت الشمس من خلال ستائر النوافذ ، وسطعت على الجفنة . فانعكس عنها ضياء زاه رقيق ، ارتسم على وجوه الشيوخ الجالسين حول المائدة ، وقد وضع أمام كل منهم قدح فارغ من الزجاج العادي .
كان أصدقاء الدكتور هايديجر الذين عرفوا فيه غرابة الأطوار ، يتوقعون ألا تتعدى تجربة صديقهم النطاسي أمثال تلك السخافات التي مابرح يفاجئهم بها بين آن وآخر ، فتسبب لهم كثيرا من المضايقة وصداع الرأس ، كقتل فأر في مفرغة هواء مثلا ، أو تفحص دقائق نسيج العناكب بالمجهر ... غير أن الدكتور كانت تبدو عليه أما أما أمارات الجد هذه المرة . وما لبث أن وثب إلى حيث يوضع الكتاب السحري . فأخذه بين يديه وطفق يقلب أوراقه إلى أن استخرج من بينها وردة جافة زاوية بدت كأنها ستتحطم بين أنامله ، ثم قال : " هذه الزهرة التي ترون ، كانت منذ خمسين عاما مفتحة الكم عبقة الأريج ، وقد قدمتها لي المرحومة الأنسة سلفيا وورد خطيبتي التي تررون تمثالها قائما أمامكم . في يوم زواجنا الذي لم يتم . ولقد حرصت منذ ذلك الحين على الاحتفاظ بهذه الوردة بين طبات هذا الكتاب . فهل جال في خواطركم أو خيل إليكم أن هذه الزهرة الدابلة قد تعود يوما ما إلى الحياة فتزهر وتشرق مرة أخرى !!.
فصاحت الأرملة العجوز وهي تهز رأسها استغرابا : " ياللسخف والحمق! .. وهل يمكن لوجه عجوز بنت سبعين أن يعود إلى سابق نضارته ورواته !! " .
فلم يجب الطبيب ، بل سرعان ما رفع الغطاء عن جفنة الماء ورمي بالوردة الدابلة فيها ، فبدت الوردة وكأنما أخذت تمتص من السائل ، ثم ما لبثت أن تفتحت اكمامها ، ونوردت شيئا فشيئا ، ودب الاخضرار في ساقها ، ووريقاتها ، وتلألأت قطرتان أو ثلاث من الطل في طياتها ، فإذا بها زهرة نضرة يانعة كأنما قد اقتطفتها يد الآنسة سلفيا وورد منذ دقائق معدودة فقط !.
بيد أن الحاضرين لم يظهروا كبير استغراب لما قد وقع ، وقد حسبوه من قبيل الخداع ، إذ كانوا قد تعودوا رؤية أمثال هذه الألعاب ، بل ما هو أغرب منها ، عند حذاق المشعوذين ، ولكنهم طلبوا من الدكتور أن يشرح لهم الأمر ، فأعلمهم انه في جزائر فلوريا النائية عين ماء تسمى " عين الشباب " ، محيط بها الأشجار الدائمة الاخضرار ، فتحجها عن الأبصار . وأن أحد معارفه قد استطاع الحصول منها على كمية من الماء ، هي التى يرونها أمامهم في الجفنة .
فتنحنح الكولونيل وهو لا يكاد يصدق كلمة واحدة مما قاله صديقه الطبيب . ثم سأله عن تأثير هذا السائل في الجسم الإنساني . فقال الطبيب وهو يصب الماء في أقداح ضيوفه "ستختبرون ذلك بأنفسكم أيها الأصدقاء ، ثم تحكمون .. وها أنا ذا قد وضعت تحت تصرفكم كمية وافرة من هذا الماء العجيب لتشربو منه ما طاب لكم الشرب ، ولتستردوا شبابكم وتجددوا عهد الفنوة . أما أنا فيكفيني الآن أن أراقب التجربة وتطور سيرها .. "
واستمهل الطبيب أصدقاءه ، قليلا ليسدي إليهم هذه الصحة قال : " أيها الأصدقاء الاحياء . . إنكم تقفون الآن مرة أخرى على عتبة الشباب - هذا الشباب الذي مر بكم من قبل ، فذقتم حلوه ومره . وخبرتم نزواته وجسيم أخطاره ، فاتقوا الله في شبابكم الثاني ، واعتصموا فيه بحبال التقوي والبر ، ولا توردوه موارد الشر والرذيلة ، وجنبوه مساقط الزلل كي تكونوا مثالا يحتذي ، ونبراسا يستضاء به على مدى الأجيال ...
ولكن أصدقاء الطبيب كانوا في شغل شاغل عما محضهم من نصح ، فاجابوه بهمهمات استخفاف . وما لبثت ايديهم المرتعشة أن امتدت بشغف إلى الأقداح الأربعة ، فكرهوا مافيها ووضعوها ثانية على المائدة . ولم تمض بضع دقائق حتى أخذ السائل العجيب يحدث اثره فيهم ، إذ شعر كل منهم
بنشوة سرور وانشراح ، كما لو كان قد تناول قدحا من كريم الخمر . وسري دم الشباب حارا في عروقهم ، وتوردت منهم الوجنات ، ودب النشاط في اجسامهم وقد كانت هامدة فاترة القوة ، فأخذوا ينظرون بعضهم إلى بعض وقد خيل إليهم أن يدا سحرية قد شرعت تسل منهم معالم الكبر التي نقشتها يد الزمان على جباههم ، وتبدل بها فيضا من النشاط والدم الحار . وأحست العجوز الأرملة بشبابها ، فأصلحت لباس رأسها ، وأمالته إلى الجانب قليلا . . !
وصاحوا بالدكتور بصوت واحد : " ألا زدنا بالله من هذا الماء مثنى وثلاث وما فوق . . فلقد زايلنا الهرم ولكننا لم نزل شيوخا كبارا .." فأجاب الدكتور مازحا وهو يعيد ملء الأقداح : " أجل ! أنتم على صواب .. لقد انقضي زمن طويل وأنتم تكبرون وتهرمون حتى مللتم الهرم وفزعتم من الشيب . فلا غرو أن ناقت نفوسكم إلي عهد الصبا ، ووددتم لو نزعتم ثوب الكبر في مد يدة وجيزة ... ". ثم ناولهم الأقداح فأفرغوا ما فيها دفعة واحدة ، فأحسوا غيض جديد من القوة يتدفق في عروقهم ، وأخذت غشاوة الشيخوخة تنقشع عن عيونهم فقويت منهم الأبصار ، وبدأت ظلال تتطرق إلي رءوسهم فاسودت اللمم بعد بياض .. ومال الكولونيل إلى الأرملة مطربا ما غدت عليه من جمال واعتدال قوام ، فلم تصدق كل ما قاله الكولونيل ، إذ عرفت فيه ماجنا خبيثا ؛ فنهضت إلي المرأة لتنظر بعينها . كذلك عاودت الآخرين ذكريات الشباب الغابرة ، فقام السياسى منهم ينادي بآرائه السياسية المستهجنة ، ويشيد بالوطنية والعزة القومية وحقوق الشعب ، في حين أخذ الكولونيل ينشد نشيدا حماسيا موقعا أنغامه على كوب الماء أمامه ، وعيناه لا تطرفان من النظر إلى المرأة الجالسة بجواره .. وانهمك التاجر بعملية حسابية تجارية فيها القروش والدنانير .. أما الأرملة فقد وقفت أمام للمرأة وأخذت تداعب خيالها ، وهي تبتسم وتتهافت وتنتشي ، وقد أعجبت بنفسها أيما إعجاب .
ثم أسرعت نحو الطبيب تطلب منه أن يراقصها ، فاعتذر بلطف قائلا : إنه شيخ مسن ، وقد نسي الرقص منذ زمن بعيد ، ونصح لها أن تختار واحدا من هؤلاء الفتيان ليرقص معها . وفي الحال تقدم منها الكولونيل عارضا عليها
أن تراقصه . فصاح به السياسي : " لا بل إن كلارا تود مراقصتي" ... فهب التاجر من مقعده وزمجر بهم قائلا : " ابتعدا بإهذان ... لقد كانت كلارا وعدتني بالزواج منذ خمسين سنة ، فانا أحق منكما بالرقص معها " . والتف الثلاثه حولها وأخذ واحد بيديها وطوق الثاني عنقها . وطفق الثالث يداعب خصلات شعرها المتدلية من تحت قيمتها .. وحاولت كلارا الإفلات من قبضتهم فلم تستطع ، وقد غلبها الحياء وعيل صبرها ، وأخذت تلهث بشدة . لقد كان منظر هؤلاء الثلاثة وهم ملتفون حول كلارا ، صورة ناطقة لاندفاع الشباب وراء الجمال ، وافتنانهم ، وتنافسهم عليه . وظلوا ساعة وهم متعلقون بأذيال الفتاة ، وقد الهبت أنفاسها الحارة شعورهم .. فأخذوا يتبادلون نظرات الغيظ والتهديد ، وأمسك كل منهم بخناق الآخر . دون أن يدعوا للفتاة مجالا للأفلات . وفيما هم في هذا العراك ، إذا بهم يصطدمون بالمائدة ، فتنقلب وتسقط عنها جفنة الماء فتتحطم ويسيل منها ماء الشباب جزافا على الأرض ! !
وثار ثأثر الدكتور هايديجر فصاح بهم قائلا : " مكانكم يا قوم .ا وانت أيضا ياكلارا .. يا لكم من جهلة معربدين"
ونظر فرأي الوردة التي أهدتها له سلفيا وورد منذ خمسين سنة ، ملقاة هي الأرض وكان يؤثرها بعطفه ، فالتقطها فإذا هي تذبل بين يديه . أما الضيوف فقد تراجعوا ذاهلين ، وسرت فيهم رعدة الخوف من أن يعودوا القهقري ، وتزول عنهم جدة الشباب بزوال العين الذي كانوا يستسقون منه .
والواقع أن ما كانوا محشونه قد حصل ، إذ بدأوا يشعرون بأن كل لحظة تمر تسلب فلذة من شبابهم ، وتقربهم خطوة إلى الشيخوخة ، فخاروا إلى الطبيب ملتمسين العون والنجدة ، فقال لهم : اعلموا انني لست بآسف على ما حدث .. فقد كان تصرفكم الشين هو الذي جلب عليكم الوبال . لقد أرقتم ماء شبابكم ، وستعودون شيوخا كما كنتم ! ويمينا لو رأيت نبع هذا الماء يتدفق من تحت عتبة بيتي ، لما امتدت يداي لأخذ جرعة واحدة منه ! " .
أما هم فلم يتعظوا ، بل قرروا القيام برحلة إلى جزائر فلوريدا ، للتفتيش عن "عين الشباب" والارتشاف من مائها ليلا ونهارا ، ولكن هيهات أن يجدوها .. !
(قبرص)
