فى البحر المتسع ، بينما كانت إحدي الموجات تتجه نحو الشاطئ ، تلاقت فقاعتان ، وأخذتا تسيران معا إلى جانب باقي الفقاقيع نحو الشاطئ . وإذا بالفقاعة الصغيرة تتساءل :
- أتدرين يا أختاه إلى أين نسير ؟ - نحن نسير يا عزيزتي نحو الشاطئ . - الشاطئ ؟ - نعم ، ذلك الشاطئ البعيد . هناك سنترك البحر الذى نحن عليه ونخلع تلك القشرة من الماء التى تغلفنا ويتحد هواؤنا بباقي الهواء ، وسط هذا الفضاء الفسيح .
- إنى لا أفهمك ياعزيزتى . أى بحر تقصدين ؟ هل نعيش الآن فوق شئ يسمي بحراً ؟ - إنه بحر كبير ذلك الذى نعيش فيه . ألا تشعرين أنت به ؟
- لا . إننى لا أراه ؟ وهل يرينه أنت ، أم أن هذه الفقاقيع فى تلك الموجة البيضاء التى تسبقنا قد علمتك هذا العلم الذى لا أفهمه ؟
- إنه بحر عظيم خالد ، ذلك الذى جئنا منه ونشأنا على صورته ، ونسير الآن مع إحدى موجاته فى هذا الاتجاه المرسوم ، ذلك الاتجاه الذى لا نستطيع أن نحيد عنه يمنة أو يسرة إلا بأمر هذه التيارات من تحتنا وتلك الرياح من فوقنا . . وأخيراً عند ما نصل هناك ، عند الشاطئ ، سنفنى ونختفى كأنا لم نكن ، وسيتحرر ذلك الهواء الذى يملأنا ليسبح فى الفضاء .
- عجيب قولك هذا . كيف تصفين البحر بالعظمة والخلود ، وتصفيننا بأننا جئنا منه ونشأنا على صورته . وبعد ذلك تقولين إنا سنفنى ونختفى كأنا لم نكن ؟ ألا ترين أن أقوالك هذه مملوءة بالتناقض ؟
- إننى لم أشعر بهذا فى أى وقت ، حاولى أن تدركى
ذلك يا عزيزتى ، حاولى أن تفهميه جيداً ، فهو بحر كبير عظيم رغم صغرنا وتفاهتنا ، خالد مهما فنينا ، نظيف مهما اتسخنا . ثابت راسخ مهما لعب بنا التيار ومهما لعبت بنا الرياح .
وبينما الفقاعتان فى هذا الحوار ، أتى إليهما صوت من الأمام ، فنظرنا إلى الموجة التي سبقتهما والتى كانت تعلوها تلك الطبقة البيضاء ، وسألت الفقاعة الصغيرة أختها عما يعنى هذا الصوت .
- ذلك هو صوت الفناء لإحدى أخواتنا . - ولكنك ذكرت لى أن الفقاقيع تتلاشى عند وصول موجتها إلى الشاطئ .!.
- نعم ، هذا صحيح ياعزيزتى ولكن بعض الفقاقيع تحاول أن تتزاحم لتجد لنفسها موضعا فى أعلى الموجة ، إنها تدفع ثمن هذا التزاحم ، فتتلاشى بين الضغط والإرهاق ، قبل أن تصل إلى الشاطئ
- ولكن مالى أرى باقى الفقاقيع بين لعب وسرور ، تقفز فى الهواء ثم تعود فى مرح ، أليس لهذا الأمر أهمية عندها ؟ .
- ها أنت ذى ترين ، أنها مازالت ترقص وتلعب ، وما زالت فى طريقها المرسوم لا تأبه لشئ . فليس للموجة أن تقف ، فلا بد لها من الوصول .
- إنى أخاف هذا الشاطئ يا أختاه ، أريد أن أظل كما أنا ، أريد أن أعود إلى الموجة خلفنا .
- لا تخافى ياعزيزتى، فليس الشاطئ مما يدعو إلى الرعب أو الفزع ، لا تنظرى إلى نفسك وحدك ، أو إلى من بجوارك من فقاقيع ، حاولى أن ترى البحر كله ، حاولى أن تلعبى وترقصى وتفرحى ، فلا داعى للحزن والقلق ، ولا تحاولى الرجوع إلى الموجة خلفنا ، فليس هناك شئ يناسبك .
