هو أول أمريكى منح جائزة "نوبل للآداب" وذلك عام ١٩٣٠ ، تعلم فى جامعية (بيل)، ونال درجته العامية عام ١٩٠٧
وقضي سنين في الأسفار والرحلات ، وهو يبعث بمقالاته الى أصحاب الصحف ، وتكتبه إلى أصحاب دور النشر.
وقد جعل المسرح فى السنين الأخيرة ، فأصبح ممثلا ومدير مسرح ، وهو عضو فى الأكاديمية الامريكية للفنون والأداب .
وقد تقرر منحه جائزة (بولينسر)، ولكنه رفض قبولها ، (بولينسر هذا كان صحافيا امريكيا من اصل هنغارى ، أنشا مدرسة الصحافة ، وأعد جائزة تمنح سنويا للمتفوقين في علوم الصحافة وآدابها).
وقصة "أروسمت" ، التى نحن بصددها أراد بها . مؤلفها أن يسخر من الطبيب الذى يتخذ من مهنته سلماً إلى الفائدة المالية وإلى الثراء السريع ، وكذلك الى الشهرة وذيوع الصيت.
وبطل القصة شاب من طلبة الطب كان مشغوفاً بالعلم لذات العلم ، مخالفاً فى ذلك زملاءه الطلبة الذين كانوا يتحاجون ؛ أى
المكلين أكثر دراً للكسب والثراء : المدينة الكبيرة ، أم القرية الصغيرة ؟ والذين كانوا يتجادلون : أى الطريقين أصلح: سبيل اللهو واللعب ، أم سبيل الجد واتباع أوامر الدين واجتاب نواهيه ؟ .
وأمر (اروسمث) لفتاه مليحة من زميلاته اسمها "مادلين فوكس"، انه يظن بنفسه انه سوف يصبح طبيباً فى سفينة من السفن ، ذلك لأنه بالعمل فى السفن لن يضيع وقته فى محاولة اجتذاب عملاء زميله الطبيب الذى يعمل فى سفينة أخرى .
ولكن زميله الجراح الشاب لا يتردد في القول أنه يري أن أول واجب له في هذه الدنيا ، انما هو السعى إلى الكسب المادي ما استطاع إلى هذا الكسب سبيلا .
وانفق لأروسمث أن عمل مع رئيس له من الأطباء كان يرى أن أوجب واجب على من اراء بلوغ قمة النجاح هو أن يحدث فى الدنيا التى حوله دويداً كلما انتقل من مكان الى مكان .
وقالت لصاحبنا زوجته (لبورا) : إن فرضاً عليه أن يعمل فى اليوم ثمانية وعشرين ساعة ، ثم إذا بقيت له بعد ذلك بقية من فراغ ، فعليه أن يقضيها فى معمله ..
وحدث ذات مرة أن كشف فى عالم "البكتريا" كتفاً له قيمته ، ولكن كان قد سبقه الى التذمر من هذا الكشف واحد من أعضاء معهد (باستور) ففى (اروسمث ) من رئيس المعمل الذى يعمل فيه التحفيز والازدراء وقال له : وددت لو أنك بادرت قبل سنة أشهر بنشر مذكراتك عن هذا الكشف قبل أن لسائق من ناتجه ...
ولكن (اروسمث) على الرغم مما لقيه من قله الكسب المادى كان يحس باليقظة كما قام بتجربة من تجاربه ، لا يبغى من وراء ذلك إلا الحقيقة العلمية وحدها ؛ وقد قال مرة لواحد من أصحابه : علينا أن تدأب فى تجاربنا سنين أو ثلاثاً ، وقد تحقق آخر الأمر ، وقد تنجح ..
قال الكاتب:
يبدأ أول خيط من خيوط قصة (مارتن أروسمث) فى غرفة حقيرة ، فى مدينة صغيرة من المدن الوسطى ، وكان الطبيب (فيكرسون) صاحب هذه الغرفة رجلاً قذراً . وكان فوق ذلك سكيراً .
ولكنه على الرغم من ذلك قد احتوت غرفته - على ما بها من أثاث مبعثر - ما يشبه المفاتيح السحرية التى تقتحم بها أبواب المخاطرات . ففيها نسخة خطية ممزقة من كتاب التشريح (لحراى) ، وفيها هيكل عظمى تبرز من بين فكيه سن ذهبية .
وكان (مارتن) وهو يومذاك في الرابعة عشرة من عمره . قد أقدم نفسه مساعدا للدكتور ، وكان يتلقى من التعليم ذلك القدر الذي يجود به عليه عقل أستاذه المظلم.
ثم لحق الموت بأيوى (مارتن) وركا وصية بوصيان فيها بأن يتلقى ولدهما تعليمه فى جامعة (ونيماك) ثم فى مدرسة الطب
وكان "اروسمث الصغير" ينظر بعين الأزدراء إلى إخوانه من طلبة الطب ، وهو يجيب عليهم نظرتهم إلى تلك المهنة الشريفة نظرة تجارية رخيصة . وهو ذلك المعنى الذى لا يرضى بما دون المثل العليا ، وهو الذى قد باعد ما بينه وبين أمانته بمعارضته لأرائهم ، ومناقشته لهم فى كل ما يبدون من آراء
وكان صديقه الأوحد أستاذاً اسمه "جو تليب" وهو من الذين لا يؤمنون إلا بالعلم الذى لا تشوبه شائبة ، وكان هذا الأستاذ يرى أن الفتى (مارتن) قد أوتى موهبة علمية قد تبلغ حد النبوغ. وأحس (مارتن) أن ميدانه هو دراسة "علم الجراثيم".
ولقى (مارتن) فتاة جميلة يشع من حولها السرور ،
وتشيع فيمن حولها الأنس والبهجة ، وقد عجزت العجز كله أن تفهم كنه صاحبها هذا الذى يطلب الطب ، والذى يعتبره سراً من الأسرار المقدسة .
وقد حاولت الفتاة طوال السنة الإعدادية أن تجعل منه ذلك الزوج الذى رسمته لنفسها فى مخيلتها ، ولولا إحدى المصادفات السعيدة لكان النجاح حليفها .
وحدث ذات يوم أن أرسل الدكتور (جوتليب) الفتى (مارتن) إلى المستشفى العمومى ،مستشفى (زنييت) يطلب معاونة من إحدي طالبات قسم التمريض ، وكانت هذه - ساعته - تمسح أرض المستشفى عقاباً لها على هفوة ارتكبتها ؛ فلما تقدم إليها الفتى لقيته لقاء جافياً ، وكان اسم هذه الفتاة (ليورا توزو) وكانت دار أهلها فى مدينة (داكونا) وكانت هى فتاة فيها ملاحة ، وفيها عزوف عن الدنيا ، وفيها بلاد ، وفيها خشونة الريفيات .
ولم تمض إلا بضعة أسابيع حتى ألقى (مارتن) نفسه وله خطيبتان فى وقت معاً ، ودعاهما ذات يوم - والرعب يملؤه - إلى لقاء يجمع بينهما .
ولشد ما زعرت (مادلين) عندما عرفت تفاصيل الموقف ؟ فخلت مكانها ومضت لسبيلها ، أما الآخر (ليورا) فقد لبثت في مكانها لا تبرحه .
وجاءت السنة التالية فكانت جحيماً على (مارتن) فقد دعيت (ليورا) إلى بيت أهلها فى (هويت سيلفانيا) فأصبح (مارتن) وقد أزعجته الوحدة ، وأضناه العمل المضنى، وأمضته الأرق المزعج ، وأضر به السكر . ثم قامت جفوة بينه وبين استاذه (جوتليب) فغادر المدرسة ، وسار فترة هائماً على وجهه ، ثم سار ليلقى (ليورا).
وكان قوم (ليورا) ممن يظنون بالناس الظنون ، وهم أصحاب تقاليد لا يبغون عنها حولا . فلما هرب (مارتن) و"ليورا" وتزوجا ذعر القوم واضطربوا ، ثم توعدوها بالأذى إن لم تبق معهم ريثما يتم زوجها تعليمه .
فلما سافر أضناه الشوق والحنين ، وكتب إليهم يطلب أن تلحق زوجته به . ولما أتم دراسته جاء يعمل فى (هويت سيلفانيا) فصنع لافتة ، وعلقها فوق باب كوخ حقير ، وأحبه القرويون حيناً ، وضحكوا منه أحيانًا . وأخذوا بنصيحته تارة ، ومزقوا بنصيحته تارة أخرى . وشاع فى الناس الخبر أنه كان من المرجفين ؛ فقد حدث بعد أن لبث
في تلك القرية سنة كاملة أن كشف عن حالة من حالات الجدري ، فلما خاف أن ينتشر الوباء ، حاول اقناع أهل القرية بالتحصن ضد الوباء باللقاح الواقي ، ولكن الوباء لم يلبث أن زالت آثاره ؛ فهزيء الناس به . ثم خرج من القرية مودعا بسخرية القوم وضحكاتهم .
وفى رحلة له إلى مدينة (مينا بوليس) عرف رجلا ًمن المصارعين هو (جوستاف سونديلبوس) وهو عملاق مرح من أهل "السويد" اشتهر بين الناس بإنسانيته . وبحبه للخمر ، وبمحاربته للأوبئة .
وفى ذلك الحين كان وليه الحميم ، وصديقه القديم ، قد عرفت الفضيحة الطريق إليه ، وذلك يوم حاول إدخال طرق الإصلاح العلمى فى جامعة (ونمياك) وفقد على أثر ذلك كرسية ، فأفقر ، ونولاء الجنون ، وظل يبحث بغير جدوى عن عمل يعمله. وأخيراً لقى عملاً فى شركة تصنع الأدوية المجهزة ، ولكنهم لما عرضوا للبيع فى السوق دواء كان جهزه بعد دراسة دامت اثنتى عشرة سنة لقى دواؤه الإخفاق ، ولقى هو الطرد من عمله .
وكانت الخطوة التالية للفتى (أروسمت) أن استقر فى مدينة (بوتيلوس) وهى مدينة كانت آمنة مطمئنة بأتيها رزقها رغداً من كل مكان .
وعمل ( أروسمت) مساعدا للدكتور (ألموس بيكربو) المدير العام للصحة هناك . وكان هذا المدير يحمل حملته على الأمراض كما يحمل رجل السياسة حملته على خصومه فى السياسة ؛ فكان يخطب الناس ، ويؤلف الأغانى الخفيفة ، ويكتب النداءات ، وكان محبوباً بين الناس غاية الحب .
ويوم سافر هذا المدير إلى مؤتمر من المؤتمرات أصبح (مارتن) مديرا مكانه . فلم يره الناس خطيبا كصاحبه ، ولكنهم راوه يطارد الفيران والقمل . ثم أكرهه ذوو السلطان في المدينة أن يعتزل الخدمة ، وذلك بتنقيص راتبه إلى الحد الذي لا يستطيع به أن يقيم أوده
وجاءه ذات يوم خطاب من (جوتليب) بخبره فيه أن عملاً ينتظره فى معهد (ماك حرك) فاوصته (ليورا) بالقبول.
وكان هذا المعهد فردوسا أرضيا ؛ فكل شئ فيه كان دائما حقا . وهناك استطاع أن يعمل مستقلا . وهناك عرف طبيبا يعمل مثل عمله اسمه (وبكيت) ، وكان هذا رجلا
يحب العلم ، ويكره الهذر والسخف .
وظل (مارتن) مكبا على ابحاثه إلى أن علم - مصادفة - بعد شهور أن كائنا من كائنات البكتيريا قد أدركه الفناء ما سبب ظاهر ؛ فظل يبحث ويفكر حتى أصابه انهيار عصبى من أثر الإجهاد ، ولكنه كشف آخر الأمر عما سماه (قاتل البكتيريا).
وحدث بعد ذلك أن انتشر وباء الطاعون الدمثلى فى جزيرة من الجزر فأرسل (مارتن) لمحاربة الوباء بنظرياته الجديدة ومصله الذى اخترعه . وصحبته (ليورا) فى رحلته، ونصحه الناصحون بأن يبقى بعض الناس فى تلك الجزيرة بغير حقن ، وذلك ليراقب سير المرض ، وليعرف الأثر الذى يحدثه المصل فيمن يعالجون به .
واستفحل الوباء ، وكان السكان الأصليون يموتون من الذعر كما يموت الذباب ، وكذلك كان الأمريكيون .
ومات واحد من زملاء (مارتن) بين ذراعيه ، وضرب الوباء ضربته فأصاب (ليورا) فماتت مغتربة ، نائية عن أهلها وديارها .
وظل (مارتن) يعمل حينا من الدهر والألم يكاد يذهب بعقله أو يقتله . وظل زمنا بعد ذلك يعيش على "السوائل" وعلى حساب أعصابه.
ثم خفت وطأة المرض ، وقد أفاد المصل في الحد من حدته وعاد "مارتن" إلى أمريكا بغير صاحب أو خليل ، ولكنه كسب الشهرة وذيوع الصيت.
ثم تزوج من (جويس لانيون) ولكنه لم ينس (ليورا) على ما بصاحبته الجديدة من فتنة وجمال .
وظل صاحبنا بعد ذلك حيناً من الدهر وهو قانع بأن يكون واحداً من قوم امرأته . ولكنه سرعان ما مل المقام ، وسرعان ما أصابه القلق ، وأدركه الشقاء .
ثم ولد له ولد فلم يلق بالا إلى مولده ولم يفرح به كما يفرح الناس بكل مولود جديد .
ولذلك فقد عاد آخر الأمر إلي حبيبه الأول وهو (البحث العلمي)، واتخذ وزميل له من أحد الأكواخ معملا للابحاث. وطفق صاحبنا يعمل في ذلك المكان الموحش ، وهو قانع بجهازاته وانانيه ..
(عن الانجليزية)

