الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 674الرجوع إلى "الثقافة"

قصص من الصحراء

Share

كان دليلنا قاطع طريق :

هذا الرجل الأعور الذي يرى في ظلام الليل بعينه الوحيدة مثلما يرى الإنسان بكلتا عينيه في ضوء النهار . ذو الوجه الصغير المجدور والجسم النحيل والقامة القصيرة . إذا رأيته تزدريه لحقارة منظره وضآلة هيئته، ولكنك إذا جالسته استهواك بعذوبة حديثه وفصاحة بيانه وحدة ذكائه وحلاوة شمائله ورقة عواطفه ، ثم لا تلبث أن تصير له صديقا يشعرك في جميع الظروف والأحوال بصدق إخلاصه وجميل وفائه .

هذا الرجل له قصة

كان في شبابه قاطع طريق لا يرحم ، ثم ثاب وطلب العلم بالأزهر ، ثم عاكسته الأقدار فتحول إلى التجارة وفتح حانوتا للعطارة . ثم تزوج وأصبح رب أسرة ووالدا لفتاة جميلة . ثم كان لحقبة طويلة جليسنا الحبيب ودليلنا في المنزل والصحراء والجبل ثم اعتزل الناس والدنيا جميعا .

رأيته لأول مرة في إحدي ليالي شهر يناير سنة ١٩٠٨ بمنزل عائلة رشيد بشارع المحجر بالدرب الأحمر حينما قدمه لنا عبد الله بك كبير الأسرة وهو يقول : الشيخ محمد دليلنا في الرحلة إلى " بئر جندلي" ) ١ ( قال ذلك بزهو وإعجاب إطراء للرجل وتعريفا بمكانته . وغادرنا القاهرة في نفس الليلة ووصلنا بئر جندلي بعد يومين ووافق اليوم الثالث من رحلتنا أول أيام العيد فنحرنا غزالة وقضينا اليوم في الوادي نلعب ونتسابق ونمرح ونمزح كأننا الأطفال الصغار وبعد الغداء جلسنا إلى الشيخ محمد كعادتنا في كل يوم ، وكان قد أسند ظهره إلى حجر كبير ، واسترخى بجسمه على الأرض . وعقد يديه على رأسه ، وأسدل جفنه على عينه ، وشرع

يحدثنا فقال : في مثل هذه الأيام من خمس وعشرين سنة كنت شابا شقيا أجوب الصحراء من أقصاها إلى أقصاها أعيث فيها فسادا لا أستقر على حال ، وفي مرة نزلت السويس وقت موسم الحج للنشل والسرقة فاحتككت بشيخ مغربي يحمل خرجين كبيرين ينوء بثقلهما فظن أني أسدي إليه المعونة فمد يده إلى رأسي ودعا لي بالهداية ودعاني لمرافقته إلى الحجاز . وقد كان . فأديت الفريضة واستقبلت الكعبة وبصوت عميق خلته يخرج من كل جوانحي دعوت الله أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر . فاستجاب الله دعائي ، وعدت من الحج صالحا طاهر القلب شديد الإيمان ، والتحقت بالأزهر . فمكثت فيه خمسة عشر عاما إلى أن قطعت عني الجراية في عهد الشيخ محمد عبده ، فتحولت إلي التجارة . وشغلت بعرض الدنيا ، ولكني - وقد ناهزت الخمسين - لا زلت شديد الحنين إلي الجبل ، فأخرج إليه كلما سنحت الفرصة فأقضى فيه أياما قريبا من الله بعيدا عن بهرج المدينة وكدرها ثم أعود . وقد تطهرت نفس ، وهدأ عقلي . واستراح جسمي . ثم إنه على غير انتظار أمسك عن الكلام وترقرقت دمعة في عينه ، وتحول ببصره عنا وأطرق برأسه ثم أطبق عينه ونام

لقد توطدت صلتي بالشيح محمد بعد هذه الرحلة فكنت أزوره أحيانا بحانوته المتواضع بشارع باب الوزير ، كما كان يأتي لزيارتي بالمنزل في بعض أيام الجمع ، وغبت بعد ذلك عن القاهرة سنتين ، فلما عدت ذهبت لزيارته كالمعتاد ، فوجدت حانوته مغلقا ، وعلمت من أحد أصدقائه بأنه قد اعتزل العالم إثر وفاة ابنته الوحيدة . فهجر القاهرة ، ورحل إلى الجبل هائما على وجهه ، تاركا أثاث منزله وتجارته وكل ما ملكت يداه من غير أن يوصي به لأحد .

ثم علمت بعد ذلك بأن الرجل بعد أن كف بصره ، وثقل سمعه ، وانهد كيان جسمه ، عاد إلى الحضر فاستقر في عشة حقيرة على حدود الصحراء بالقرب من بلدة الكريمات

حيث يقضي أيامه متعبداً لا يكلم أحداً ولا يستقبل أحداً  ولا يزور ولا يزار .

وهكذا انتهى المطاف بالشيخ محمد - مسكين إنه كان يخشى هذا المصير .

ضيفنا أفعى :

في عصر أحد أيام شهر أبريل سنة ١٩٣٠ كنا نجتاز وادي " بلي " بالصحراء الشرقية في طريقنا إلي مناجم الحجر السماقي الإمبراطوري  (١)  بوادي جبل الدخان بالقرب من البحر الأحمر ، وقد حدث بعد أن عبرنا منطقة السدود الجرانيتية وقطعنا نحو عشرة كيلو مترات أن تعطلت إحدي سيارتينا لعطب أصابها ، فتوقفنا لإصلاحها ، وأضعنا في ذلك وقتا طويلا ثم دهمنا الظلام ، واختلطت معالم الطريق ، ففضلنا أن نبيت في الوادي ، فانتحينا جانبا وراء إحدي الثنيات ، ونصبنا خيامنا ، وكانت ثلاثاً من النوع الصغير الذي لا يتسع لأكثر من شخصين معا ، وانفرد أحدنا في خيمة وحده ، وبعد العشاء أوينا إلى الخيام ونمنا ، وعند شروق الشمس في اليوم التالي استيقظنا جميعا ما عدا رفيقنا الذي استقل وحده بالخيمة ، فذهب أحدنا لإيقاظه ولكنه لم يكد يزيح باب الخيمة ويطل داخلها حتى بادره النائم بإشارة فهم منها بأن أفعي كبيرة ترقد في الفراش بجانبه ، ورأسها في صدره ، فارتد إلينا رفيقنا وهو مرتاع يروي لنا الخبر . فتولانا هلع شديد ، وتراكضنا إلى الخيمة . ووقفنا حولها ، ونحن في حيرة لا ندري ماذا نفعل لانتشال صاحبنا من هذه الورطة - كانت لحظة رهيبية كاد يضيع فيها صوابنا ، ولكن تداركتنا رحمة الله - في الوقت المناسب - فمر بنا في هذه الآونة أعرابي من سكان المنطقة ، فاستوقفناه ، وأحطناه علماً بما نحن فيه ، فطيب خاطرنا ، وأشار علينا بالتزام الهدوء وبالانتظار حتى تملأ الشمس فضاء الوادي ، ثم تسلل بحذر إلى الخيمة ورفعها برفق فظهر صاحبنا من تحتها راقدا علي جنبه تحت غطائه ووجهه متجه نحو الأفعي جامد لا يتحرك له جفن وجسمه ساكن لا تختلج فيه عضلة ، ووقفنا في سكون حوله ، ونحن في أشد حالات الموجدة . وقد جفت حلوقنا ،

وزاغت أبصارنا ، تنتظر بإشفاق وقلق ما يجيء به القدر. ومر الوقت ببطء شديد ، ثم امتدت أشعة الشمس إلي فراش صاحبنا ، وسطعت عليه ، فبان وجهه مصفرا كوجه الموتى ، فاشتد بنا الجزع وكاد صبرنا أن ينفد ، وهم بعضنا أن ينقض على الفراش لاستخلاصه منه ، ولو تعرض لعض الأفعي ، ثم شاع الدفء في الوادي فتحركت الأفعي وأطلت برأسها من تحت الفراش ، فصاح الأعرابي : " أبشروا يا قوم لا تخافوا إنه أبو السيور ثعبان وديع لا يؤذي" .

كان وقع هذه البشري في نفوسنا عجيبا غريبا فتملكتنا حالة عصبية مفاجئة لم أشهد لها مثيلا من قبل ، مع كثرة ما تعرضت له من مفاجئات في الصحراء ! فأحدنا تصلب جسمه وانعقد لسانه ، حاول الكلام أو المشي ولا يقدر ، وآخر أخذ يضرب رأسه بيديه ، ويرفس الأرض يرجليه . وهو يهذي ويقهقه ، وثالث ارتمي بطوله على الأرض وأخذ يبكى وينتحب ، ورابع اندفع يجري هنا وهناك من غير قصد ، وهو يتمتم : الحمد لله! الحمد لله !

وفي هذه الأثناء كانت الأفعي قد تخلصت من طيات الفراش . وخرجت تسعى لحال سبيلها ، ولم تكد تبتعد إلا قليلا حتى انحنينا بلهفة على صاحبنا نتعرف حاله . ونحن لا نصدق بسلامته . وتولى بعضنا إنهاضه . وتولى البعض الآخر تدليك جسمه وإسعافه ببعض المنعشات ، حتى أفاق فوجدناه بخير ، لا يشتكي إلا ألما خفيفا وضعفاً . وما إن جاء وقت الظهر حتى كان قد استرد عافيته ، ونهض معنا . لنتابع السير إلى جبل الدخان

أخوض معركة:

هكذا بدا لي هذا الحادث في ظلام تلك الليلة . وهكذا تخيلته وقتئذ بخيال شاب في ميعة الصبا . وهكذا حفظته الذاكرة طيلة هذه المدة في هالة منيرة من الاعتزار والفخار ، وهكذا أرويه اليوم لقراء الثقافة بعد أن انقضي على حدوثه أربعة وأربعون عاما .

خرجنا في صباح ذلك اليوم البعيد من القاهرة في قافلة يتقدمنا الدليل ، وتتبعنا الجمال . حاملة الزاد والخيام ، قاصدين جبل القطامية ( ١ ) ، أصيد الأرنب والغزال وبعد

سير حثيث دام يومين ، نزلنا عند الغروب في واد لنبيت فيه

كان البرد في تلك الليلة شديدا ، فآوينا إلي مضاجعنا مبكرين ، وأشعنا نارا كبيرة نصطلي . وفي أول الليل اكفهر الجو . وعصفت الريح ، وأبرقت السماء وأرعدت . وانهمر مطر غزير ، ثم فاض الوادي بسيل جارف عنيف ، فكان المشهد رائعا ، ثم انقشعت السحب ، وصفت السماء ، وأضاء الوادي بنور القمر ، ثم استغرنا في نوم هنيء . وقبل الفجر بقليل استيقظت على صوت حركة غير عادية بمعسكرنا . فوجدت الجماعة يتفقدون السلاح ، وعلامات الاهتمام بادية على وجوههم ، وأبصرت الدليل ينزل إلي وحدة ، ويقف وراء صخرة ، ويتجه بصره نحو قاع الوادي ، ثم يتبعه احدنا ويهمس في أذنه بكلمات ويحتمي هو الآخر وراء حجر كبير ، ثم يصدر الأمر فنتفرق على الصخور المجاورة ونتخذها متاريس نكمن وراءها . وننصب بنادقها على جوانبها ، ثم نري شبحين ، ومعهما بعير ، يهبطان به إلى الوادي

ثم يزحفان نحو مربط جمال القافلة ملتزمين جانب الجبل .

وبعد دقائق من الصمت الرهيب صاح الدليل " ها " أكمنوا لا تطلقوا النار ، ثم إنه أطلق عيارا في الهواء ، فبرز الرجلان إلى عرض الوادي واندفعا عدوا نحو الجمال . فصاح الدليل : جماعة ؛ أطلقوا النار في الهواء ، فدوي في سكون الليل صوت البنادق كأنه زمجرة المدافع ، فذعر الرجلان لهذه المباغتة ، ووقفا مكتوفي اليدين علامة التسليم ، فانتقل إليهما الدليل وتبعناه واستوضحهما الأمر فقالا : إنا قادمان من المرج قاصدين وادي العجيل على البحر الأحمر في أمر مستعجل ، وفي المساء كنا نجناز اليحموم ، فشاهدنا ناركم فعرجنا عليكم لنستدفئ وما قصدنا بكم سوءا ، ولكنها مداعبة على عادة البدو .

وبعد أخذ ورد امن الدليل على قولهما ، فانصرفا بسلام وقد تنفس الصبح ولاح

اشترك في نشرتنا البريدية