{ تعد كاترين مانسفيلد المؤلفة الإنجليزية من كبار كتاب القصة القصيرة . ولها أسلوبها الخاص وطريقتها البديعة فى كتابة القصة . فإنها تربط الماضى بالحاضر حتى ليشعر القارئ بأنه يعيش مع أبطال قصتها أزمنة مختلفة في وقت واحد . وقصة (( حياة الأم باركر )) مثال لذلك الأسلوب الرفيق الفذ } . المترجم
عندما فتح السيد الأديب باب منزله في ذلك اليوم للام باركر - وكانت تنظف له المنزل يوم الثلاثاء من كل أسبوع - سألها عن حال حفيدها . ووقفت الأم باركر على العتبة داخل البهو المظلم ، ومدت يدها تساعد السيد في إفقال الباب ، قبل ان تجيب في صوت هادىء - لقد دفناه البارحة باسيدي
فقال السيد في صوت المشدوه : أوه . إني لآسف إسماعي ذلك الخبر .
كان لا يزال يتناول طعام إفطاره ، وقد ارتدى رداء رثا ، وحمل في يده صحيفة إخبارية مهلهلة ، ووقف واجما ، وشعر بأن لا يمكنه ان يعود ثانية إلى غرفة الجلوس الدافئة دون أن يقول شيئا - شيئا يضيفه إلى ما جاء به . فقال في صوت المشفق :
- أرجو أن تكون الجنازة قد انتهت على ما يرام . وقالت الأم باركر بصوت أجش : أرجو المعذرة يا سيدى. يا للعجوز المسكينة ! إن منظرها يدل على أنها قد صدمت صدمة قوية . فقال :
- أرجو أن تكون الجنازة قد تمت . بنجاح . ولم تفه الام باركر بأي جواب . واحنت رأسها ، ثم
خرجت نحو المطبخ ، وقد امسكت بحقيبتها التى تحوي أدوات التنظيف وفوطة الصدر وزوج الأحذية الخفيفة ورفع السيد حاجبيه ، ثم عاد ثانية إلى إفطاره
وجذبت الأم باركر الدبوسين الأسودين من قبعتها ؟ وتناولتها ورداءها وعلقتهما خلف الباب ، ثم ربطت الفوطة على صدرها ، وأخيرا جلست تنزع حذاءها .
كم كانت تشعر بالألم عند خلعها ذلك الحذاء .. الألم الذي لازمها طوال السنين . وفي الحق لقد اعتادت ذلك حتى إن وجهها كان يتقلص نوقعا للألم قبل أن محل رؤاط الحذاء وعند ما انتهت تنهدت وجعلت تدلك ساقيها
- جدتي ! . جدتي ! كان حفيدها الصغير يقف على حجرها بحذاءيه المربوطين ، لقد قدم من الخارج بعد أن انتهى من اللعب .
- انظر ما الذي فعلته في رداء جدتك . . أيها الطفل الشقي
ولكنه كان يلف ذراعيه حول عنقها ، ويدلك خدها في خده متعلقا وهو يقول :
- جدتي . . أعطنا فلسا . - اذهب . . جدتك لا تمتلك فلسا بل عندك - لا . لا يوجد معي وكان يقول لها : " نعم ، معك . . أعطنا واحدا " وهي تعبث في كيس نقودها الجلدي .
- حسنا ، وما الذي تعطيه لجدتك في مقابل ذلك ؟ وانفلتت منه ضحكة خجل ثم ضمها إليه . وشعرت بجفونه ترتمش على وجنتها ، وهو يتمم قائلا : - لا يوجد عندي ما أعطيه لك
وهبت العجوز وافقة ، وأمسكت بالإبريق الحديدى القائم على الموقد النارى ، ثم ألقت به فى الحوض ، وخيل إليها أن خرير الماء المتساقط قد خفف من شعور الألم الذى انتابها ، وملأت الدلو ووعاء التنظيف .
إنه ليستغرق منها كتابا بأكمله إذا ما أرادت وصف حال ذلك المطبخ . لقد كان السيد يعمل أثناء الأسبوع كل شئ بنفسه . وكان في كل مرة يفرغ بقايا الشاي في علبة من علب المربى الفارغة ، وكان إذا تهرب من تنظيف الشوك لا يتورع عن مسح واحدة أو اثنتين منها في المنشفة . إن " طريقته " كما شرحها لأصدقاه كانت غاية في البساطة . ولا يدري لماذا يولي الناس كل هذا الاهتمام بالنظافة المنزلية . وكان يقول : " إن أبسط ما يمكن عمله هو ان تستعمل كل ما يمكنك استعماله ثم تتركه وسخا ، ثم تستحضر عجوزا تنظف كل ذلك مرة في الأسبوع . وهكذا يتم التنظيف "
وكنت ترى نتيجة لذلك اكوما هائلة من النفابات ملقاة هنا وهناك . وحتى الارض لم تسلم من فضلات الخبز والأوراق المهملة وأعقاب الفافات . ولكن الام باركر كانت لا تحمل له آية ضغينة ، فلقد كانت تشفق على السيد الشاب لعدم وجود من يعتني به
وجعلت الأم باركر تمسح الأرض وقد تركت الماء على النار حتى يسخن . وانتابتها الأفكار وهى تدفع بالمكنسة أمامها : (( نعم ، لقد أخذت نصيبى من كل شىء ، لقد كانت حياة شاقة )) . . حتى جيرانها ، كانوا يتحدثون عن ذلك ، وكثيرا ما كانت تسمعهم يقولون : (( إن الأم باركر تحيا حياة شاقة )) . . وكان ذلك حقيقة لا يمكنها أن تفخر بها . . كانت حقا حياة شاقة .
لقد رحلت عن ستارتفورد في سن السادسة عشرة
قاصدة لندن لتعمل كخادمة في مطبخ نعم لقد ولدت في ستارتفورد . ولم يبق في ذاكرتها عن بلدتها إلا النزر اليسير . إنها تذكر جلوسها " بجانب ذلك الموقد كل مساء حيث يمكن رؤية النجوم من خلال المدخنة " وتذكر كيف كانت امها تحتفظ دائما بقطعة من اللحم المجفف مدلاة من السقف ، وتذكر تلك الغابة أمام الدار وكانت تفوح منها الروائح الذكية . إنها ذكري مبهمة لم تخطر لها إلا مرة أو اثنتين اثناء عملها بالمستشفى ، وكان أول مكان عملت فيه عند قدومها إلى المدينة لقد كان مكانا مروعا . ولم يكن يسمح لها بالخروج ولا بالصعود إلى الطابق العلوي إلا عند الصلاة في الصباح والمساء كان مقرها حجرة الخزين ، وكانت الطاهية امرأة قاسية . لقد اعتادت أن تختطف منها رسائلها الواردة من أهلها وتلقي بها في النار لأن تلك الخطابات كانت تجعلها كالحالة
وعندما تركت تلك الطاهية ، ذهبت لتساعد في خدمة طبيب وزوجت بعد سنتين وهي تعمل هناك ليل نهار وكان زوجها خبازا .
إنها لتذكر كيف كان السيد الأديب يحدثها عن زوجها وكيف كان يضع المجلدات جانبا ويصغي إلى حديثها ثم يقول : أظنك سعيدة بتزوجك من هذا الخبار ؟
ولم يظهر علي مسز باركر أنها وائقة من ذلك . ثم يقول : إنها تجارة نظيفة وكانت إذا سممت ذلك لا يظهر عليها انها مقتنعة بما يقول :
فيسألها : ألا يعجبك أن تمسكى بالخبز الطازج لتسلميه إلى الزبائن ؟
فتقول : إني لم أكن أخشى الحانوت كثيرا ياسيدي ، لقد كان عندنا ثلاثة عشر طفلا ، دفنا منهم سبعة . ولذا كنت تراني في العيادة إن لم تجدني في المستشفى
فيجيب السيد وقد عرته رجفة ، ممسكا بالقلم ليعاود الكتابة :
- إنك على حق يامسز باركر . نعم ، سبعة رحلوا ، وظل الستة الآخرون في عنايتها ، ثم انتاب زوجها مرض السل والأطفال لما يزالوا صغارا . وكان سبب ذلك هو الدقيق الذي استنشقه في رئتيه . لقد أخبرها الطبيب بذلك وهو يفحص زوجها ، وكان جالسا في الفراش وقد رفع قميصه إلى أعلى رأسه . ورسم الطبيب دائرة على ظهره وقال " إننا إذا قطعنا قطعا في هذه البقة وفتحنا عما تحتها وجدنا رئتيه وقد تراكم عليهما مقدار كبير من المسحوق الأبيض ، تنفس أيها الرفيق . . ولا تدري مسز باركر أكان ما شاهدته حقيقة ام مجرد خيال ! لقد رأت ذرات كثيرة من الغبار الأبيض تخرج من بين شفتي زوجها المريض .
لقد جاهدت وناضلت في سبيل تربية هؤلاء الأطفال الستة . وما كان أشق ذلك عليها . ثم أصبحوا كبارا قادرين على الذهاب إلى المدارس لتلقي العلم ، فقدمت اخت زوجها لتقيم معهم وتساعدهم ، ولم يمض عليها أكثر من شهرين حتى سقطت من السلم وأصيب عمودها الفقري . ثم ضلت الصغيرة عود طريق الرشاد فهربت واخذت معها أختها إبس . وهكذا ابتدأ الأولاد يرحلون ، فجيم ذهب إلى الهند مع الجيش ، وإيثل تزوجت خادما لا يصلح لشئ ، خلف الدنيا من مرض الم به في السنة التي ولد فيها ابنى . والآن . . ابني الصغير . حفيدي
وكانت قد غسلت أكوام الأقداح القذرة والأطباق المتسخة ونشفتها . ثم مسحت المائدة ونظفت الحوض من القاذورات التى كانت تغطيه
لم يكن طفلا قويا منذ ولادته . لقد كان من أولئك الأطفال الخياليين ، فكان كل من رآه يحسب أنه فتاة ، لها جدائل فضية جميلة ، وعينان زرقاوان . وكان همها هى وإيثل أن يقوما على تربية هذا الطفل ، وكانت إيثل تقرأ لها
بصوت مرتفع في صباح كل احد ، فلستمع إليها وهي تقوم بالغسل :
" سيدي العزيز : إن صغيرتي مرتل كانت على وشك الموت منذ ولادتها . ولكن بعد استعمالها اربع قوارير من .. زاد وزنها أربعة أرطال في تسعة أسابيع . . وهي الآن لا تزال مواظبة على استعماله . . "
وعندئذ تخرج المحبرة ، وتكتب الرسالة ، وتشترى الأم باركر إذن البريد وهى فى طريقها إلى عملها صباح اليوم التالى . ولكن ، كان كل هذا بلا فائدة. ولم ينفع الصغير شىء . لقد خلفها إلى المقبرة . ولم يفده دواء ، ولم يجده التنزه .
ولكنه كان طفلها منذ ولادته . وكانت تقول له - ابن من أنت ؟
ورفعت قامتها من فوق الموقد ثم ذهبت إلى النافذة . وخيل إليها أنها تسمع ذلك الصوت الصغير يهتف بها ، صوتا حارا واضحا يكاد يخنقها وكأنه صادر من قلبها فى صدرها . صوتا ضاحكا يقول - أنا ابن جدتى .
وسمعت في تلك اللحظة وقع أقدام ، ثم ظهر السيد الأديب وقد تهيأ للخروج
مسز باركر . . إنى خارج - حسنا ياسيدي - وستجدين قطعة النقود بجانب المحبرة . شكرا ياسيدي
وقال السيد الأديب بسرعة : على فكرة .. ألم تلقى ببعض الكاكاو فى آخر مرة كنت فيها هنا ؟
- لا يا سيدى فقال بصوت جهورى : غريب جدا . أكاد أقسم بأنى تركت ملء ملعقة شاى من الكاكاو فى العلبة .
يجب ان تخبريني دائما عندما تلقين مثل هذه الأشياء أليس كذلك يا مسز باركر ؟
ثم ذهب مسرورا من نفسه وقد اقتنع بأنه ابدى إليها انه يخفي تحت عدم عنايته الظاهرة يقظة كيقظة المرأة .
وسمعت صوت الباب وهو ينصفق . ثم أخذت أدواتها إلى غرفة النوم . ولكنها عندما ابتدأت ترتب الفراش وتنظمه ، وجدت أن أفكارها تعود بها إلى لبنى وشعرت بأنها أصبحت لا تحتمل مثل هذا التفكير لماذا كتب عليها ان تتعذب كل هذا العذاب ؟ ولماذا كتب على طفل صغير كالملاك ان يطلب التنفس ويجاهد في سبيله ؟ إنها لا تجد معنى في تألم الطفل كل هذا الألم .
وكان يخرج من صدر ابنى الصغير صوت كصوت مرجل يغلي ، صوت حشرجة فى صدره لا يمكنه التخلص منها . وعندما كان يسعل ، كان العرق يتساقط من جبينه وعيناه تجحظان ، ويداه تنقبضان ، والحشرجة تتلاعب فى صدره تلاعب قطعة البطاطس فى الوعاء فوق النار . وكان ما يحز فى نفسها أكثر من غيره هو عندما تراه وقد تركته نوبة السعال . كان يجلس وقد اضطجع على الوسادة لا يتكلم أو بتظاهر بالاستماع . ثم ينظر إليها كأنها هي التى هزهزت جسمه .
فكانت تقول له : إن هذا ليس من فعل جدتك يا حبيبي
تم ترفع له شعره المندى من فوق أذنيه ، ولكنه كان يحرك رأسه ويبعدها عنه ، كأنها هي سبب مرضه ، ثم ينظر إليها من كل جانب كأنه لا يصدق انها جدته وأخيرا . .
وقذفت الأم باركر بما تحمله على الفراش . لا .. إنه لا يمكنها أن تفكر فى كل ذلك بمثل هذه البساطة . إن هذا لكثير عليها . . لقد كان عليها أن تحتمل كل ما صادفها فى الحياة . ولكنها الآن قد ناءت بذلك الحمل
لقد كانت دائما تمتلك شجاعتها ، ولم تقع عليها عين أحد وهي باكية . لم يرها أي مخلوق وهي تبكي . حتى أولادها لم يشاهدوها في يوم ما وقد ظهر عليها الوهن والتخاذل . لقد كانت تحتفظ دائما بوجه كله كبرياء وتجلد . ولكنها وقد رحل لبني . ما الذي بقى لها ؟ لم يبق لها شئ . لقد كان هو كل ما تبقى لها من الحياة . . وها هو ذا قد اختطف منها لماذا يحدث لها كل ذلك ؟ وسألت نفسها : ما لذي عملته في دنياها . ما الذي عملته ؟
وعندما تفوهت بهذه الكلمات شعرت بنفسها تلقى فجأة بما في يدها ، ثم إذا بها في المطبخ . لقد كانت في حالة يرثى لها ، حين ثبتت قبعتها على رأسها ، وارتدت ردائها . وخرجت من المنزل كشخص سائر وهو يحلم . ولم تدر ما الذي تفعله إنها كانت كمن يترنح من فظاعة ماحدث له ، فهو يسير مبتعدا . إلى أي مكان ، يسير محاولا ان يهرب من .
وكان الجو في الشارع باردا ، والريح تهب كالثلج . والناس غادون رائحون دون ان يلقوا بالا إليها . ولماذا يهتمون بها حتى لو تخاذلت ؟
وشعرت بالرغبة في البكاء ثم خيل إليها انها ترى صغيرها لبني وقد قفز بين ذراعها . . ذراعي جدته . إن هذا ما تود جدتك ان تفعله يا صغيري . إن جدتك تريد ان تبكي آه لو أمكنها البكاء الآن ، البكاء مدة طويلة على كل شئ ، على كل مامر بها منذ ان قابلت الطاهية القاسية ، ثم منذ دخلت منزل ذلك الطبيب ، ثم أولادها السبعة الصغار ، وموت زوجها ، وهجر الاولاد لها ، وكل معنى البؤس التي أوصلتها إلى لبني إنها إن ارادت ان تبكي على كل ذلك لاستغرق منها زمنا طويلا . على كل حال ، لقد حان وقت البكاء ، ويجب عليها ان تبكي . إنها لا يمكنها ان تكبت ما في صدرها مدة أكثر من ذلك ، ولا تقدر على الانتظار . أين يمكنها أن تذهب ؟
" لقد كانت حياة الأم باركر حياة شافة " نعم ، كانت شاقة حقا .
وابتدأ ذقنها يرتعش . إنه ليسلديهاوقت تضيعه . ولكن . . أين ؟ أين ؟
إنه لا يمكنها أن تذهب إلى المنزل فإيثل هناك وقد يخيفها ذلك . ولا يمكنها أن تجلس على مقعد في أي مكان ، فقد يسألها الناس عن سبب بكائها . وليس لها حق البكاء في بيوت الغرباء .
ألا يوجد مكان يمكنها فيه أن تنزوى وتنطوى على نفسها ، ثم تبكى ما شاء لها البكاء دون أن يزعجها أحد ؟ ألا يوجد مكان في هذا العالم يمكنها فيه أن تترك لدموعها العنان ؟
ووقفت الأم باركر تنظر هنا وهناك . وفجأة ، اشتدت الريح وتلاعبت بثيابها . ثم ابتدأ المطر ينهمل وفي لحظة كان المكان مقفرا

