من أعجب القضايا التي أخذ المحامي الناشئ (مرجان) على عاتقه أن يترافع فيها ، قضية الرعد والبرق والمطر ؛ وما برحت قصتها حديث الخاص والعام في بلدة (تامور) وما جاورها من البلدان . وفي ذلك الاقليم النائى من ولايات أمريكا المتحدة ، حيث وسائل اللهو والتسلية قليلة ، لم يكن بد من أن تظل هذه القصة حديث الناس وسمرهم زمناً طويلا
وهناك تفصيل الأمر : حبس الغيث عن بلدة نامور وما جاورها من البلدان زمناً طويلا ، حتى ظمى الثرى، وبيس المرعى ، وجف الشجر ، وغاض الماء فى الآبار ، ورقدت حبات القمح في العراب ، تنتظر القطر أسبوعاً بعد أسبوع، والسماء ما برحت صافية الأديم ؛ والجو صحو بهيج ، ليس فيه شبهة غمام ولا قطعة من سحاب ، مع أن الأوان أوان مطر ، وليس بين أهل (نامور) من يذكر أن المطر قد أخلف وعده من قبل هذه الصورة الأليمة
وقد أصاب الناس من جراء هذا كله منك شديد و عذاب عظيم. وحدث ما شئت عما قاسته الماشية من جوع وحرمان ، حتى باتت هزيلة نحيلة ، وقد أوشك ضرعها أن يجف ، فلا تكاد تجد ما تقذى به بنيها ، ولم يكن بينها بقرة إلا وتذكرنا بقول جرير في زوجته العزيزة أم حرزة :
تملل وهي ساغبة بنيها
بأنفاس من الشم القراح
والخلاصة : لقد أصبحت تامور وسكانها وزرعها وتراها في أشد الضنك والظمأ ، ومضت عليها في هذا سبعة أسابيع ، كأنها السنون السبع القاسية ، التي شهدتها مصر في عهد وزارة يوسف بن يعقوب عليهما السلام!
وكان بالبلدة قسيس كأنه قديس ، امتلأ صدره ورعا وتقى ، وقد آله ما آلم الناس ، وعنى عليه أن يراهم في هذا الجهد الشديد دون أن يستطيع لكربتهم تفريجاً والكارثة علاجاً ؛ وطالا لقيه رجال البلدة وسألوه : أما عند رجال الدين من وسيلة يتوسلون بها ، لعل الغيث أن ينزل بعد أن امتنع هذا الزمن الطويل ؟ فكان يواسيهم بالكلم العلب ، ويوصيهم بأن يخلصوا اليهم في الشدة والرخاء، على حد سواء. ثم مضى عنهم وهو مطرق مهموم
ثم خطر له أن يدعو أهل البلدة جميعاً لأن يشتركوا وإياه في صلاة الاستسقاء ، فقال لقادتهم ورؤسائهم : إننا لو أخلصنا النية ، وابتهلنا جميعاً إلى الله أن ينزل الغيث ولم يتخلف منا فى هذا أحد ، واشترك في هذا الدعاء الصغير والكبير ، والمؤمن والزنديق ، فإنى واثق أنه سيخفف عنا العذاب، وتتفرج هذه الكربة .
وانطلق رؤساء البلدة وقادتها ونشروا هذه الدعوة بين الناس ، فأقبلوا عليها جميعا إقبال اليائس المكمود رأي بريقا من الأمل
وفى ساعة الظهر من يوم السبت التالي خفت في البلدة كل صوت ، وعطل كل عمل عشر دقائق كاملة قضاها الناس في الدعاء والصلاة ، والابتهال إلى منزل الغيث أن يجود على بلدة تامور بمطر وابل غزير .
وتستطيع أبها القارى" أن تشك وتتكر ، ما وسعك الشك والانكار ؛ ولكن راوى هذه القصة يقسم أن الساعة الأولى بعد ظهر يوم السبت المذكور لم تكد تمضى حتى اكفهرت السماء ، وغشاها سحاب أسود مقتم ، ثم أخذ المطر يهطل وينهمر في شدة وغزارة مدهشة ، كأن في السماء أنهاراً تندفق وسيولاً نقيض .. وظل المطر يهمي طوال ذلك اليوم والليلة التي أعقبته ، واليوم الذي تلاه أيضاً . وكان يصحبه رعد يسمع الأسم ويضم السميع ، وبرق يرسم في السماء خطوطاً متمرجة عجيبة ، وصواعق يكفى بعضها لهدم حصون سيجفريد بين الرين والموزل
وبرغم كثرة الصواعق التي انقضت من السماء ، لم يصب من سكان الإقليم أحد بسوء ؛ ولم يحترق من المنازل سوی دار واحدة لرجل يدعى دود. كان دود هذا رجلا من الأغنياء الذين جمعوا الثروة والمال من سبل ليس لها من الطهر والشرف نصيب كبير. وقد ابتنى هذه الدار الفخمة الضخمة ، وملأها بأنواع الرياش والأثاث الثمين ؟ وأقامها بعيدة عن البلدة ، لكى لا تعكر صفو حياته أصوات الناس ؛ وجمل من حولها حديقة واسعة وسوراً عالياً يرد عنها العيون ، ويحجب صاحبها من فضول القاصدين وذوى الحاجات
ويشاء ربك ذو الجلال والإكرام أن تنقض صاعقة من أفخم الصواعق وأبرعها ، وأن تصيب الجانب الشرقي المدار، تهدمه هدماً ، وتحطم ما به من أثاث ، وتترك السيارة الضخمة أنقاضاً من الصفيح ؛ ولولا أن الريح كانت غربية لاحترق شطر عظيم من الدار. ولكن
المقادير كانت رحيمة ، فلم يتحطم سوى الجناح الشرقى ولم يصب من سكانها أحد بسوء
ورأى دود أن هذا البرق والرعد والمطر ، لم ينزل بالبلاد وسكانها ، إلا بعد صلاة أقامها القسيس ، وأن لا بد من المطالبة بمبلغ ضخم تعويضاً على ما حل بداره من التلف .
كان دود الرجل الوحيد الذي لم يشترك في تلك الصلاة ، وقد اعترض على إقامتها بشدة، زاعماً أن هذا التدخل فى القضاء والقدر غابة فى القحة والبذاءة .. ولهذا لم تأخذه الرحمة على القسيس وأصدقائه ؛ بل لقد اغتاظ أشد الغيظ حين رأى الناس محتشدين حول دار القسيس مهنئين شاكرين . فقرر أن ينغص عليه انتصاره هذا ، وطالبه أمام القضاء بدفع خمسة آلاف من الدولارات الأمريكية الهيفاء !
ورأى محامينا النسائي مرجان أن هذه فرصة قد جاد بها الدهر البخيل ، لكي يبرز مقدرته الكامنة ، ويكتسب الشهرة والصيت. فإن الاهتمام بهذه القضية قد شمل البلدة ، بل الولاية كلها ، وهو خليق بأن ينجح فيها من غير عناء ، وأن يشق بهذا النجاح طريقاً إلى المجد والسؤدد . فبادر بالتطوع للدفاع عن القسيس المحبوب قبل أن يسبقه إلى هذا الشرف بعض كبار المحامين
وجاء اليوم الذي خصص النظر هذه القضية ، أمام حكمة الولاية العليا ، فاحتشد الناس في دار القضاء ، وأحدقوا بها من كل صوب ، وليس في قلوب الجميع سوى أمنية واحدة ، وهي أن يوه دود بالفشل والخسران المبين.
وتبوأ القضاة مقاعدهم وجيء بالشهود لكي يدلوا بشهاداتهم ولم يكن بد من أن يقرروا بأن المطر قد أخذ ينهمر في شدة وعنف ، بعد صلاة الاستسقاء مباشرة : شهد بهذا العمدة وشيخ البلد ، ورئيس نقابة الحلاقين ، ومدير معمل الصابون، وكل ذى مكانة في البلدة. وقد أدلوا جميعاً
بشهادتهم كارهين ، وهم يخشون أن يحكم على القسيس الطاهر الذيل الذي لم يقم بما عمله إلا لخير البلدة وسكانها .
وارتفعت حرارة الاهتمام فى الجلسة ساعة نودى على المستر دود نفسه لكى يدلى بشهادته
وكانت اللحظة التي ينتظرها المحامى الشاب ، فلم يلبث أن تنهض مستجمعاً جناته المنقد ، وذكاءه المشتعل وأخذ يستجوب الشاهد ، ويحاوره :
حدث المحكمة يا مستر دود ؟ هل أنت ممن يؤمنون بأن للصلوات والأدعية أثراً فعالا ، وقوة لا ترد ؟
من غير شك : قل لى إذن ، كم مضى عليك من الزمان منذ أن شهدت صلاة أو دعاء ؟ - لست أذكر أيصح لى إذن أن أظن أن عهدك بالصلاة بعيد ؟ في الغالب .
لئن كنت شديد الإيمان بأن للصلاة كل هذا الأثر الفعال ، فهل تستطيع أن تفسر للقضاة ، كيف أهملت شيئاً له كل هذه القوة والتأثير ؟
ارتبك دود لهذا السؤال الذي لم يحسب له حساباً وأجاب في تلعثم أن هذا لم يخطر له بيال .
حدث المحكمة يا مستر دود! هل تظن أن جميع الصلوات والدعوات تجاب ؟
كلا غير أن بعضها يجاب من غير شك - ما الذى يدعوك لأن زعم أن صلاة الاستسقاء هذه قد أجيبت ، وأنها هي سبب المطر والصواعق التي انقضت على دارك ؟
- إن هذه لم تكن صلاة عادية ، فقد حشد لها القسيس جميع الناس وعدا هذا فإن المطر أخذ ينهمر عقب الصلاة مباشرة .
- ولكن ألست تري أن المطر قد انتظم الولاية كلها ؟
هذا صحيح فهل تستطيع أن تقسم بأن صلاة القسيس كانت منصبة على الولاية كلها ؟
ليس يعتنيني أن تكون الصلاة منصبة على الولاية ، وإنما يهمني أنها كانت منصبة على منزلى ، وأنها سببت هدم داری .
وهكذا انطلق المحامى البارع فى استجوابه ، حتى أصبحت دار القضاء في عينى دود ككفة الحابل ؛ ولم يزل يصب عليه الأسئلة الحرجة ، حتى أخذ يتصبب عرقاً بارداً .
عند ذلك أخذ المحامى يخاطب القضاة بلسان فصيح وبيان سليم ، ويشرح لهم أن القسيس والذين عاونوه في صلاة الاستسقاء ، لم يطلبوا سوى المطر ، ولم يبتهلوا إلى الله إلا لينزل الغيث.
ولئن شاءت القوى العليا - لغرض حنى علينا نحن بني الفناء - أن يصحب المطر رعد و برق وصواعق ينزل بعضها على دار المستر دود فيهدم جناحاً منها ، فهل من شأن القضاء الأدمى أن يحاسب القوى السماوية ؟.
تم ما ذنب قسيسنا الطاهر الذيل ، النجيل المقصد ، إذا كانت المحكمة الأزلية شاءت تدمير بعض الدور ؟
وكانت هذه الحجة مما لا يستطاع دحضه ؛ فبادر رئيس القضاء ، بالموافقة على أن المصلين لم يصلوا إلا طلباً للغيث ، وأن الصواعق قضاء نزل من غير وساطة إنسان ! ثم قرع بعصاء المنضدة ، وأعلن الناس أن الدعوى باطلة ، وعلى المدعى نفقات القضية.
عند ذلك صاح الجمهور بصوت فيه تلك الغنة الأمريكية المعروفة : ليحى العدل ! .
ومنذ ذلك العهد علا نجم مرجان ، وأصبح ممن يشار إليهم بالبنان .

