الثقافة - تنصر هذه الكلمة الطبية لحضرة الدكتور جمال الكتاني مفتش البعثة المصرية بواشنطن لما فيها من آراء طيبة وإن كنا نخالفه في بعض ما ذهب إليه . والباب مفتوح لرجال التعليم أن يناقشوا بعض ما ورد في هذه الكلمة .
المسلمين جميعا على اختلاف جنسيانهم قضية عامة ، ولكل طائفة منهم في كل بلد متحضر فضية خاصة . وتعني بالقضية العامة الركز الاجتماعي الذي يحتله المدرس في بيئته بين أهله وعشيرته وأقرانه ؟ فالمدرس في كافة بلاد العالم ، باستثناء تشيكوسلوفاكيا ، يحتل مكانا ثانويا في المجتمع . فالحال في انجلترا وأمريكا مثلا هو نفسه في مصر حيث يتقدم الطبيب والمهندس وغيرهم على المسلم
وعندي ان تلك أسبابا وإن لم يكن له مبررات . فقد تأثر المركز الأدنى المعلم بالمرتب الضئيل الذي يمنحه المدرس أجرأ على عمله . وأخذ المعلمون في انحاء العالم يرزحون تحت هذا العب ، الثقيل وتألفت اتحادات تدافع عن حقوقهم ، وعمد الأفراد إلي شتى الوسائل للحصول على قسط أكبر من المال يواجهون ( مطالب الحياة . فمنهم من سلك سبيلا قويما فزاد دخله بالقدر الذي يمكنه من الاحتفاظ بالمركز الاجتماعي الذي ترشحه له مهنته ، ومنهم
من دفعته الحاجة إلي أن يتحرف ، حتى لقد سمعت في صدد التنديد بضآلة مرتبات العلمين في الولايات الجنوبية من أمريكا ان مدرسا اعطي أجرأ على تنظيف حجرات المدرسة أعلى من أجره على التدريس ، وما زلت أذكر في شئ كثير من المضض ما قاله لي احد الآباء في اسيوط انه قد " كري " لولده مدرسا . وكانت هذه القضية العامة قد استفحل أمرها في مصر ، فقد قيل إن وكيلا من وكلاء وزارة المعارف رد إلى المالية عددا من الدرجات لأنه لم يجد بين المدرسين من يستحق الترفية إليها ، ولعل صاحبنا هذا كان ممن يرتفعون بالمدرسين إلى منزلة الرسل ، فيأتي عليهم طلب المال ويفترض فيهم الزهد والتقشف .
على أننا نحمد الله أن وزارة المعارف قد أخذت من عهد غير بعيد أن المدرسين حتى وإن كاروا ان يكونوا رسلا مازالوا في حاجة إلى مأكل ومسكن وملبس ؟ فجاء الهلال وطه حسين فأصلحا من حال معلمي الإلزام ، وجاء السنهوري والبابي فارتفعا بوزارة المعارف من الدرجة السادسة إلى الخامسة ، وعلمت انهما في صدد رفعها إلي الرابعة ، فنرجو لهما توفيقا . هذه ولا شك حركة مباركة نحو العناية بالمعلمين ، فحق علينا إذا ان نذكر هؤلاء القادة بالحمد والخير والثاء
هذا عرض سريع للقضية العامة للمعلم كما نعرفها في مصر ، وبقي علينا ان نشرح القضية الخاصة وهي لا تقل من الأولى خطرا ، ونعني بالقضية الخاصة مشكلة إعداد المعلم الإعداد الصالح الذي يمكنه من أداء عمله على وجه مرضي .
واحب قبل أن اطرق هذا الموضوع ان اذكر انني أدرك أن هناك من العوامل المحلية في كل بلد ما يلي علي القائمين بأمر التعليم هذا الطريق أو ذاك . فالعالم كله يواجه ازمة شديدة في المعلمين ، ولمصر من هذه المشكلة نصيب كبير . فعلي القائمين على أمور التعليم أن يعدوا من المدرسين العدد الذي يسد الحاجة بقدر الإمكان ، حتى وإن أدى ذلك إلي شئ من التقصير في إعداد المعلم ولكن نواجه هذه المشكلة أخذت انجلترا تتساهل في شروط قبول من وجد احتراف مهنة التعليم ، حتى إنها تجاوزت عن كل شروط تتعلق بالمؤهلات العلمية فيمن تعدهم من معلمي المرحلة الأولى ، واكتفى من بيدهم الأمر باختبار المتقدمين اختبارا شفويا لتثبت من معلوماتهم العامة ومن نضجهم نضجا يمكنهم من محمل اعباء المهمة التى ستوكل إليهم ، واعدت برنامجا مركزا لا يستغرق أكثر من ستة وأربعين أسبوعا لإعداد معلم تحت الاختبار على انهم اعدوا إلي جانب ذلك دراسات تكميلية يلتحق بها كل من شاء من هؤلاء المعلمين
وفتح في مصر نوع جديد من المعاهد يقوم على إعداد معلم المرحلة الأولى من مراحل التعليم روعي فيها أن يخرج معلما يرتفع مستواه عن معلم الإلزام المعروف ويقل عن معلم المدارس الابتدائية بوضعها القدمم ، كما روعي في المشروع الناحية الاقتصادية بحيث لا تتحمل خزانة الدولة كثيرا في سبيل إعداده واستخدامه
ولو أننا تأكدنا أن هذه خطوة مؤقتة يراد بها مواجهة مشكلة معينة لما كان لنا عليها اعتراض كثير ، ولكنى أخشى أن تتخذ هذه الخطوة صفة الأستمرار والدوام ، وتصبح جزءا من سياستنا التعليمية . فإذا محن قابلنا
الظرف الحالي بعدد مناسب من المعلمين أصبح لزاما علينا أن نضع خطة ثابتة فيها مرونة تمكسها من التطور مختلاف في جوهرها عن هذه . ولعلنا نبادر إلى وضع هذه الخطة لتتخذ مكانها من سياسة تعليمية مرسومة
فإذا نحن أدركنا في وضوح الهدف الذي نري إليه في إعداد المعلم في مصر لهان الأمر وحسم النزاع . فلنجيب إذا على السؤال التالي إجابة تراعي فيها ظروف البلاد ومطالبها ، وتلاحظ فيها القواعد التي تعارف عليها التربوبون ، ثم لتحدد الخطة التي نري وضعها في ضوء الإجابة : لم تعد ؟ وما هي المهمة التي ستتوكل إليه ؟
ثم تعد مهمة العلم مقصورة على التلقين ، بل الواجب والمفروض أن يقوم المعلم على تربية جيل جديد وبناء صرح آدمى مصري جديد ، وتوجيه الجيل الحالي ما يلائم سياسة تعليمية مستقرة بعيدة المدى . فالعلم إذا يبني الجيل القادم من النواحي الخلقية والثقافية والاجتماعية والنفسية ، وهو في بيئته قائد ولبني عشيرته مرشد . فعليه إذن ان يوسع ميدان عمله بحيث مخرج عن جدران المدرسة إلى أسوا القرية أو المدينة وما عداها . فإذا سلمنا بذلك ، وعندي أن التسليم به واجب ، أمكننا أن ندرك في يسر أن المعلم ما هو إلا طبيب خلقي ثقافي اجتماعي نفسي ، ويجب أن نعده في ضوء ذلك كله أما أن يقول أنه سيدرس القواعد الأربعة ومبادئ العلوم وان ترضي له من الثقافة بقسط متواضع يمكنه من ذلك وحده فأمر لا نوافق عليه ويجب ألا تقاض الثقافة اللازمة المعلم بالقسط من المادة أو المواد التي سيدرسها ، كما يجب ألا تقل ثقافة معلم المرحلة الأولى عن ثقافة معلم المرحلة الثانوية كثيرا - إذا أجزنا فرقا ما
على أني لا أنادي بإعداد معلم واحد للمراحل المختلفة من مراحل التعليم ، ولا ادعو إلى إمداد مدرس المادة ليدرس في المرحلة الأولى ، ولكي أقول إن الفروق المطلوبة في إعدا المعلمين للمراحل المختلفة يجب أن تكفلها الفروق في مناهج المواد المهنية - كالتربية وعلم النفس - لا الفروق في المواد
الثقافية بالدرجة التي يجري عليها في أيامنا هذه . فالفارق بين ثقافة طالب اتم السنة الرابعة من سني التعليم الثانوي ، وهو الذي تعده للتدريس في المدارس الابتدائية ، وبين ثقافة خريج الجامعة الذي تختاره ليعلم في المدارس الثانوية فرق شاسع يخلق هوة مفتعلة لا أرى لها وجودا بين مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي اللتين نعد لهما من ندرب من معلمين .
ولهذه التفرقة خطر آخر نلمسه جميعا وهو خلق طوائف واحزاب بين افراد مهنة واحدة ، فما دمنا نحاول التأليف بين قلوب رجال مهنة التعليم فالواجب أن تمهد لذلك تمهيدا عمليا صحيحا بتقريب بين عقلياتهم وثقافتهم وأري لذلك - في سياستينا التعليمية المستقبلة - طريقين لا ثالث لهما : فنحن إما أن ارتفع بالمستوي الثقافي لمعلم المرحلة الأولى ليصل إلى مستوي معلم الرحلة الثانوية ، أو ان يكون التقريب بين المستويين على حساب معلم الثانوي . وعندي أن الأولى خير وابقي . فلو ان وزارة المعارف راعت ذلك في وضع اهداف سياستنا التعليمية بعد التغلب على أزمة المعلمين الحالية لأدت للوطن خدمة جليلة لا تنسي ، فهي بذلك ستعمل علي رفع الجانب الثاني من حياة المعلم بعد أن عملت وتعمل على رفع مستواه الاقتصادي .
وسيقوم الاعتراض حتما على ذلك . فسيقال : إن ذلك سيتطلب منا مالا كثيرا لا قبل لميزانية الدولة على محمله ، وسيقتضي وقتا طويلا لا يستغرقه إعداد المعلم في أي بلد آخر .
أما المال فيجب ألا يقف في سبيل إعداد معلم غالي - لا معلم رخيص - ينفت من روحه ومن عزته في الجيل الجديد ما هو في شديد الحاجة إليه لنكافح الآزمة الخلقية التي أورثنا إياها الاحتلال الطويل . ليكن عندنا ما عند غيرنا من ضرائب للتعليم تفرض تصاعديا على اثرياء الأمة والقادرين من أفرادها . ولنزد من نصيب التعليم
في ميزانية الدولة العامة ولنستعن بخبرة رجال المال والاقتصاد في تذليل هذه العقبة
أما الوقت الذي سنصرفه في إعداد هذا المعلم الجديد فيجب الا يثبط من همتنا . فإذا كنا نطلب ممن يدرس الطب ان يقضي سبع سنوات ليقوم على علاج البدن بعد تخرجه ، فكيف بنا نكتفي بسنتين او ثلاث إذا اردنا ان نعد طبيبا يقوم على بناء النفس وعلاجها وتقويم الخلق وتربية المجتمع ؟ ! انا ادرك ان هذا الفارق قائم في جل بلاد العالم ، ولكنى انادي بأن تكون مصر الأولى في إدراك خطل هذه التفرقة . وليس هناك ما يمنع أن نقود أحيانا !
فإذا تطلعنا في المستقبل إلي معلم مثقف كريم غال وأعرضنا عن إعداد معلم رخيص يشغل أيامه ولياليه بفكر في علاوة أو درجة ، فإنا لا شك سنتضمن للجيل القادم مرشدا طيبا ومعلما نفخر به .
