حينما نشبت الحرب الحاضرة ، كانت الهند - كما كانت في الحرب العالمية الماضية - في مقدمة أمم الأمبراطورية البريطانية التي سارعت إلي نجدة بريطانيا العظمي , فأمدتها ما وسعت من الرجال والعتاد والمواد الأولية والموارد المختلفة ؛ وابلي الهنود بلاء حسنا في معارك لوبية واليونان والحبشة وسوريا والشرق الأقصى
ورأي فريق من زعماء الهند يومئذ ، أن هذا التعاون الوثيق في الحرب بين الهند وبريطانيا العظمي ، يجب أن يدعمه التفاهم الوطيد ، وان يكون ذلك إلا بتسوية المسألة الهندية تسوية عادلة نهائية ، وتحقيق اماني الهند في الاستقلال الذاتي ، وانه يجب على الأقل ان توضع الأسس
التمهيدية لهذه التسوية منذ الآن ، فتكون مثابة تقدير عادل لجهود الهند وتضحياتها العظيمة في سبيل القضية المشتركة .
ولكن الحكومة البريطانية لم تشاطر هذا الفريق رأيه يومئذ ، وأعلن نائب الملك اللورد لنلتجو ، أن بريطانيا العظمي مع تقديرها للمعاونة العظيمة التي تسديها الهند ، ومع تأكيدها لما سبق أن قطعته على نفسها من العهود ، بتحقيق أماني الهند في الاستقلال الذاتي ، تري أن ترجيء بحث التسوية النهائية إلى ما بعد الحرب .
على أن دخول اليابان في الحرب ضد الدول المتحالفة وما ترتب عليه من فقد سنغافورة ، وجزر الهند الشرقية ،
وغزو بورما ، وتهديد الهند من البر والبحر ، يحمل الحكومة البريطانية اليوم على ان تعيد النظر في سياستها الهندية . والسياسة البريطانية عملية كثيرة المرونة ، لا تري غضاضة في تقدير الأمور بحقائقها الراهنة ، والنزول على مقتضيات الظروف فيما يحقق الغاية المنشودة ؛ ومن ثم فقد رأت الحكومة البريطانية ، ان تتقدم في هذا الظرف الدقيق إلى معالجة المسألة الهندية بشجاعة ، وندبت للاضطلاع بهذه المهمة سير سنغافوره كريس ، سفيرها السابق في موسكو ، وهو من اقدر قادة بريطانيا وساستها في هذه الساعة ، وكان لجهوده أعظم اثر في تمكين أواصر التحالف بين روسيا وبريطانيا .
وقد وصل سير كريس بالفعل إلي عاصمة الهند ليبدأ مباحثه مع الزعماء الهنود ، وليقف على اتجاهات الرأي العام الهندي ؛ ومع أنه لم يفض بشيء من الاقتراحات الجديدة التي وضعتها الحكومة البريطانية لحل المسألة الهندية ، فقد صرح بأنها تري في جوهرها إلي تحقيق الوعود التي سبق ان قطعتها بريطانيا العظمي علي نفسها بشأن تحقيق أماني الشعب الهندي في الحصول علي الاستقلال الذاني ، وانه يعتقد أنه يمكن الآن أن نوضع أسس معقولة للخطوات العملية التي تؤدي إلي تحقيق هذه الغاية ، وزاد سير كريس على ذلك بأن الوقت لا يتسع المناقشات الطويلة ، وأن مهمته يجب أن تنتهي بسرعة في مدى لا يتجاوز اسبوعين .
-2-
من الواضح إذا ان السياسة البريطانية تعتزم هذه المرة ان تتقدم إلي معالجة المسألة الهندية بتسوية سريعة حاسمة ، يرجي أن تصل فيها إلي أقصي ما يمكن منحه إلي الهند من صور الاستقلال الذاتي
ويرجع جهاد الهند في سبيل هذه المرحلة من قضيتها
الوطنية إلي الحرب الكبري ، والتاريخ يعيد هنا نفسه . في اثناء الحرب الماضية ، طالبت الهند بالاستقلال الذاتي ورأت في تضحياتها العديدة إلي جانب بريطانيا العظمي ما يبرر هذا الطلب ، ووقعت في بعض الولايات اضطرابات وحوادث سياسية . وفي سنة ١٩١٧ أوقدت الحكومة البريطانية إلى الهند ، اللورد مونتاجو وزير الهند ليبحث مع نائب الملك ، وهو يومئذ اللورد شلسفورد ، ما يجب اتخاذه لإقامة حكومة مسئولة في الهند ؛ وفي العام التالي صدر تقرير مشترك عرف باسم واضعيه ، مونتاجو وشلسفورد ، يتضمن بعض اقتراحات تتتعلق بالإصلاحات الادارية ، وحكم الولايات .
ولكن الشعب الهندي لم ير في هذه الاقتراحات ما يرضي أمانيه ، وحدثت عقب الحرب اضطرابات سياسية جديدة ، ودعا غاندي يومئذ إلي العصيان المدني ووقعت حوادث امرتسار الشهيرة ؛ فندب البرلمان البريطاني لجنة للنظر في مشروع قانون جديد الهند على أسس اقتراحات مونتاجو , وصدر القانون متضمنا لبعض اصلاحات دستورية ، أهمها أن تعرض الميزانية على المجلس التشريعي لاقرارها ، وان تمنح حقوق الانتخاب إلي بعض الطوائف وان يعين للهند مندوب سام في لندن ؛ ونوه في هذا القانون بأنه تجربة ومرحلة انتقال إلي الحكم الذاتي .
ومضت الهند في جهادها أعواما أخري ، وهي تغلي وتضطرم من وقت إلي آخر بأعنف الحوادث ؛ حتى اتخذت الحكومة البريطانية خطوة جديدة بانتداب لجنة سيمون في سنة ١٩٢٧ ، لتبحث المسألة الدستورية كلها ، ولتقرر بعد ذلك ما يمكن منحه الهند من صور الحكم الذاتي ؛ وذهبت لجنة سيمون إلي الهند في أوائل سنة ١٩٢٨ ، ولكنها قوطعت مقاطعة شديدة ؛ وبعد
تحقيقات ومباحث مستفيضة ، أصدرت عن مهمتها تقريرا ضخما ، أوصت فيه بعدة اصلاحات ، اهمها ان يلغي نظام المقاطعات التي يختص بحكمها الانكليز ، وان يعاد إنشاء مجلس نائب الملك علي نمط جديد ، وان ينشأ للهند دستور اتحادي تقوم على تنفيذه جمعية تشريعية اتحادية ، وان تستشار الولايات فيما يهم الهند البريطانية بصفة عامة ، وأن يسن الانتخاب الطائفي للأقليات مثل المسلمين والسيخ والمنبوذين والأوربين ، وان تفصل ولاية بورما عن الهند ، وتعتبر وحدة إدارة مستقلة
وفي سنة ١٩٣٠ عقد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن لبحث قضية الهند ، وحضره مندوبون عن جميع طوائف الشعب الهندي , وشهده غاندي في العام التالي , ولكن المؤتمر لم يوفق إلي وضع حل نهائي ترتضيه جميع الطوائف الممثلة فيه ؛ وعندئذ رأت الحكومة البريطانية ان تتناول الأمر بيدها ، وان تنفذ جوهر الاصلاحات الدستورية التي أوصت بها لجنة سيمون ؛ وقد كانت هذه الاصلاحات ، هي اخر مرحلة قطعتها السياسة البريطانية في سبيل تحقيق مطالب الهند في الاستقلال الذاتي .
بيد أن السياسة البريطانية ما زالت تكرر من ذلك الحين أنها ترمي إلي أن تصل بالهند إلي نظام الأملاك المستقلة ( الدومنيون )، وهو ما يحقق لها اقصى درجات الحرية والاستقلال الذاتي ؛ وقد تعاقبت تصريحات المسئولين من رجال الحكومة البريطانية ونائب الملك في هذا المعنى ؛ أما متى يتحقق هذا النظام ، فمسألة مرهونة بالوقت الملائم ، ويجب على أي حال ان تسمى الهند إلي تسوية مسائلها الطائفية ، إذ يتعذر قبل ذلك أن تحل المسألة الهندية حلا عادلا نهائيا
- ٣ -
هذا استعراض موجز لأهم المراحل التي تقلبت فيها مسألة الهند الدستورية إلى اليوم ، وعلى ضوء هذا
الاستعراض نستطيع أن نفهم الوضع الحالي للقضية الهندية .
فالهند تطالب بالاستقلال الذاتي بمعناه الحقيقي ؛ وهي تستند في هذا الطلب إلي حقوقها الطبيعية ، وإلى تضحياتها العديدة ، ونري ان هذا الوقت الذي يرتبط فيه مصيرها بمصاير الامبراطورية البريطانية ، هو افضل الأوقات لتحقيق امانيها بصورة عادلة نهائية وقد اعتزمت السياسية البريطانية ، فما يبدو ، ان تخطو الآن في هذا السبيل خطوة سريعة ناجحة ، فتعمل على تسوية المسألة الهندية بصورة ترضي أماني الهند ، وتطمئها على مصابرها ، وتوثق اواصر التعاون بين الهند وبريطانيا العظمي ، في دفع الخطر المشترك ، الذي يهدد الهند والامبراطورية البريطانية .
على أنه يجب قبل الوصول إلي هذه النتيجة أن تحل عدة مسائل فرعية ، تتوقف على حلها أي تسوية نهائية
وأولي هذه المسائل وأهمها المسألة الطائفية فالهندوس وهم الاكثرية الساحقة يعارضون مبدأ التمثيل النسبي في الحقوق السياسية والثقافية والوظائف العامة ويستندون إلي مبدأ القومية العام ، واثقين من أن كثرتهم تكفل لهم تحقيق التفوق في جميع الميادين . ولكن المسلمين ، وعددهم نحو سبعين مليونا ، يقولون إنهم ليسوا اقلية بالمعني المفهوم ، وإنهم أمة بأسرها ، ويتمسكون بمبدأ التمثيل النسبي ، لأنه هو وحده الكفيل بصون مصالحهم من تحكم الا كثرية الهندوسية ، ويرون ان خير تسوية هي إقامة دولتين أو وحدتين سياسيتين كبيرتين في الهند ، إحداهما للهندوس والأخري المسلمين ، وقد أكد السيد جنة رئيس الرابطة الاسلامية أخيرا تمسك المسلمين بهذا المبدأ ، وانهم لا يقبلون عنه بديلا .
وتحذو الطوائف الآخر ، مثل المنبوذين ، والسيخ ، وغيرهم حذو المسلمين في التمسك بالمبدأ الطائفي والمسألة الثانية هي مسألة الولايات الهندية المستقلة
وعلاقتها بالهند البريطانية وبالتاج ؛ ومنها حيدر أباء وبارودا ، ومبسور ، و كشمير ، وراجبونانا ، والبنجاب ، وغيرها ، وتشمل نحو سبعين مليونا من الأنفس ، فهذه . الولايات ترتبط مباشرة بالتاج البريطاني ؛ وهم تصر على بقائها في هذا الوضع بعيدة عن نفوذ الهند ومجلس نائب الملك فيما يتعلق بشئونها العامة .
هذه المسائل وغيرها مما يتعين على السياسية البريطانية أن تبت فيه قبل كل شئ .
والمعروف عن السياسة البريطانية انها تؤيد وجهة النظر الاسلامية في المسألة الطائفية ، كما تؤيد وجهات نظر الأقليات الاخري فيما تراه لصون حقوقها . وهي تري ان تسوية المسألة الهندية على هذه القاعدة أكفل بتحقيق الغاية المنشودة .
ولم يعرف شئ بعد عن اقتراحات الحكومة البريطانية الحديدة ، ولكن يبدو مما صرح ، سير ستافورد كريس أنها تقوم في جوهرها على منح الهند نظام الأملاك المستقلة ( الدومنيون ) على مثل كندا ، وجنوب أفريقية ، واستراليا ، وزبلند الجديدة ، وذلك مع مراعاة اوضاع الهند الخاصة ، الجغرافية ، والسياسية ، والطائفية ؛ ومن المفهوم أن مشروع الحكومة البريطانية ، سيقوم على تصريح أو قرار يتضمن المبادئ العامة ، وان ترجأ تفاصيله كما يرجأ تنفيذه إلى ما بعد الحرب .
ولن تكون السياسة البريطانية في منحها الاستقلال الذاتي للهند إلا منجزة لوعودها التى قطعتها على نفسها ، وأكدتها في فرص عديدة ، على النحو الذي أسلفنا .

