سبحان ربي مقسم الحظوظ ، ولا عتاب ولا ملامة وقد أراد أن يهب لشهرزاد من الحظ ما لم يقسمه لغيرها من خلقة - وله فيما أراد حكمة - وقفت مرة تتحدي الموت عند ملك جبار يخنق ، شديد العطش إلي الانتقام وسفك الدماء ، فإذا بها تصير ملكة ، وتقاسم الملك الجبار سلطانه ، وتقيم معه في نعيم مقيم ، تنتقل في قصرها السحري كيف تشاء ، وهي كلما اشتهت شيئاً تحقق لها ، كأنها حورية في جنة النعم . ثم تنتقل بقصرها السحري إلى جبال (الفوج) إذا ما طابت لها الإقامة هناك ، فإذا ملت أو أشبعت متعتها بتلك الجبال عادت بقصرها السحري إلى بغداد ، أو ضربت به في بلاد أخري تتجه إليها أهواؤها المتقلبة . والناس في كل عصر يتحدثون بأحاديثها ، ويرددون اسمها ، ويتمثلون السعادة والجمال الأسمي في ذاتها .
فهل بلغت أمرأة - ولا أقول هل بلغ إنسان - مثل هذه القسمة من الحظ السعيد ؟ هل بلغت ( إيزيس ) مثلا بعض ما بلغته ( شهر زاد ) من نعمة وشهرة ، ولصوق بقلوب هؤلاء الآدميين ؟
نعم قد عبدت إيزيس في أقطار الأرض الفسيحة ، ولكن الناس لم يكونوا يبتهلون إليها في معابدها تمثل الشغف الذي يتجهون به إلي ذكر شهر زاد . ولم يكونوا يقدمون لها الحب الخالص من كل قيد من الرهبة كما يقدمون الحب إلي( شهر زاد ). وقد تقادم العهد علي إيزيس ، فأصبح اسمها اليوم نكرة إلا عند من لا يزالون يذكرون الأساطير من وراء أذهان مكدودة بثقل ذخائر تحف القدماء , على حين أن شهرزاد بقيت حية في قلوب الملايين من البشر ، منذ أجيال وأجيال ، ولا تزال تلك
الملايين في زيادة علي تتابع العصور
حتي الأسم - حتى حروف اسم شهرزاد -يتمثل فيها الحظ السعيد الذي لا يشبهه حظ آخر . فلهذا الاسم جرس عذب له موسيقي سهلة ما أوشك أن تدخل إلي القلب دخولاً هيناً لا يخاشنه عنف ، ولا يعترضه ( نشاز ) ومن آيات حظها السعيد أن الأدباء والفنانين ما زالوا منذ القدم مولعين بوصفها والتغني بقصصها . ولسنا في حاجة للرجوع إلي مئات السنين لندلل على ذلك ، فهو أمر معروف ، وحسبنا أن نذكر أنها اليوم تثير الأدباء ثورة بعد ثورة في أركان كثيرة من العالم ، ولم تخل هذه السنوات الأخيرة من الاعتزاز علي اسمها في مصر ، منذ كتب عنها الاستاذ الأديب المبدع توفيق الحكيم قصته المعروفة .
ولشهرزاد هذه خصلة أخري غير حظها السعيد ، فهي مرنة إلي أبعد حدود المرونة ، تستطيع أن تساير العصور علي اختلافها ، وتعيش في البيئات المختلفة كل الاختلاف ، فلا تجد نفسها غريبة في بيئة منها ، بل تكون فيها جميعاً في المقدمة فائزة بالإعجاب دائما . فقد عاشت مرة في بغداد عندما كانت تري القوافل ترد إلي عاصمة الخلفاء في قطر طويلة من الإبل ؛ ثم عاشت مرة أخري في عصرنا الحديث ؛ واستقبلت وهي في بغداد ضيفة وفدت عليها من باريس في طائرة قطعت الفضاء بين العاصمتين في ساعات ، كأنها تركب فوق بساط الريح - هكذا أخبرنا عنها القصصى الفرنسي هنري دي رينييه ؛ ثم عاشت مرة ثالثة في فرنسا ، في إقليم جبال الفوج ، وانتقلت إلي هناك بقصرها كله ، وعاشت كما يعيش المتنعمون من أهل هذا العصر ؛ وفكرت كما يفكر قادة الرأي فيه - هكذا أخبرنا عنها الأستاذان الأديبان الجليلان طه حسين وتوفيق الحكيم في كتابهما ( القصر المسحور ) . ثم عاشت مرة رابعة في قصرها السحري في مكان ما في هذه الأرض الفسيحة ، ولم ترد أن تفشي إلي
أحد سر مكانها الجديد الذي تقيم فيه مع زوجها القديم شهريار تقص عليه قصصها الرائع ، وهي غارقة في نومها - هكذا حدثنا عنها الأديب العظيم طه حسين في كتابه الجديد ( أحلام شهر زاد ).
هذه نبذة من أخبار حياتها ، وليست هي على التحقيق كل أخبار حياتها العجيبة ، فانما أنا اتحدث بما سمعت وما بلغ إليه علمي ؛ ولا شك في أن حياتها تكتم أسراراً لا حد لها لم يصل إليها علمى ، ولا علم الكثيرين من الناس .
وفوق كل هذا قد تعددت أساليب حياتها ، فقد كانت في بغداد فتاة ساذجة غير شهرزاد التي استقبلت الضيفة الوافدة علي متن الطائرة ، وكانت في المرتين غير الفتاة التي عرفها الأستاذ توفيق الحكيم ؛ وهي في كل هذه الحالات غير المرأة التي عرفها الدكتور طه حسين ؛ وهي مع ذلك الاختلاف تحتفظ بشخصية جذابة كما يقولون ، وفكر عميق ، وحيوية مدهشة .
فلنتحدث قليلا عن شهرزاد الأولى :
كانت فتاة ساذجة ، لها مواهب عبقرية في فن القصص ، ولا شك أنـها كانت فتاة جريئة شديدة الاعتداد بنفسها ، إذ تقدمت إلي شهرير الملك السفاح لكي ترى كيف يكون حظها منه ,مخاطرة برأسها الذى طاحت رؤوس كثيرة قبله هي يد شهريار المحنق القاسى.
ثم ما زالت بشهريار تقص عليه حكاياتها العجيبة , واحدة بعد واحدة ، حتى مضي عليها ألف ليلة وليلة ، فإذا بشهريار ينسى قسوته ووحشيته ويمتلئ قلبه إنسانية ورقة وحبا ، ويعيش معها بعد ذلك في سعادة زوجية وديعة ، ذات ثمرات حلوة من البنين والبنات
وأما شهر زاد الثانية ، التي قص أخبارها هنرى دى رينيه . فلنترك الحديث عنها الآن حي نعود إليها بعد حين ، ولو أن فى هذا إفساداً لترتيب وضع الزمان ,
ولسنا في حاجة إلي الاعتذار عن هذا الإفساد ، فإن شهر زاد لا عبرة عندها بنظام مر الأيام
جاء الأستاذ توفيق الحكيم ، فقص لنا أخبار شهر زاد وكانت لا تزال في بغداد . وأحب قبل أن أذكر قصة الحكيم ، أن أمهدبكلمات في الأثر النفسى الذى يحدثه فىّ هذا الحكيم ، مؤلف القصة . ولست أقول إن هذا الأثر النفسي يصف حقيقة الرجل ، وأين هى الحقيقة؟ إنها تلك الصورة الغامضة التي لا وجود لها ، والتي يزعم الناس أنهم يعرفونها في حين أنهم لا يعرفون إلا ما تراه عيونهم وتسمعه آذانهم ، وتفهمة عقولهم منها .
توفيق الحكيم من أعجب من رأيته رجلا ، إنني أعرفه وأطمع في أن يعدني صديقاً ، ولكني مع ذلك كلما خلوت إلي نفسي وتصورته , وأعدت لنفسى أقواله وحركته وتصرفه في أمره ، ازددت منه عجباً . هو رجل جميل الصورة ، أو هو كذلك في عينى ، فله وجه متناسب الأجزاء ، وله جبهة فسيحة ، وشعر فني ، أقصد أنه كشعر الفنانين الذين اعتادوا أن يميزوا أنفسهم بغرابة في قص الأطراف أو ترجيلها ، وهو شديد الأناقة ، حلو الصوت ، رقيق الحديث ، مهذب العبارة ، لا تقع الأذن ولا العين منه علي ما يفسد شيئاً من المتعة به ، ولكن ...
ولكن أهذا كله هو القصصي النابغة الذي يغوص على المعاني فيبرزها في حواره العبقري إبرازاً معجزاً ؟ أهو الذي يلعب بالأفكار هذا اللعب البهلواني ، تارة يجعلها غامضة كأنها واضحة ، وتارة يبرزها واضحة كأنها غامضة ، ومرة يسمو بها سمواً رائعاً ، ومرة يفسدها إفساداً مؤلما ؟ أهو الذي عقد قصة أهل الكهف أو سهلها ولينها ؟ أهو الذي أنشر ( شهر زاد ) في ثوبها السماوي ، أو الذي هوي بها إلي العار وشوهها ومسخها ؟ أهو الذي ألف براكسا ، ويبجماليون ، وسوي ذلك من المؤلفات التي تملأ أسماؤها جلدة كتبه الجديدة دائما ؟
إن هذا عجب ! وإنني أسمعه يتحدث فلا أكاد أجد فيه سوي الجليس المؤنس الصافي النفس ، فما له إذا خلا إلي نفسه وأخذ يكتب صار إنساناً آخر كأنه قد ذاب في شيطانه ذوبانا فلم يبقى منه شئ سوي الشيطان ؟
شئ واحد قد لمحته فيه ، وهو الذي يجعلني أصدق أن الأستاذ توفيق الحكيم هو مؤلف هذه القصص الرائعة ، وذلك أنني من طول ملاحظتي له قد عرفت أنه امرؤ من أسرع الناس انطواء على نفسه ، وقد شبهته فيما يبني وبين نفسي بالقوقعة ، فهو يخرج من صدفته البراقة إذا عرف أن الفضاء حوله قد خلا من كل ما يخيف . وعند ذلك يأمن فيبرز قرنيه في حذر شديد فيبصر بهما ما حوله في بطء ولين ، حتي إذا ما اطمأن كل الاطمئنان ، مد رقبته وأخذ يدب هنا وهناك ويلتقط رزقه مما حببت إليه الطبيعة اقتناصه - ولست أدري أنا ما هو - فلو أتيح لأحد أن يراه عند ذلك لرأي دقة تفوق كل دقة ، وإبداعاً في الخلقة يفوق كل إبداع ، وليناً في الحركة ، ومهارة في الصيد ، وتفننا في الحس . ولكن هذه القوقعة ما تكاد تحس صوت النسيم في ثنايا الحشائش الناعمة حتى تعود إلي صدفتها في مثل لمح البصر ، فإذا هي صدفة براقة يرفعها الطفل في يده لاعباً ، ويمر بها الفلاح غير مدرك أن هناك قطعة من أبدع آيات الخلق المجيد .
هكذا بدا لي الأستاذ توفيق الحكيم ، وأغلب ظني أنه لا يكتب هذه القصص الرائعة إلا وهو خارج عن صدفته ، إذا اطمأن كل الاطمئنان إلي أن الجو خال من كل رقيب . وأغلب ظني فوق ذلك انه لا يكتب قصصه بذلك العقل الذي يتكلم به مع الناس ، أو يناقشهم أو يعاملهم . بل هو يؤلف بعقل آخر ، وليكن اسمه ما يكون ، فقد يكون اسمه العقل الباطن ، وقد يكون اسمه التجلي
والاستغراق ، وقد يكون اسمه الوحي ولكن شيئا واحداً محقق عندي ، وهو أنه لا يمكن أن ينتج فنه بهذا العقل الذي يلبسه أو يتخذه فيما بينه وبين الناس .
حسبى هذه الكلمة عن الأستاذ توفيق الحكيم نفسه ، ومنها يدرك القارئ الكريم أنني محب له ، معجب بفنه ؛ وإن كان العجب قد حملني على الذهاب مع الظن إلي حيث ذهبت في سر إبداعه .
أما شهر زاد الحكيم نفسها . . لقد كنت أحب أن أمضي في الحديث عنها ، ولكن الصباح أوشك أن يدرك ، وما ينبغي أن أخالف سنة شهر زاد
(له بقيه)

